طلّقني زوجي ليتزوج أختي الصغرى. وبعد أربع سنوات، رأى الطفل الواقف خلفي فشحب وجهه كمن رأى شبحًا

لمحة نيوز

الحياة. التطبيق يرن. الطقس يتغير. الحضانة ترسل ورقة تخبرنا أن يوم الجمعة القادم يوم البيجاما. أكتب بيجاما على لوح صغير في المطبخ لأن الأمومة في النهاية قائمة مهام نابضة.
عندما بلغ جاكوب ثلاث سنوات ونصف سألني
لماذا لا تعيشين مع بابا
لم يكن السؤال حزينا بل فضوليا. شرحت له بلغة بسيطة
أحيانا يا حبيبي الكبار يحبون بعضهم فترة ثم يتوقف هذا الحب عن أن يكون مناسبا للعيش تحت سقف واحد. لكن محبتنا لك أنت لا تتغير أبدا.
هز رأسه وقبل الجواب كما تقبل حقيقة أن بعض حبات العنب فيها بذور وأخرى لا.
لاحقا في الحمام سأني
هل بابا فعل شيئا سيئا
قالها كأن العالم صندوقان جيد وسيئ.
قلت
نعم. بابا فعل شيئا سيئا. وهو الآن يحاول أن يفعل أشياء جيدة.
صب الماء من الكوب إلى حوض الاستحمام باهتمام شديد كأن كل ما يسكب يمكن جمعه من جديد.
المسامحة عاشت في الحي نفسه الذي تعيش فيه السلام لكنها لم تسكن البيت ذاته. السلام كان يزورني كثيرا يجلس معي ويشرب قهوتي ثم يغادر ويعود. أما المسامحة فكانت تمر فقط لتتأكد من أن الحرارة في المكان مناسبة ثم تختفي. تعلمت الفرق بينهما. الناس سيقولون لك إنك لا تتحررين إلا إذا سامحت لكنني اكتشفت أن هذا أحيانا دعاية لشيء لست مضطرة لشرائه. بنيت شيئا آخر حدودا فيها نوافذ. سمحت لجاكوب أن يرى والده كريما وناقصا في آن. سمحت لنفسي أن أكون الجدار الذي يرتد عنه الكرة دون أن ينهار.
لم يكن هذا مثاليا. كنت أكره الأعياد. عيد الشكر تحديدا كان يلمع على التقويم كتذكير قومي بأن على الجميع أن يجتمعوا ويكونوا ممتنين حتى لو لم يكن في الغرفة ما يستحق الاحتفال. تعلمنا أن نقسم اليوم. مارك يأخذه صباحا لمشاهدة الاستعراض على التلفاز وأنا أحتفظ بوجبة الغداء. في أعوام أخرى اخترنا تناول وجبة مع أصدقاء نغمر ترتيبنا الغريب وسط فوضى ما يسمى العائلة التي نختارها.
إيميلي تحولت إلى شبح ثم ومع مرور السنوات إلى شخص من لحم ودم مرة أخرى لكن على بعد. انتقلت من ولاية إلى أخرى. اتصلت بأمي كثيرا وبي مطلقا. أرسلت لجايكوب في عيد ميلاده مجموعة مكعبات خشبية عليها حروف. لم أعرف ماذا تقصد من وراء الهدية لكنني لم أعد أخضع كل شيء للتحليل. جاكوب بنى بها برجا ثم هدمه وضحك. سأل
من خالتي
قلت
نعم.
أحيانا عليك أن تلصق كلمة بسيطة على صندوق

معقد وتدخله الغرفة بلا شرح.
عندما بلغ جاكوب الخامسة وفقد أول سن لبني نسيت جنية الأسنان أن تزوره في الليلة الأولى ثم بالغت في الليلة الثانية بترك ورقة نقدية تحت الوسادة كهدنة متأخرة. أرسل مارك رسالة
هل نسيت الجنية أمس مبتدئة.
فأجبته
مضغوطة في العمل.
قال
لازم نزيد ميزانيتها.
ضحكنا نحن الاثنين كل في مكانه وهو نوع من التشارك أستطيع احتماله.
تغيرت الإدارة في المستشفى. المدير الجديد جاء من ولاية تكساس يتحدث عن تحسين رحلة المريض بطريقة جعلتني أرغب في حرق بطاقة عملي. بقيت لأن القسم لا يزال المكان الوحيد الذي أشعر فيه أن الأشياء تتحسن فعلا بمجرد أن يلمسها أحد. النظام الصحي ظل وحشا كبيرا يتغذى على شعارات لكن روزا ما زالت تضحك ككنيسة صغيرة وليندا تقاعدت بحفلة وداع وضعنا فيها اسمها على قطع الكاب كيك كأن السكر وسام شرف.
