طلّقني زوجي ليتزوج أختي الصغرى. وبعد أربع سنوات، رأى الطفل الواقف خلفي فشحب وجهه كمن رأى شبحًا
الحزن بجانب الشعر لأنني صرت أقرأ على حسب الحاجة لا على حسب النوع.
كان للصمت حضور خاص. في أيام الإجازة كان يتنقل من المطبخ إلى غرفة النوم مرورا بالممر كقط ليس لك لكنه يزورك دائما. تعلمت صرير الألواح الخشبية وصوت المدفأة في الشتاء وكيف يفتح الجار في الطابق العلوي صنبور الدش كل صباح في السادسة واثنتي عشرة دقيقة بدقة تكاد تستحق إعلانا رسميا. اشتريت نبتة للنافذة وأبقيتها حية. استبدلت عجين الخميرة بمرطبان مخللات لا أبالي به كثيرا. عندما بكيت لم يكن بكاء انفراج بل كان مجرد آلية دفاع في جسد قرر أن التسرب أأمن من الانفجار.
في المستشفى كانت الممرات غارقة في ضوء أبيض باهت الإنارة الفلورية الأمريكية المعروفة التي تجعل كل شيء متساويا ومتعبا قليلا. جهاز تمرير البطاقات يصدر صفيرا حازما تعلمت أن أحترمه وأكرهه في نفس الوقت. سجلت اسمي في أكبر عدد من المناوبات يمكن لجسدي أن يتحملها. حياة الممرضات في أمريكا لها طقوسها كتابة الملاحظات حتى يتحول حرف في كلمة assessment إلى حرف آخر من كثرة التعب أسئلة أهل المرضى عن التأمين الصحي ابنة مريض تقدم لك كوب قهوة من ستاربكس في الثالثة صباحا كأنها تقدم قربانا.
كان ذلك يبقيني واقفة. يبقيني مستمرة. الناس يظنون أن الممرضات ملائكة لكننا في الحقيقة مهندسات لرحمات صغيرة نوزعها بدقة كما نوزع الأدوية حسب وزن المريض.
هناك نوع خاص من الصمت بعد مناوبة ليلية مدتها اثنتا عشرة ساعة يشبه وصفة طبية للنوم موقعة من طبيب تقول لك نامي الآن وراجعين إذا استمرت الأعراض. أعود إلى شقتي أنهار على السرير أستيقظ أعد قهوة قوية جدا أجلس على الأرض مسندة ظهري إلى الأريكة الكوب يسخن كفي وفيديو على يوتيوب لمدفأة مشتعلة يهمس من التلفاز لأن النار الوهمية أفضل من غيابها.
في عطلة نهاية الأسبوع أذهب إلى السوق الشعبي صباح السبت ثم أغسل الملابس ثم أتصل بأمي أحيانا وأحيانا أترك الهاتف يرن دون رد لأن صوتها بات غرفة مضاءة بكل المصابيح دفعة واحدة.
حاول أصدقائي. الممرضات قبيلة. روزا ضحكتها تجعل أعمدة المحاليل الوريدية تخجل كانت تقف معي أمام جهاز صرف الأدوية وتقول
تحتاجين ليلة كارايوكي سيء ومارجريتا أسوأ.
أهز رأسي وأنا أعرف أن الأغنية الوحيدة التي أحتمل سماعها الآن هي همهمة الثلاجة.
ليندا الأكبر سنا والأكثر تماسكا كانت تترك ورقة صغيرة في خزانتي مكتوب عليها
لا تحتاجين أن تسامحي
الناس يحبون أن يعطوك عبارات جاهزة حين لا يعرفون أين يضعون أيديهم.
أما المواعدة فبدت كأنك تدخلين متجرا كبيرا بلا قائمة مشتريات جائعة ومرتابة. حاولوا أن يعرفوني على رجال. قابلت مهندس برمجيات تحدث عن البلوك تشين أربعين دقيقة متواصلة دون أن يسألني حتى ماذا أعمل. وقابلت معلما جعلني أضحك ثم أخبرني أنه لا يريد أن ينجب أطفالا وكان ذلك في وقته جوابا عن سؤال لم أكن قد اعترفت لنفسي أنني أسأله. غالبا كنت أقول لا. الجرح التأم ظاهريا لكنه ظل ينبض تحت الجلد الجديد.
