حين أعادت الخادمة ضحكة الطفلة… ورمّمت قلب الأب المكسور
المحتويات
أن تبكي أمام جاسمين. لم تكن تريد ذلك. لكنها لم تستطع التوقف.
وفجأة شعرت بها يد صغيرة على ركبتها. نظرت إلى أسفل. كانت جاسمين قد تحركت.
لأول مرة منذ وصول فيليسيا تحركت الطفلة. كانت تدفع بفيلها القطيفي نحوها ببطء بحذر. كأنه هدية. تلاقت نظراتهما وفي تلك اللحظة مر بينهما شيء عميق. فهم أو اعتراف صامت. أنا أراك. وأنا أراك أيضا. انحبس نفس فيليسيا. أمسكت الفيل برفق وقالت شكرا لك. همست.
لم تبتسم جاسمين ولم تتكلم. لكن عينيها ظلتا مركزتين على وجه فيليسيا. تنظر إليها حقا ترى. لأول مرة.
في تلك الأمسية كانت فيليسيا في المطبخ تعد الحساء. كانت تدندن دون أن تشعر نفس الأغاني القديمة التي كانت جدتها تغنيها. شعرت بأنها أخف قليلا وكأن شيئا ما تحرك. دخل جيك مبكرا ذلك اليوم السابعة والنصف بدل التاسعة. وقف في مدخل المطبخ. كانت فيليسيا واقفة عند الموقد تقلب الحساء تدندن بهدوء شعرها مربوط إلى الخلف وترتدي مئزرا. بدت وكأنها تنتمي إلى المكان. هذا المشهد ضربه في صدره بقوة. كلير كانت تدندن حين تطبخ. انشد فكه.
قال ببرود لا تشعري براحة زائدة. أنت من طاقم العمل لست من العائلة. استدارت فيليسيا ببطء ونظرت إليه. قالت بهدوء صدقني أنا أعلم جيدا من أكون يا سيد موريسون. كان صوتها ثابتا. ثم أضافت هل تعرف أنت من تكون بقي السؤال معلقا في الهواء بينهما. اشتد وجه جيك. مر من أمامها دون أن يقول شيئا آخر. لكنه في الأعلى في مكتبه جلس على كرسيه ولم يستطع أن يطرد السؤال من رأسه.
هل تعرف من أنت الحقيقة كانت أنه لم يعد يعرف. لا يعرف من يكون بدون كلير بدون الفرح بدون الأمل. أصبح غريبا عن حياته. وهذه المرأة
الأسبوع الثاني الثامن عشر من ديسمبر. غطت العاصفة الثلجية بوسطن بالكامل. كان الثلج كثيفا إلى درجة أنك لا تستطيع رؤية الجهة المقابلة من الشارع. هدأت المدينة. أغلقت المكاتب. خلت الطرق. اضطر جيك للعمل من المنزل. ولأول مرة منذ ثمانية عشر شهرا لم يعد يستطيع الهرب من أصوات بيته.
سمع فيليسيا تتحرك في الأسفل. سمع صفير الغلاية. سمع خطواتها على الدرج. سمعها تتحدث إلى جاسمين تتحدث باستمرار كما لو أنها متأكدة أن الطفلة تسمعها. وربما كانت تفعل. جلس جيك في مكتبه أمام شاشة الكمبيوتر لكنه لم يكن يقرأ شيئا. كان فقط يستمع. عند الظهر سمع شيئا مختلفا. موسيقى.
توقف عن الكتابة. كان الصوت يأتي من غرفة جاسمين. موسيقى إنجيلية قديمة من النوع الذي كانت جدته تشغله. وقف ومشى نحو الباب وفتحه قليلا.
كانت فيليسيا تغني لا تستعرض ولا تحاول أن تظهر جمال صوتها بل تغني لأنها لم تعد تحتمل ثقل الصمت. كان صوتها دافئا ليس مثاليا لكنه حقيقي. كانت تغني هذا النور الصغير سأجعله يضيء ضاق صدر جيك. لم يكن عليه أن يستمع. هم أن يعود إلى مكتبه. ثم سمع شيئا جعله يتوقف.
ضحكة. صغيرة خافتة. مستحيلة.
تجمد في مكانه. لا لا يمكن. ثم سمعها مرة أخرى أوضح أعلى. بدأت يداه ترتجفان. تحرك نحو غرفة جاسمين ببطء كأنه يمشي في حلم يخشى أن ينتهي. كان الباب مفتوحا قليلا. نظر إلى الداخل.
