سابها فى نص الشارع

لمحة نيوز

في صباح اليوم التالي، وصلت سماح إلى المؤسسة بدري عن عادتها.
كانت لسه بتفتح مكتبها، لما لقت منار داخلة عليها بسرعة، ووشها عليه علامات القلق.
قالت سماح
في إيه يا منار؟
ردت
في خبر مش عارفة أقولهولك إزاي.
سماح قامت من مكانها.
قولي على طول.
حطت منار ملف على المكتب وقالت
وصلنا عرض لشراء جزء كبير من المؤسسة.
سماح بصت لها باستغراب.
شراء المؤسسة؟
أيوه. شركة استثمارية كبيرة عايزة تدخل شريك، ومستعدة تدفع مبلغ ضخم جدًا.
سماح فتحت الملف وبدأت تقرأ.
العرض كان مغريًا جدًا.
لكن في آخر الصفحات كان فيه شرط غريب.
قالت سماح
هم عايزين يغيروا نظام المؤسسة.
بالضبط.
يعني إيه؟
عايزين البرامج المجانية تبقى برسوم، وعدد المستفيدين يقل.
سماح قفلت الملف فورًا.
يبقى مفيش كلام.
منار قالت
بس المبلغ كبير جدًا، والمبلغ ده ممكن يفتح لنا فروع في كل المحافظات.
سماح سكتت لحظات.
ثم قالت
إحنا بدأنا المؤسسة عشان الناس اللي مش معاها فلوس. لو أخدنا الفلوس وخسرنا السبب اللي اتعملت عشانه، يبقى إحنا خسرنا كل حاجة.
منار ابتسمت.
كنت عارفة إنك هتقولي كده.
لكن قبل ما تكمل كلامها، دخل ياسر.
قال
عندي معلومة أهم.
سماح بصت له.
إيه؟
قال
الشركة دي مش عايزة تستثمر في المؤسسة بس.
أمال؟
هم عايزين يشتروا اسم المؤسسة نفسه.
سماح اتصدمت.
اسم أبويا؟
أيوه.
ساد الصمت في المكتب.
ثم قالت سماح
لأ.
ياسر سأل
حتى لو العرض وصل لرقم خيالي؟
ردت بحسم
اسم أبويا مش للبيع.
وفي نفس اليوم، دعت سماح مجلس الإدارة لاجتماع عاجل.
وضعت الملف أمام الجميع وقالت
قدامنا فرصة تخلي المؤسسة أغنى مؤسسة اجتماعية في البلد، لكن المقابل إننا نتنازل عن جزء من رسالتنا.
أحد الأعضاء قال
ممكن نوافق ونحط شروط تحافظ على المجانية.
سماح هزت رأسها.
المشكلة إن اللي بيحط الفلوس هو اللي بيقدر يغير الشروط بعدين.
ثم قالت
أنا عايزة المؤسسة تكبر، لكن مش على حساب الناس اللي بدأنا عشانهم.
وقف أحد الأعضاء وقال
وأنا مع سماح.
ثم تبعه الآخرون.
وفي نهاية الاجتماع، تم رفض العرض بالإجماع.
لكن القرار لم يكن سهلًا.
لأن المؤسسة كانت بالفعل محتاجة تمويلًا جديدًا.
وفي المساء، جلست سماح أمام صورة والدها.
قالت
يا بابا، أنا مش عارفة إذا كنت اخترت الصح ولا لأ.
سكتت قليلًا.
بس عارفة حاجة واحدة... لو اسمك موجود على الباب، لازم الناس اللي داخلة تلاقي نفس الأمل اللي كنت بتحلم بيه.
وفي اليوم التالي، حدثت المفاجأة.
دخلت نور مكتب سماح وقالت
عندي اقتراح.
قولي.
بدل ما نستنى حد يمولنا، ليه ما نعملش صندوق استثمار تابع للمؤسسة؟
سماح ركزت معها.
يعني إيه؟
الناس اللي اتخرجت من الأكاديمية ونجحت، تقدر تساهم بنسبة بسيطة. والمؤسسة تستخدم الأرباح في تمويل دفعات جديدة.
سماح ابتسمت.
فكرة عبقرية.
وبالفعل، بدأت نور تتواصل مع خريجي المؤسسة.
وفي خلال أسابيع، بدأت المساهمات تتجمع.
صاحب ورشة ساهم بجزء من أرباحه.
وسيدة عندها مصنع صغير ساهمت بمبلغ شهري.
