كنت في الثامنة حين رأيت أمي تُؤخذ في سيارة الشرطة… لكن ما حدث بعدها غيّر حياتي للأبد

لمحة نيوز

بدهشة ممتزجة بالاعتراض سيدتي قلت سأدفع. دفعت. لم يكن الأمر قانونا خالصا ولا تجاوزا كان مساحة رمادية يسكنها أناس بلحم ودم وفي تلك المساحة تتخذ الرحمة شكلا واضحا. أعطيت المرأة المشتريات وكتبت لها على ورقة عنوان مخبز يتعاون معنا وموعدا في مركز صغير للجمعيات. وهي خارجة التفتت وقالت هل ستدخلينني السجن قلت مبتسمة ليس اليوم.
في مساء ذلك اليوم عدت إلى أمي أحمل معي رائحة الخبز مرة أخرى. جلسنا نتعشى شيئا بسيطا. قالت وهي تقطع اللقمة نصفين لا تحملي قلبك أكثر مما يحتمل. قلت لكنه يتسع كلما حملت عنه. ابتسمت وقالت إذا اجعلي نصفه لي.
كبرت في خدمتي كما تكبر شجرة في حقل يرويه المطر بحساب. أخذت دورات في الإصغاء للضحايا في فهم الفقر كعامل اجتماعي لا كوصمة في التعامل مع الأطفال الذين يتكلمون بأعينهم أكثر من أفواههم. كنت أكتب تقارير طويلة لأنني أؤمن أن التفاصيل الصغيرة هي التي تمنع الظلم من الرقص بين السطور. تعلمت أن القانون ليس عقابا بقدر ما هو ترتيب عادل للطرق وأنه إذا كان لا بد من الباب الحديدي فلا بد أيضا من نافذة مفتوحة للضوء.
وفي عيد ميلادي الذي لا أعده بالأرقام بل بالأحداث قررت أن أحتفل على طريقتي. جمعت زملائي الذين يعرفون قصتي وبعض الجيران الطيبين وجهزنا صندوقا كبيرا كتبنا عليه بخط بسيط خذ ما تحتاجواترك للغد مكانا. ملأناه خبزا وبيضا وأكياس حليب وحلوى صغيرة لأن الأطفال يحتاجون للبهجة كما يحتاجون للطعام. وضعناه قرب محطة الحافلات التي تمر من أمام
أحيائنا القديمة. في ذلك اليوم رأيت رجالا ونساء يأخذون بسمة وقوتا قليلا ويتركون دعاء كثيرا. رأيت طفلة تقبض على قطعة حلوى وتقول لأمها اليوم عيد ميلادي. لم أعرف إن كان حقا عيدها لكني عرفت أن الأعياد يولدها الشعور لا التقويم.
وفي ليلة شتوية قاسية مرضت أمي قليلا. كانت الحمى مثل شعلة صغيرة على جبينها وأنا أجلس قربها أمسك بيدها وأقرأ بصوت خافت مقطعا من كتاب قديم تحبه. قالت بين إغماضتين لا تقلقي إنني أقوى مما تظنين. قلت وأنا أحاول أن أضحك أعرف لكني ضعيفة حين يتعب ظلك. نامت وبقيت أراقب تنفسها الذي كان في عيني نشيد حياة. الفجر كان يتسلل مثل قط لطيف من تحت الباب وحين فتحت عينيها قالت رأيت أباك يقول إنك أجمل ما فعلناه. قلت وأنتم أجمل ما فعلته أنا.
لم أكن أعرف وقتها أن الأيام المقبلة ستحمل امتحانا آخر لقلب تمرن على الصبر. ففي صباح لماع الشمس جاءنا نداء عن شجار في سوق الخضار. ذهبنا. هناك بين الصراخ وبيع الكيلو بدراهم قليلة رأيت نفس الضابط العتيق الذي قال لي عيد ميلاد سعيد. كان في الزحام يحاول أن يهدئ رجلين. لا أعرف كيف انفتحت الطرق لكنني اقتربت وصاحبت اسمه كما لو أنني أستعيد اسمي. التفت. في عينيه تلك اللمعة القديمة. هدأ الشجار. مشينا قليلا إلى طرف السوق. قلت كنت أبحث عن فرصة لأقول لك شكرا. قال لا تقوليه لي قولي للعالم. قلت أحاول. قال تذكريليس كل من يسرق شريرا وليس كل من يملك كريما وبين الاثنين حكايات تكتبها الأقدام على الأرصفة. وعدته أن أبقى
