سابها فى نص الشارع
جعلت نجاحها طريقًا لنجاح الآخرين.
أما الجملة القديمة التي كانت يومًا سببًا في بكائها
إنتِ فقيرة ومش من مقامي.
فقد اختفت تمامًا من ذاكرتها.
لأن سماح اكتشفت أن الإنسان لا يحتاج أن يثبت أنه أعلى من أحد.
يكفي أن يكون اليوم أفضل من أمس.
وأن يترك وراءه بابًا مفتوحًا لشخص آخر.
وهكذا...
بدأت سماح من حارة صغيرة في شبرا.
وخسرت أشياء كثيرة في بداية حياتها.
لكنها في النهاية كسبت شيئًا أكبر بكثير
حياة لها معنى، واسمًا ترك أثرًا، وحلمًا لا يموت.
النهاية مرت سنوات، وأصبحت مدينة صبري للأمل نموذجًا ناجحًا في تدريب الشباب والسيدات ومساعدتهم على بداية مشروعاتهم.
وفي يوم، أقيم احتفال كبير بمناسبة مرور عشرين سنة على بداية مؤسسة صبري عبدالرحمن.
امتلأت القاعة بالناس الذين تغيرت حياتهم بسبب المؤسسة.
كانت سماح تجلس في الصف الأول بجوار أمها، وياسر، ومنار، وأمنية.
صعدت منار إلى المسرح وقالت
النهارده مش بنحتفل بمؤسسة بس إحنا بنحتفل بحلم بدأ من راجل بسيط، وكملته بنت رفضت تستسلم.
ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة لسماح وهي في محل الطرح.
سكتت القاعة.
وبعدها ظهرت صور المؤسسة، والأكاديمية، والمشروعات، وآلاف الناس الذين استفادوا منها.
صعدت سماح إلى المسرح.
وقفت أمام الميكروفون وقالت
لما كنت صغيرة، كنت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتي هي الفقر.
ثم ابتسمت.
لكن بعد سنين فهمت إن الفقر الحقيقي مش إنك ما تملكش فلوس الفقر الحقيقي إنك تفقد الأمل.
نظرت إلى أمها.
وأنا كان عندي أم ما سمحتليش أفقد الأمل.
ثم نظرت إلى صورة والدها.
وكان عندي أب علمني إن الإنسان ممكن يكون بسيط، لكن حلمه كبير.
وبصت إلى ياسر.
وكان عندي شخص أخطأ في حقي، لكنه عرف يتغير ويصلح غلطه.
ثم قالت
لكن أهم شخص في الحكاية كلها كان أنا البنت اللي قررت تقوم كل مرة وقعت فيها.
ساد الصمت للحظات.
ثم ارتفع التصفيق.
بعد انتهاء الحفل، خرجت سماح إلى فناء المؤسسة.
كان هناك عشرات الشباب يتناقشون حول مشروعاتهم.
وشاهدت فتاة صغيرة تشرح فكرتها لمجموعة من المدربين.
ابتسمت.
اقتربت منها منار وقالت
ماما، مبسوطة؟
سماح ردت
جدًا.
ليه؟
نظرت إلى المكان وقالت
عشان بقيت أشوف حلم أبويا في عيون ناس كتير.
وفي المساء، عادت سماح إلى بيتها.
جلست أمام صورة والدها، وبجانبها الدفتر والقلم القديم.
قالت
يا بابا، فاكر لما كنت بتقول إن أهم حاجة الإنسان يفضل طيب؟
ابتسمت.
حاولت أعمل كده طول عمري.
ثم قالت
ويمكن ما قدرتش أحقق كل أحلامك بس قدرت أعمل حلمي أنا.
دخلت منار وقالت
ماما، جاهزة؟
لفين؟
نروح الأكاديمية.
دلوقتي؟
في مجموعة شباب مستنيينك.
ضحكت سماح.
حتى بعد عشرين سنة مش هتسيبوني أرتاح؟
منار ابتسمت
إنتِ اللي علمتينا إن الشغل الحلو ما بيخلصش.
وقفت سماح، أخذت دفترها، وخرجت معها.
وقبل ما تقفل الباب، نظرت إلى صورة والدها للمرة الأخيرة.
وقالت
تصبح على خير يا بابا.
ثم خرجت.
وفي طريقها، مرت بجوار الحارة القديمة.
توقفت للحظة أمام المكان الذي بدأت فيه قصتها.
تذكرت البنت الصغيرة التي كانت تمشي بكتبها، والشنطة القديمة، والملابس البسيطة، والأحلام الكبيرة.
ابتسمت وقالت
كنتِ خايفة ليه يا سماح؟
ثم تابعت طريقها.
لم تعد تنتظر اعتذارًا من أحد.
ولم تعد تريد أن تثبت أنها تستحق.
فقد أصبحت تعرف أن قيمتها لم تكن يومًا في المال، ولا في المكانة، ولا في رأي الآخرين.
قيمتها كانت في أنها وقفت بعد كل سقوط، وساعدت غيرها يقف معها.
ومن يومها، بقيت الجملة المكتوبة على باب المؤسسة
ابدأ بخطوة وسيأتي الطريق.
وكانت تلك هي النهاية الحقيقية لحكاية سماح.
مش إنها أصبحت غنية.
ومش إنها انتصرت على شخص تركها.
لكن لأنها بدأت من الصفر، ووصلت إلى مكان جعل آلاف الناس يؤمنون بأن الصفر نفسه يمكن أن يكون بداية.
النهاية