وشاب بدأ مشروعه من الأكاديمية أرسل أول مبلغ كتبرع.
حتى ليلى، التي كانت صاحبة الرسالة القديمة، حضرت بنفسها وقالت
أنا بدأت من عندكم، ودلوقتي دوري أساعد حد يبدأ.
سماح نظرت إلى الوجوه حولها، وشعرت أن المؤسسة لم تعد تعتمد على شخص واحد.
لقد أصبحت عائلة كبيرة من الناس الذين يساعد بعضهم بعضًا.
وبعد عام، أصبح صندوق المؤسسة من أهم مصادر التمويل المستدام.
وفي حفل صغير، وقفت سماح أمام الجميع وقالت
زمان كنت فاكرة إن أكبر نجاح ليا إني أبني مؤسسة كبيرة.
ثم ابتسمت.
لكن اكتشفت إن النجاح الحقيقي إن المؤسسة تعرف تكمل حتى من غيري.
صفق الحاضرون.
ومن بين الصفوف، كانت منار تنظر إلى أمها بفخر.
اقتربت منها بعد الحفل وقالت
ماما، فاكرة لما قلتيلي لازم أبقى أفضل منك؟
سماح ابتسمت
أيوه.
قالت منار
أعتقد إني بدأت أفهم قصدك.
وإيه قصدك؟
إن النجاح مش إننا نكرر اللي عملتيه النجاح إننا نكمل من المكان اللي وقفتي عنده.
سماح قالت
بالضبط.
وفي تلك الليلة، رجعت سماح إلى بيتها.
وضعت مفاتيحها على الطاولة، وجلست بهدوء.
دخلت أمها منار وقالت
شكلك تعبانة.
ضحكت سماح
شوية.
قالت أمها
بس مبسوطة.
سماح نظرت إليها وقالت
جدًا.
ثم أضافت
عارفة ليه؟
ليه؟
عشان لأول مرة أحس إن حلم أبويا بقى أكبر مني.
ابتسمت منار وقالت
وده أحسن شيء ممكن يحصل.
وفي صباح اليوم التالي، كانت سماح على موعد مع قرار جديد.
قرار هيغير مستقبل المؤسسة بالكامل...
لكن المرة دي، القرار مش هيكون متعلق بالفلوس.
هيكون متعلق بشخص قريب جدًا منها بعد ثلاثة أيام، كانت سماح قاعدة في بيتها بتشرب القهوة مع أمها، لما رن تليفونها.
بصت للشاشة.
رقم غريب.
ردت
ألو؟
جاءها صوت رجل كبير في السن
مدام سماح عبدالرحمن؟
أيوه.
أنا اسمي محمود حسان.
سماح سكتت لحظة.
اسم حسان رجع في ذاكرتها فورًا.
حضرتك قريب من الأستاذ حسان اللي سلمني ملف بابا؟
أيوه، أنا ابنه.
خير؟
قال محمود
أنا لقيت حاجة تخص والدك، وكنت مأجل تسليمها لك من سنين.
سماح اتعدلت في جلستها.
تخص بابا؟
أيوه.
إيه هي؟
مش هينفع أقول في التليفون. ممكن أقابلك؟
وافقت سماح على المقابلة.
وفي اليوم التالي، راحت لمكتب محمود.
كان رجلًا هادئًا، وفي أواخر الستينات من عمره.
أول ما جلست، أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقال
والدي كان محتفظ بده طول حياته.
سماح فتحت الصندوق.
وجدت دفترًا قديمًا، وبعض الأوراق، وصورة لوالدها مع مجموعة من العمال.
قلبت الدفتر بحذر.
كانت الصفحات مليانة ملاحظات بخط صبري.
مشاريع.
أسماء سيدات.
أفكار لتدريب الشباب.
وأرقام بسيطة لتكاليف مشروعه القديم.
لكن في آخر الدفتر، وجدت صفحة مختلفة.
كان مكتوبًا فيها
لو المشروع ما اكتملش وأنا موجود، أتمنى بنتي تكمله يومًا ما، لكن من غير ما تشيل هم إنها لازم تعوضني عن حاجة.
سماح قرأت الجملة أكثر من مرة.
قال محمود
والدي قال لي إن صبري كان دايمًا يقول إنك لازم تختاري طريقك بنفسك.
سماح سألت
ليه ما سلمتونيش الدفتر من زمان؟
قال محمود
لأن والدي كان شايف إن الوقت المناسب هو لما تكوني وصلتي لمرحلة تعرفي فيها إن الحلم مش ملك صاحبه.