عندما اكتشفت أنني حامل كان ذلك في أواخر يونيو والمدينة تحاول أن تقنع نفسها بأنها تعرف كيف تعيش صيفا بلا ضباب. تأخرت دورتي أسبوعين ولم أقلق لأن جسدي كان مضطرب الإيقاع منذ الطلاق. اشتريت اختبار الحمل في طريقي للبيت من مناوبة وضعت في السلة عبوة علكة ونصف جالون حليب كتمويه تحسبا لوجود شخص أعرفه في الصف خلفي. موظفة الصيدلية تضع رموشا صناعية طويلة لدرجة تستحق رمزا بريديا خاصا بها ناولتني الإيصال بابتسامة متقنة جعلتني أشعر للحظات وكأن غريبة سامحتني على ما لا تعرفه.
خطان ورديان. واضحان. التعليمات مطوية في حضني كعلم باهت الألوان. جلست على حافة حوض الاستحمام أنظر إلى البلاط. بين الفواصل يحتاج التنظيف. فكرت في كل شيء سيتغير وكل شيء تغير بالفعل. الحسابات كانت فظة الحمل على الأرجح بدأ قبل فك العقد رسميا لكنه جاء بعد أن قيلت الحقيقة بصوت مسموع. عقلي جمع الخط الزمني كمن يحاول تركيب أحجية قطعها لا تشبك تماما. هذه المرحلة هي التي يطلب فيها العالم منك أن تشرحي نفسك منذ متى كنت تعرفين ماذا كنت تنوين أن تفعلي ماذا كان ينبغي أن تفعلي قبل ذلك
تعلمت ألا أروي حياة جسدي لخدمة راحة الآخرين.
لم أتصل بم. لم أتصل بإيميلي. اتصلت بروزا. جاءت ومعها دجاجة مشوية وكيس ليمون وضعت الدجاجة على سطح المطبخ كأنها نقطة ثقل وجلست بجانبي حتى هدأ تنفسي. لم تقل لي ما يجب أن أفعل. لم تمنحني مباركة جاهزة. كانت تراقب وجهي كما نراقب مؤشر جهاز مراقبة قلب المريض متأهبة لا مذعورة.
لأول مرة منذ شهور لم أشعر أنني نظام يعاني من فشل.
احتفظت بالطفل. احتفظت به فعلا من الإيمان والعناد والاستشراف ومن الحب أيضا. أبقيته لأن فكرة عدم الاحتفاظ به كانت تشبه محو رسالة كتبت لي بلغة لم أتعلم قراءتها إلا للتو. حافظت عليه في صمت. أجريت الفحوصات الموجات
نريد فقط أن يكون الجميع سعداء.
وأنا أفكر السعادة ليست منحة توزع بالعدل مثل منح حكومية.
ولد جاكوب في أواخر فبراير في صباح هدد بالثلج ثم اكتفى بالمطر على طريقة بورتلاند. ضوء المستشفى القوي جعلني أشتاق إلى طابقي في مستشفى سانت ماري. كانت الممرضات لطيفات بطريقتنا نحن لا ننزل اللطف إلى درجة الشفقة. جاء إلى العالم ببكاء يشبه صرير مفصلة خزانة صوت عال وعملي في آن. عندما وضعوه على صدري كانت رائحته مزيجا من معدن وحليب. شعره أشقر رملي ويداه مشدودتان في قبضتين حازمتين. نظرت إليه وشعرت أن حياتي تنهض من كرسيها وتمشي إلى غرفة جديدة ثم تعود لتقول لي تعالي من هنا.
سميته جاكوب لأنه اسم يشبه جسرا متينا.
في الأيام التي تلت تعلمت الحساب الجديد الأونصات الساعات بين الرضعات الحفاضات كأنها شريط لا ينتهي. تعلمت خريطة جديدة زاوية غرفة النوم التي احتوى فيها سريره الصغير تحت النافذة طرف الأريكة الذي يمنح ظهري راحة أثناء الرضاعة الدرج الذي صار محتواه الوحيد ألبسة أطفال صغيرة تطالب بمكانها.