بعد ست سنوات تقريبا من مشهد السوق الأول كنا في مباراة بيسبول صغيرة في ملعب محلي. جلس جاكوب بيننا يمسك إصبعا إسفنجيا أكبر من ذراعه. أوقع عصير الليمون على بنطاله وهز كتفيه لأنك في الثامنة تتعلم أن الصيف يجفف كل شيء. اشترى له مارك هوت دوغ وأعطاني منديلا. للحظات بدونا كعائلة تحمل صورة نموذجية يمكن أن توضع في إطار معروض في متجر. شعرت أن الحزن والامتنان يتصادمان في صدري كموجتين ثم يتحولان إلى زبد.
رفع جاكوب رأسه وقال
ماما بابا شفتوا الكرة
كان يشير إلى كرة طارت عاليا ثم سقطت في قفاز أحد اللاعبين وتصاعد صوت الجمهور المعتاد.
شفتوها!
ضحكته كانت كاملة صافية. أردت أن أشكر أحدا ولم أجد إلى من أرسل بطاقة الشكر.
مع مرور الوقت صارت أسئلته أعمق
هل كنت تحبين بابا
لماذا تزوج بابا خالتي إيميلي
هل أنت زعلانة من خالتي
أجبت بجمل صغيرة تشكل معا حقيقة أكبر أن الحب والأذى قد يعيشان في البيت نفسه وأن القرارات لها ظلال وأن الناس يمكن أن يكونوا في الوقت نفسه الجرح واليد التي تحاول تضميد ما يمكن تضميده. لم أعطه كل التفاصيل. لم أصف لأذنه مدار أختي البعيد ولا رغبة أمي العنيدة في صورة عائلة مثالية. أعطيته ما يكفي ليثق بي عندما ينكشف الباقي وحده ذات يوم.
في ليلة من ليالي الربيع بعد اجتماع مع معلمة جاكوب أخبرتنا فيه أنه احتضن زميله الذي بكى في الصف وقف مارك معي في موقف السيارات بنفس العادة القديمة التي
كانت لديه عندما كنا نخرج من السوبرماركت معا. نظر إلي وقال
شكرا لك.
سألت
على ماذا
قال
لأنك لم تجعلي مني الشرير الوحيد في قصته.
لم يقل لأنك سمحت لي أن أكون أبا. لم يقل لأنك تركت لي كرسيا على الطاولة. اكتفى بتلك الجملة وكانت كافية.
قلت
لا أحتاج أن أراك شريرا. أحتاج فقط أن يعرف هو ماذا يفعل بحبه.
فاجأتني الجملة وأنا أنطقها. شعرت أنها جملة يستحق عليها الإنسان تصفيقا في جلسة علاج نفسي.
وقفنا هناك والمدينة حولنا تواصل ضجيجها العادي قطار خفيف يطلق جرسه صفارة إسعاف بعيدة امرأة تصرخ في سماعاتها اللاسلكية عن اجتماع عبر الإنترنت. السماء فوق بورتلاند كالعادة غير قادرة على الحسم بين المطر والصفاء.
قال مارك
أنا آسف.
ولأول مرة صدقته دون أن أشعر أنه يطلب في المقابل شيئا.
المسامحة لم تهبط علي كصاعقة لا في تلك الليلة ولا التي بعدها. لم تأت عندما تذكر أن يعيد كتاب جاكوب دون أن أنبهه أو حين قاد سيارته عبر نصف المدينة في عاصفة ثلجية ليأخذ جاكوب من المدرسة لأن مناوبتي تأخرت أو عندما حضر حفل البيانو في بدلة غير محكمة وكأنه ارتداها على عجل. جاءت على شكل جزيئات صغيرة. جاءت بلا لافتة. جاءت كما يأتي المطر في بورتلاند بإصرار هادئ لم أكن أظن أنني أملكه في داخلي.
أما السلام فكان موجودا قبل ذلك بفترة مترددا يخاف أن أرفع صوتي فيهرب. كان يعيش في قدرتنا على الجلوس معا على حافة ملعب كرة القدم ومناقشة قرار الحكم في وجه جاكوب حين يرانا نحن الإثنين في مكان واحد ولا يضطر أن يختار يدا أولا. كان يعيش في رسائل الأحد عن مشاريع العلوم والكسور العشرية وفي حقيبة البرتقال التي يجلبها أحدنا إلى التدريب ويشارك الآخر في تقشيرها.