طالبة في مدرسة الشوارع.
حين رحل الرجل بعد أشهر قليلة إلى مدينة أخرى ترك لي رسالة قصيرة كتب فيها استمري في الغناء حين يعلو الضجيج. صوتك الصغير يصل. وضعت الرسالة بجوار الورقة القديمة في درجنا الخشبي. صرت كلما تعبت أفتحهما معا. ورقتان فقط تردانني من حافة اليأس.
وتكاثرت في حياتي أولاد الحكايات امرأة تبحث عن ابنتها رجل فقد عمله ولم يفقد إحساسه بالعدل عجوز يوزع ما تبقى له من تمر على أطفال الحي ثم يسأل إن كان أحدهم يريد نصيبا لأخته المريضة. كنت أمر عليهم كحديقة لا تعرف لمن تزهر أكثر. وفي كل مساء كنت أعود لأجد أمي قد رتبت النهار وعلقته على الحبال ليجف حتى إذا دخلت قبلتني على جبيني وقالت كيف كان العالم اليوم فأضحك كما تركناه أمس لكنني بدلت كلمتين في قصته. تقول إذا سيصبح أجمل غدا.
لا أعرف متى بالضبط توقفت عن العد. صارت السنوات تمر مثل عربات قطار يلوح ركابها من نافذة واحدة. وفي صباح عيد ميلادي الجديد استيقظت على طرق خفيف تعرفه روحي قبل أذني. فتحت الباب. كانوا هم. ثلاثة ضباط شباب لا أعرفهم شخصيا لكنني عرفتهم قلبيا يحملون كعكة صغيرة وبالونات وكيسا من الخبز والبيض والحليب. كتبوا على الكعكة بخط مائل عيد ميلاد سعيد يا صغيرة. ضحكت حتى دمعت عيناي ودعوتهم إلى الداخل. أمي كانت تقف خلفي تمسح دمعها بطرف المنديل وتهمس سبحان من يرد الرسائل إلى أصحابها.
جلسنا نأكل نغني ونحكي قصص الدوريات التي انتهت  بدل القيد وبابتسامة بدل الغضب. قلت لهم هل تعرفون
لماذا الخبز والبيض والحليب قال أحدهم لأنهم حياة الفقراء. قلت ولأنهم يذكرونك أنك لا تحتاج إلى ذهب كي تصنع عيدا. ثم حملت قطعة كعك صغيرة وذهبت بها إلى جاري العجوز الذي كان يسمع الغناء من نافذته. قلت اشترك معنا. قال وهو يأخذها بيد مرتجفة اليوم عيد ميلادي أيضا. ضحكنا جميعا وكأن الأعياد لا تكبر إلا حين تتقاسمها.
في المساء بعدما انفض الزحام جلست
إلى الطاولة الخشبية أكتب. كتبت عن الليلة الأولى حين دخلت سيارة الشرطة بيتنا وعن الصمت الذي كان بيني وبين أمي وعن الورقة التي قالت لنا إننا لسنا وحدنا. كتبت عن اختيار الزي الذي كان يخيفني وصار جلدي الثاني. كتبت عن الأطفال الذين ينامون جائعين وكيف يوقظهم العطف وعن الأمهات اللواتي يسرقن خبزا وبيضا ولا يسرقن ضوءا من أحد. كتبت حتى شعرت أن الكلمات صارت كراسي جديدة في بيت قديم نستريح عليها ونضحك. ثم توقفت ونظرت إلى أمي التي كانت قد نامت على المقعد قرب النافذة ووجهها مطمئن كأنه وجد أخيرا المكان الذي لا يوجعه.
أطفأت المصباح وتركت للقمر فرصة أن يمشط شعر الغرفة. تمددت إلى جوار أمي وأصغيت إلى تنفسها المتوازن. قلت في سري لم تعودي وحدك. ثم مددت أمري إلى تلك الطفلة التي كنتها ذات يوم الطفلة التي ألصقت وجهها بزجاج سيارة الشرطة وهي تدعو بصمت وقلت لها الدعوات التي لا تجد كلمات تصل أسرع. نامت الطفلة في داخلي مطمئنة. وفي الخارج كانت المدينة بكل قسوتها وكل حنانها تنام هي الأخرى على وعد صغير أن الرحمة إذا وجدت بابا
لا تطرقتدخل.

تم نسخ الرابط