كانت فيليسيا ممددة على الأرض ذراعاها وساقاها مفتوحتان كأنها تصنع ملاكا ثلجيا وتصدر أصواتا مبالغا فيها وجهها يبدو مضحكا للغاية. وكانت جاسمين يا الله كانت تضحك. يدها الصغيرة على
لم يستطع أن يتحرك. لم يستطع أن يتنفس. لم يستطع أن يفعل شيئا سوى الوقوف هناك ومشاهدة ابنته ابنته الصامتة المكسورة التي لم يكن يستطيع الوصول إليها وهي تضحك. تساقطت دموعه قبل أن يشعر بها. وضع يده على إطار الباب ليتماسك. ثمانية عشر شهرا. ثمانية عشر شهرا من الصمت من الأطباء من المختصين من التجارب الفاشلة. وهذه المرأة هذه الغريبة هذه الخادمة التي بالكاد تحدث معها فعلت ذلك. أعادت ابنته إليه.
جلست فيليسيا تلتقط أنفاسها وابتسامة عريضة على وجهها. قالت أعجبك هذا انتظري حتى تري هذا. ثم استلقت على ظهرها مرة أخرى وأصدرت أصواتا أكثر طرافة. ضحكة جاسمين ملأت الغرفة مثل الأجراس مثل الموسيقى مثل الحياة. تراجع جيك إلى الخلف قبل أن يلاحظاه. عاد إلى مكتبه أغلق الباب وانهار.
جلس إلى مكتبه رأسه بين يديه وبكى. بكى على كلير على جاسمين على كل الوقت الذي ضيعه وهو غارق في الغضب بدلا من الحضور وعلى صوت ضحكة ابنته الذي ظنه ضاع إلى الأبد. كان هاتفه على المكتب. التقطه واتصل بوالدته مارجريت. كلماته كانت متقطعة. قال لقد ضحكت. ردت مارجريت وصوتها مبحوح بالدموع من جاسمين قال نعم كانت تضحك.
قالت مارجريت الحمد لله. ثم أضافت كانت فيليسيا تلعب معها فقط. وجاسمين ضحكت. ساد صمت. قالت بنبرة هادئة حازمة اسمها فيليسيا يا جيك. ليست الخادمة. فيليسيا. أغمض عينيه وقال أعلم.
أغلق الهاتف وبقي جالسا في صمت مكتبه. ولأول مرة منذ وفاة كلير شعر بشيء كان يظنه ميتا. الأمل. هش مخيف لكنه حقيقي.
في تلك الليلة لم يختبئ. نزل لتناول العشاء
حدق في طبقه. قال لقد نسيت ذلك أنا أيضا. قالت بصوت لطيف أعلم. لكنها تحتاجك أن تتذكره. نظر إلى جاسمين ثم إلى فيليسيا وشعر بشيء في داخله يلين.
بعد ثلاثة أسابيع في العشرين من ديسمبر قبل خمسة أيام من عيد الميلاد كان هناك شيء مختلف في البيت. بدأ جيك يعود إلى المنزل في السادسة والنصف بدل التاسعة. صار يسأل الآن كيف كان يومها هل أكلت هل ابتسمت ما زال يحافظ على مسافة بينه وبينها. ما زال لا يعرف كيف يكون أبا لكنه يحاول. وكانت فيليسيا ترى ذلك. تراه في طريقة وقوفه في الممرات وفي الطريقة التي يراقب بها ابنته من بعيد وفي نظرة عينيه حين يرى جاسمين كأنه يتذكر شيئا كان يظنه ضائعا.
في ذلك الصباح اتخذت فيليسيا قرارا. كان تدريبها في العلاج الفيزيائي يصرخ في رأسها منذ أيام. عضلات جاسمين قوية. جسدها لا نقص فيه. كل ما في الأمر أنها تحتاج أن تتذكر أن الحركة آمنة. أنها تحتاج إلى اللعب العلاجي.
في منتصف الصباح كانت الشمس تغمر غرفة جاسمين. ارتدت فيليسيا بنطالا رياضيا وقميصا قطنيا بدلا من ملابس العمل المعتادة. فرشت بساطا سميكا على الأرض. قالت جاسمين هل تريدين تجربة شيء ممتع اليوم رفعت الطفلة نظرها. بدت عليها لمحة فضول. استلقت فيليسيا على ظهرها وثنت ركبتيها. قالت تعالي هنا يا حبيبتي. ترددت جاسمين للحظة ثم تحركت ببطء شديد تزحف نحوها.
رفعتها فيليسيا بحذر
متابعة القراءة