الأصدقاء أحضروا أطباقا في أوعية زجاجية كتبوا على كل غطاء شريطا لاصقا باسم الطبق وتعليمات التسخين. أفرغوا في الغرفة آراءهم حول نظام النوم كما لو أنهم يلقون قصاصات ورق ملونة على أرضية ستنظف لاحقا بالمكنسة. نظام الرعاية الصحي الأمريكي منحني مطويات عن فترة ما بعد الولادة ومنصة إلكترونية بكلمة مرور نسيتها فورا.
لم يعرف أحد بوجوده إلا من اخترتهم بنفسي. عشت أربع سنوات مع ألم صامت. هذا لم يكن ألما. كان كوكبا كاملا. حفظته كما يحفظ دبلوماسي حقيبة موثوقة بالأصفاد في معصمه. لم أنشر شيئا على وسائل التواصل. لم أرسل بطاقات إعلان. عندما اتصلت أمي تسأل كيف حالي قلت إنني بخير. حين سألت متى يمكنها أن ترى الطفل قلت
سأخبرك.
للحماية قسوة أحيانا لكنها القسوة التي تبقي الدم داخل الجسد.
بنينا روتينا. هناك أسطورة تقول إن حديثي الولادة فوضى مطلقة وهذا صحيح جزئيا لكنهم أيضا كائنات يمكن التنبؤ بها
كنت أضع جاكوب في الحمالة على صدري رأسه عند عظمة القص ودقات قلبي تلقنه تهويدة ستبقى في عظامه حتى عندما يبتعد عني يوما ما. كنا نذهب إلى السوق الشعبي لأنني كنت دائما ألجأ إلى الخضار عندما أحتاج أن أتذكر أن الطماطم موجودة وأن العالم لم ينته.
في هذا السوق نفسه بعد سنوات التقيت بمارك وإيميلي وكانت الصدمة تلك التي وصفتها من قبل يده متشابكة مع يدها وعيناه معلقتان لا علي ولا عليها بل على الطفل الذي خرج من وراء ساقي ممسكا بشاحنة صغيرة. عاد شحوب الوجه ارتخاء الفك ارتباك الأصابع. لم يكن ينظر إلي كرجل يصادف طليقته بل كرجل يواجه شبحا يعرف اسمه.
هناك أدركت أن الماضي لم يغلق ملفه بعد وأن ما جرى بيننا لم يكن الفصل الأخير.
بعد لقاء السوق بدأت مرحلة الطرق المستمر. لم يتحول إلى مطارد في فيلم تشويق ولم يكن سلوكه يستدعي اتصالا بالشرطة. كان أقرب إلى رجل يحاول ترتيب اعتذاره في شكل يمكن رؤيته. ينتظر بالقرب من باب المبنى أحيانا يداه في جيوبه وكأنه يعرف أنني ألاحظ هذا التواضع. يقف بعيدا عن بوابة الحضانة عند وقت الخروج ينظر إلى الأرض حتى يلمحنا فيرفع رأسه بحذر. يقف عند موقف سيارات الموظفين في المستشفى بينما تغمر الشمس واجهة الطوب والعلم أمام المبنى يرفرف بكسل. لا يعترض طريقي. لا يلمسني. لكنه يكرر دائما الطلب نفسه
من فضلك فرصة واحدة فقط لأتعرف إليه.
رفضت. لأسابيع قلت لا وكأن فمي شرطي. أرسلت له رسالتين واضحتين
لا تأت إلى الحضانة.
لا تكلمني في العمل.
هذه حدود لا عقوبات.
رد
سمعتك. أنا آسف. لن أدخل إلى داخل السور. سأنتظر فقط.
رأته روزا مرة بجوار سيارته ولوحاتها من ولاية أخرى. أطلقت صوتا يشبه غليان الماء في الغلاية. قالت إنها ستطلب من الأمن مرافقتي إلى السيارة واضطررت أن ألمس ذراعها وأقول
لا داعي الأمر تحت سيطرتي.
ترك رسائل. يمررها من تحت الباب بخطه المرتب الذي ورث دقته من أبيه المهندس كما أخبرني سابقا. كتب رسائل إلكترونية بعناوين من نوع أتفهم إن لم تقرئي هذه الرسالة وهو العنوان الإلكتروني المكافئ لطرقة خجولة على الباب. ترك رسالة صوتية عند