في أحد الأيام سألني جاكوب إن كان بإمكانه قضاء أسبوع مع أبيه في سياتل بسبب مشروع عمل سيبقي مارك هناك في شقة صغيرة بها مسبح. ضاق صدري من فكرة البعد لكنني قلت نعم لأن رفضي من أجل راحتي سيعلمه أن يصغر نفسه ليتسع في قلب الآخرين. أرسل لي صورا من المسبح ومن برج سبيس نيدل ومن مباراة كرة قدم يقدمون فيها السوشي في المدرجات. عاد أطول ومعه كلمة جديدة يسيء استخدامها لكنه يحبها. أخبرني أن والده يشخر في النوم ويضحك أحيانا وهو يحلم. هذه التفصيلة جعلتني أراه أكثر بشرية مما كنت أسمح لنفسي.
أفكر في إيميلي بين الحين
والآخر ليس بغضب حارق بل بوجع خفيف يشبه ضغط إصبعك على كدمة لترى إن كانت ما زالت هناك. أتصورها في سوق آخر في مدينة أخرى تحمل باقة زهور أكبر مما يحتاج بيتها وتحكي لشخص ما قصة عن بورتلاند الصغيرة الهادئة التي كانت بيتنا. أتمنى أن تكون بخير. أتمنى أن لا تنخر قراراتها عظامها من الداخل. أتمنى أن النسخة التي تحتفظ بها عني في رأسها ليست عدوا تحتاج أن تنتصر عليه لتشعر أنها ربحت.
في مساء ربيعي عدت من مناوبة طويلة وجدت جاكوب على الطاولة منهمكا في واجب الرياضيات كسورا ورموزا وفتات ممحاة. رفع رأسه وقال
هاي ماما تركت لك آخر حبة بسكويت.
كان صندوق البسكويت من نوع تبيعه فتيات الكشافة في أمريكا عليه صور أطفال يبتسمون بثقة. قبلت أعلى رأسه وقلت
أنت رجل طيب.
ابتسم وكأنه نال وسام شرف.
لاحقا بعد أن نام وهدأت الشقة أخرجت الدفتر الذي كنت أكتب فيه منذ لقاء الحديقة الأول. أوراقه أصبحت سميكة بتفاصيل حياة كاملة تواريخ طقس أرجوحات أسئلة دموع ضحكات. كتبت
سألني اليوم إن كنت أنا وأبوه أصدقاء. قلت له نحن شيء يشبه الأصدقاء. فكر قليلا ثم قال ربما أنتم عائلة. أجبته نعم. لأن هذا ما نحن عليه في هذا البلد حيث تعاد صياغة العائلات مرة بعد أخرى والإحصاءات لا تحصي فقط الأسر الكاملة بل البيوت التي اخترنا أن نبنيها من قطع مكسورة. السلام لا ينتظر توقيع المسامحة ليحضر. السلام يحضر إلى ملعب كرة القدم بكراسي قابلة للطي وكيس برتقال ويقول أنا هنا وسأكون هنا الأسبوع المقبل أيضا.
أطفأت المصباح. في الخارج مرت صفارة إنذار ثم خفتت. بدأ المطر. في الصباح سأعد قهوتي وأرتدي زي التمريض وأربط حذائي الذي حفظ توازن جسدي وأذهب لأعد الجرعات وأمسك أيدي من يحتاجون وألتقي نظراتهم ليصدقوا أنهم ما زالوا مرئيين. سأرسل رسالة لمارك عن مشروع جاكوب. سأكون المرأة التي خرجت من زواجها والأم التي احتفظت بسرها والإنسان الذي اختار طريقا أصعب لأن ضحكة طفلها كانت أعلى ضوء في نهايته.
هذا ليس غفرانا كاملا لكنه سلام سلام متعب غير كامل وحقيقي. علم صغير نغرسه في حديقة قررنا أن نزرعها معا بدل أن نتركها ساحة معركة. المطر استمر في الهطول وجاكوب تمتم في نومه بكلمات لا أفهمها كلها لكنني لم أعد بحاجة لترجمتها. اكتفيت بالاستماع وفي الاستماع أدركت أن العالم لا ينهار حقا
بل يفتح غرفا جديدة حين تسقط بعض الجدران ونحن من نختار أي غرفة ندخلها.

تم نسخ الرابط