كنت في الثامنة حين رأيت أمي تُؤخذ في سيارة الشرطة… لكن ما حدث بعدها غيّر حياتي للأبد
كنت في الثامنة من عمري فقط حين رأيت شيئا لا ينبغي لأي طفل أن يراه
أمي تؤخذ في سيارة الشرطة.
كانت يداها ترتجفان بينما الضباط يقودونها برفق بعيدا.
لقد أمسكوا بها وهي تسرق بيضا وخبزا.
أحدهم نظر إلي وقال إن علي أن أرافقهم.
طوال الطريق لم أستطع التوقف عن البكاء.
كان صدري الصغير يهتز مع كل شهقة
تنساب الدموع على وجهي لكن لم يكن هناك صوت قادر على التعبير عن خوفي.
كنت خائفا من الزي الرسمي من الأضواء اللامعة
ومن أكثر شيء في الدنيا أن أفقد أمي
الشخص الوحيد الذي بقي لي بعد وفاة والدي.
في منتصف الطريق توقفت السيارة.
طلب الضابط في المقعد الأمامي مني أن أبقى داخلها وأخرج أمي.
تجمد قلبي.
ألصقت وجهي بزجاج النافذة أحدق من بين الدموع.
ظننت أنهم سيأخذونها إلى الأبد.
في صمت دعوت الله أن يصنع معجزة.
بعد دقائق عادت أمي إلى السيارة.
لم تقل كلمة واحدة لكن عينيها كانتا تلمعان.
لم تقل كلمة واحدة لكن عينيها كانتا تلمعان. ولم أفهم يومها كيف يمكن للدموع أن تقول كل ما تعجز عنه الحناجر. جلست على الأرض قربها كأني أتعلم منها طريقة الصمت ذلك الصمت الذي يشبه صلاة طويلة لا يراها أحد. كانت أصابعها المرهقة تمسد على رأسي ببطء حنان متعب لكنه
حين عادت سيارة الشرطة في تلك الليلة عبر في قلبي طيفان متنازعان أحدهما الخوف والآخر شيء جديد يشبه المعجزة. لا أذكر كيف ارتفعت يد الضابط فطرق الباب بخفة ولا كيف فتحنا ونحن نحدق في الأكياس والعلب الصغيرة والبالونات التي خجلت من الغرفة الضيقة فأخذت تتدلى على استحياء. المهم أن أصواتهم حين غنوا عيد الميلاد بددت تلك الغشاوة الثقيلة التي تسكن البيوت الفقيرة. كانت أمي يومها تنظر إلي كأنها تسألني هل تصدقين وكنت أهز رأسي بقوة لأني كنت أخشى إن لم أصدق الآن فلن أستطيع أن أصدق شيئا بعد اليوم. أكلنا خبزا طريا كأنه ولد للتو وبيضا ساخنا يدوخ من رائحته وقضمنا قطعا صغيرة من كعكة لم أفهم من أين جاءت لكنها ذابت في فمي مثل حلم لطيف. تركوا لنا ورقة قصيرة قالت إننا لسنا وحدنا ثم غادروا
بعد تلك الليلة بأيام بدا العالم أخف وزنا. كانت أمي تخرج إلى عملها في البيوت بصباحات باردة وتعود بعد الغروب ويديها متشققتان لكنها تحمل تحت جلدها شمسا صغيرة. صرت أرافقها حين أستطيع أجلس على الدرج وأراقبها تنظف وتنسق وتبتسم حين يقولون لها شكرا. كنت أتعلم من يديها نظاما خفيا للكون أن كل شيء يعود إلى مكانه وأن القلوب مثل البيوت تتهوى وتلمع وتمسح منها الغبرة. في المدرسة كنت أجلس في المقعد الأول أكتب بحروف واضحة لأنني كنت أشعر أن ما أكتبه ليس لي وحدي بل لأمي أيضا. المعلمة كانت تقول إنني أقرأ بسرعة وأحل المسائل كمن يلتقط الخبز من الفرن قبل أن يحترق. لم أكن عبقرية كنت فقط جائعة والجوع يفتح الدماغ على اتساعه كما يفتح المعدة.
وذات ظهيرة وأنا عائدة من المدرسة رأيت سيارة شرطة تقف عند زاوية الشارع. لم أهرب ولم أختبئ. اقتربت بحذر ومعي حقيبتي الحمراء التي أعطتني إياها أمي بدل الحقيبة القديمة التي اهترأت. لمحني ضابط قصير القامة ذو عيون دافئة فابتسم وقال ألم نلتق من قبل هززت رأسي خجلا ثم قلت بصوت يكاد لا يسمع عيد ميلادي الكعكة شكرا. ضحك وقال نعم تذكرت أفضل ما في القصة. ثم
مرت سنوات وأنا أكبر مثل شجرة تنبت في تربة صعبة وتتشبث بالحياة بأصابع دقيقة. كنت أعود من المدرسة لأمسح الكراسي وأرتب السريرين واحد لي وواحد لأمي وأطهو شوربة رقيقة نتقاسمها كمن يتقاسم سرا طيبا. وفي الليالي الطويلة كانت أمي تحكي لي عن أبي كيف كان يضحك وكيف كان يضع في جيبي حلوى صغيرة ويقول الحياة مرة يا صغيرتي لكننا سنأكلها كما نأكل الحلوى واحدة واحدة. كنت أبكي أحيانا وأحيانا كنت أضحك لأنني أتخيله يخطئ في كلمات أغنية فيضحك الجميع. كل تلك الصور كانت شمسا معلقة في سقف غرفتنا لا تنطفئ إلا حين ننام فنحملها معنا إلى الحلم.
في سنتي الأخيرة من المدرسة اجتهدت كما لم أجتهد من قبل. كنت أفتح دفاتري على الطاولة الخشبية ذات الساق المهتزة وأذاكر حتى تغفو الكلمات على عيني. وحين ظهرت النتائج حملت شهادتي وركضت إلى أمي التي كانت تكنس مدخل البيت. لم أتكلم اكتفيت بأن أضع الورقة على صدرها. قرأتها ببطء ثم جلست على الأرض وبدأت تبكي. قلت لماذا تبكين