كنت في الثامنة حين رأيت أمي تُؤخذ في سيارة الشرطة… لكن ما حدث بعدها غيّر حياتي للأبد

لمحة نيوز

أبكي لأنك صرت بعيدة لأنك كبرت يا ابنتي ولأنني لا أعرف كيف أشكر الله على أني ما زلت قادرة على رؤيتك تكبرين.  بقوة وشعرت أن العالم كله يمكن أن يختصر في ذراعين نحيلتين تشدانك من حافة الهاوية إلى اليابسة.
اخترت أن أدرس وأتدرب لأرتدي ذلك الزي الذي كان يخيفني وصار يطمئنني. حين وقفت لأول مرة أمام المرآة بالبدلة الرسمية رأيت طفلة في الثامنة تحدق بي من وراء الزجاج فابتسمت لها وقلت لا تخافي. كان التدريب قاسيا والركض صباحا على الأسفلت يخرج من صدري أنفاسا حادة لكن قلبي كان يسير قبلي بخطوة كأنه يعرف الطريق. تعلمت أن أصغي إلى القصص التي لا تقال وأن ألاحظ الارتجاف الخفيف في يد أم وأن أفهم الصمت الذي يملأ عيون الأطفال مثل بحر بلا صوت. في المساء كنت أعود إلى البيت فأقبل يد أمي وأحكي لها عن يومي. تقول لي لا تقسي قلبك. أقول لا أخاف عليه ما دمت تضعين يدك عليه.
في عامي الأول في الخدمة خرجنا في دورية ليلية عبر أحياء تشبه حينا القديم. المطر كان خفيفا يكتب على الإسفلت سطورا مائلة. لمحنا طفلة تقف على عتبة متجر مغلق  بطنها كأنها تخبئ فيه سرا أو ألما. توقفنا.
نزلت إليها وأنا أتذكر كل خطوة مشيتها في طفولتي. سألتها باسمها فأخبرتني باسم يشبه الأجراس الصغيرة. قلت لها هل أنت جائعة هزت رأسها دون كلام. كان في جيب سترتي قطعة خبز تركتها أمي في حقيبتي صباحا. ناولتها لها ثم صعدت بها إلى السيارة. على المقعد الخلفي جلست قربها وقلت عرفي أن الجوع يحب أن يختبئ في الليل لكننا سنخرجه إلى الضوء. ربت الضابط السائق على المقود وقال إلى البيت. وحين وصلنا وجدنا أمها مريضة والغرفة تشبه غرفتنا القديمة وفوق الرف كوب ماء بلا صحن. في تلك اللحظة تذكرت الورقة الصغيرة التي تركوها لنا ذات ليلة أنت أم عظيمة. كتبت جملة مشابهة وتركتها لها وخرجنا نبحث عن صيدلية وعن خباز لا يغلق بابه للقلب.
صارت تلك الحوادث تتكرر وصار قلبي يتسع كأنه بيت قديم تضاف إليه غرفة كل شهر. أسسنا أنا ومجموعة من الزملاء مبادرة صامتة لم نعطها اسما كبيرا. كنا نجمع تبرعات صغيرة ونتفق مع مخبز في الحي ومع بائع خضار لا يساوم الأطفال ومع دكانة تحتفظ بكيس حليب لبعض الوجوه التي تحفظها الذاكرة. سميت تلك الفكرة في سري دورية الميلاد لأنني كنت أرى في كل بيت ندخله عيدا صغيرا
لا ينتظر الكعك بقدر ما ينتظر الاعتراف به. لم نكن أبطالا في الأخبار كنا فقط نحاول. وأحيانا المحاولة تنقذ روحا.
وذات يوم في مكتب صغير تفوح منه رائحة القهوة دخل رجل أظن أني رأيته في حلم قديم. ملامحه تشبه الضابط الذي انحنى لي وقال عيد ميلاد سعيد. مرت سنوات طويلة لكن العيون تعرف بعضها. ترددت قليلا ثم سألته هل كنت هناك تلك الليلة توقف عن توقيع أوراقه رفع نظره ابتسم ابتسامة لم تغيرها السنين وقال نعم. لم أعرف ما أفعل أردت أن أشكره بكلمات لا تقال. قال لي لم نكن نعرف أن تلك الزيارة ستغير حياتك هكذا. قلت لم تغير حياتي أنا فقط لقد غيرت معنى الزي الذي نرتديه. نهض صافحني بحرارة وقال تذكري دائما أن القانون مثل السكين في يد جائع يقطع رغيفا وفي يد ظالم يجرح به ونحن من نقرر لأي غاية نحمله.
عدت ذلك المساء إلى البيت وأنا أحمل في صدري حطبا صغيرا من ذكريات تطهو الدفء. أمي كانت تجلس قرب النافذة تطرز غطاء وسادة قديما كي يبدو جديدا. قبلت جبينها وجلست إلى جوارها ورويت لها لقاءي به. وضعت يدها على يدي وقالت سبحان من يربط القلوب بخيط لا يرى. ثم ضحكت ضحكة خفيفة وأردفت
ليت أباك يرى هذا كله كان ليقول انظري لقد سددنا دين الكعكة. قلت ديون الكعك لا تسدد يا أمي هي تضاعف العطاء فقط.
ومرت الأيام ونحن نكبر معا أنا في شوارعي وهي في صبرها الجميل. في نهاية كل شهر كنا نشتري شيئا صغيرا للبيت كوبين زجاجيين بدل المكسورين مصباحا بدل المصباح المتعب سجادة صغيرة تفترش البرد. لم يكن بيتنا غنيا لكنه كان مرتبا كما لو يد خفية تعزفه كل صباح. وحين كانت تشتد على صدري القصص الثقيلة
وفي عام شحيح المطر جاءنا بلاغ عن امرأة في متجر كبير قبض عليها الحارس وهي تخفي علبة حليب وبيضا وخبزا. ارتجفت في مكاني وأنا أسمع. كأن القصة تنهض من سرير قديم لتسير على قدميها إلينا. قلت لزميلي دعني أذهب. في غرفة صغيرة ذات ضوء أبيض بارد جلست المرأة قبالتي. كانت شابة لكن عينيها محشوتان بسنوات من القلق. على الطاولة علبة الحليب التي لم تفتح بعد. قلت لها بهدوء ما اسمك أخبرتني باسم قصير. قلت لماذا نظرت إلى العلبة وقالت ابني لا ينام. صمت ثم سألتها هل لديك عمل هزت رأسها أعمل ساعات متقطعة لكن المرض أسرع من المال. غبت لحظة في نفسي ثم قلت للحارس سأدفع ثمن هذه الأشياء.
قال
تم نسخ الرابط