سماح بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
يعني الحلم الحقيقي هو اللي يكمل حتى بعد ما صاحبه يمشي.
سماح أغلقت الدفتر.
وشعرت بدموعها تنزل بهدوء.
قال محمود
فيه حاجة تانية.
أخرج ورقة قديمة.
دي كانت أول دراسة مالية عملها والدك.
سماح نظرت إليها.
الأرقام كانت صغيرة جدًا مقارنة بالمشروعات الحالية.
لكنها ضحكت.
بدأ بمبلغ بسيط جدًا.
محمود ابتسم
أيوه.
قالت سماح
وأنا كنت فاكرة إن المؤسسة بدأت يوم ما أنا أسستها.
رد
لأ. هي بدأت يوم ما أبوكي كتب أول سطر في الدفتر ده.
رجعت سماح البيت ومعها الصندوق.
جلست في غرفتها لساعات.
ثم اتصلت بمنار.
قالت
تعالي عندي.
وصلت منار، ووجدت والدتها تضع الدفتر أمامها.
إيه ده؟
البداية الحقيقية.
قرأت منار الصفحات.
ثم قالت
ماما، لازم نعمل حاجة بالدفتر ده.
زي إيه؟
نحوله لمعرض دائم داخل المؤسسة.
سماح ابتسمت.
مش بس كده.
أمال؟
نعمل قسم اسمه حكاية البداية.
منار فهمت فورًا.
نحط فيه قصص الناس اللي بدأت من الصفر؟
بالضبط.
وبالفعل، بدأت الأسرة وفريق المؤسسة في تجهيز القسم الجديد.
كل شخص كان له قصة.
نور وضعت أول صورة لمشروعها.
ليلى وضعت أول فاتورة باعتها.
حنان وضعت أول قطعة صنعتها بنفسها.
وكريم وضع صورة أول خمسة شباب اشتغلوا معه.
وفي المنتصف، وُضع دفتر صبري.
تحت الدفتر كانت هناك جملة
الأحلام لا تموت عندما يغيب أصحابها، إذا وجد من يؤمن بها.
في يوم الافتتاح، وقف عدد كبير من الناس أمام المعرض.
وكانت سماح في آخر القاعة تراقبهم.
اقترب منها ياسر وقال
مبسوطة؟
جدًا.
حاسة إنك خلصتي؟
سماح ابتسمت.
لأ.
ليه؟
عشان كل مرة أفتكر إن الحكاية خلصت، حد جديد يدخل من الباب ويبدأ حكاية تانية.
في تلك اللحظة، جاءت طفلة صغيرة مع والدتها.
وقفت أمام دفتر صبري وسألت
مين الراجل ده؟
سماح اقتربت منها وقالت
ده أبويا.
هو كان غني؟
ابتسمت سماح.
لأ.
طب كان مشهور؟
لأ.
أمال ليه صورته هنا؟
سماح نظرت إلى الدفتر وقالت
لأنه كان عنده حلم.
الطفلة سألت
وحلمه حصل؟
سماح ابتسمت.
حلمه كبر أكتر مما كان يتخيل.
الطفلة ابتسمت ومشت مع والدتها.
سماح ظلت واقفة مكانها.
ثم قالت لنفسها
كده فعلًا اكتملت الحكاية.
لكن في نهاية اليوم، وهي بتقفل المعرض، لقت ظرفًا صغيرًا على مكتبها.
مفيش عليه اسم.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله ورقة واحدة مكتوب عليها
إلى سماح عبدالرحمن... هناك شخص آخر كان يعرف والدك، ويحمل سرًا عن آخر سنة في حياته. إذا أردتِ معرفة الحقيقة، تعالي إلى العنوان المكتوب أسفل الرسالة.
سماح قرأت الرسالة مرة ثانية.
لم يكن في قلبها خوف.
لكن فضولها اشتعل.
لأنها كانت متأكدة أن هناك جزءًا من حكاية والدها لم تعرفه حتى الآن.
أخذت الورقة، ورفعت عينيها نحو صورة صبري.
وقالت
يا بابا... إيه اللي لسه مستخبي؟في اليوم التالي، لم تذهب سماح إلى العنوان وحدها.
اتصلت بياسر، وحكت له عن الرسالة.
قال فورًا
هاجي معاكي.
سماح وافقت.
وصلوا إلى العنوان، وكان عبارة عن مكتب قديم في شارع جانبي هادئ.
طرق ياسر
 

تم نسخ الرابط