ست عجوز
آخر، لم يكن موجودًا قبل دقائق.
وعليه ورقة مربوطة بخيط.
محمود فتحها.
قرأ أول سطر
وتغير وجهه.
العجوز سألته
مكتوب إيه؟
محمود رفع الورقة ببطء.
وكان مكتوبًا
المفتاح ده هيفتح المكان اللي دُفن فيه السر مش جوزك.
العجوز بصت له بصدمة.
يعني إيه؟
وقبل ما يجاوب
جاء صوت من آخر الممر
يعني إن جوزك ما كانش أول واحد يختفي
كان فيه واحد قبله الباب الحديدي اتفتح ببطء
والكل ثبت مكانه.
ظهر رجل واقف في الممر، ماسك فانوس قديم.
العجوز بصت له، وشهقت
عم صابر؟!
الرجل ابتسم ابتسامة غامضة.
أخيرًا عرفتي الحقيقة.
المختار رجع لورا وهو بيتمتم
مستحيل إنت مت من زمان!
عم صابر رد بهدوء
اللي مات من زمان كان اسمي بس.
محمود قرب منه
إنت اللي أنقذتني ليلة الحادث؟
عم صابر هز رأسه.
أيوه.
وإنت اللي خليت الناس تفتكر إني مت؟
كان لازم تختفي.
العجوز قاطعته
طب وجوزي؟ ليه خبّى كل ده عني؟
عم صابر سكت لحظة، ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
لأنه كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة كنتِ هتنزلي للمكان ده بنفسك.
العجوز أخذت الظرف.
كان عليه اسمها.
فتحت الرسالة، ولما بدأت تقرأ، تغيرت ملامحها.
دي كتابة جوزي
محمود قال
اقري بصوت عالي.
إيدها ارتعشت وهي بتقرأ
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى عم صابر ظهر، ومحمود رجع، والباب اتفتح
سكتت.
ثم كملت
لكن لسه أهم حاجة ما اتقالتش.
محمود قرب منها.
إيه؟
قلبت الصفحة.
كان فيه سطر واحد فقط
الأوتاد اللي حطيتها فوق السطح مش كانت بتحميني من اللي تحت كانت بتحدد اليوم اللي لازم نفتحه فيه الباب.
الجميع بص لبعض.
المختار قال
يعني كل اللي حصل كان متخطط له؟
عم صابر رد
من أكتر من عشر سنين.
وفجأة سمعوا صوت جرس بعيد من ناحية القرية.
جرسة واحدة
ثم ثانية
ثم ثالثة.
عم صابر رفع عينيه للسقف.
بدأ.
محمود سأله
إيه اللي بدأ؟
عم صابر قال
الحاجة اللي جوزك كان بيحاول يمنعها طول السنين دي.
ثم أشار إلى نهاية الممر.
ولو ما خرجناش من هنا قبل الفجر
كل أهل القرية هيعرفوا السر عم صابر ما استناش حد يسأله، وجرى ناحية نهاية الممر.
بسرعة! لازم نخرج قبل ما الجرس الرابع يرن!
محمود مسك ذراعه
استنى! إيه اللي هيحصل؟
عم صابر بص له
مش وقت شرح. لو الجرس الرابع رن، الباب اللي فوق هيتقفل نهائي.
المختار صرخ
وإحنا هنخرج إزاي؟
عم صابر أشار للصندوق المعدني.
فيه مفتاح تاني دوروا عليه.
العجوز قلبت الدفتر بسرعة، ولقت ورقة صغيرة مخبّية بين الصفحات.
فتحتها.
كان مكتوب
المفتاح مش في الصندوق المفتاح في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
العجوز رفعت رأسها فجأة.
السطح!
محمود فهم فورًا.
الأوتاد!
عم صابر قال
بالضبط.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا الجرس.
دَن
الجرس الرابع بدأ.
محمود جرى ناحية الممر.
لازم نطلع!
وفجأة سمعوا صوت حجر بيقع خلفهم.
بصوا
كان الممر اللي دخلوا منه بدأ ينهار جزء منه.
المختار قال
هنفضل محبوسين!
العجوز، رغم سنها، مسكت مصباح عم صابر وقالت
لأ.
ثم بصت لمحمود
جوزي حط الأوتاد عشان اليوم ده.
محمود قال
تقصدي إيه؟
رفعت الورقة أمامه.
المكان اللي بدأت منه الحكاية مش البيت
ثم قلبت الورقة.
كان على ظهرها رسم صغير للسطح، وعليه وتد واحد متعلم عليه بعلامة حمراء.
قالت
الوتد ده هو المفتاح.
طلعوا من السرداب بصعوبة، وجروا ناحية السطح.
لكن أول ما وصلوا
وقفوا مكانهم.
كل الأوتاد اللي كانت العجوز حطاها طوال السنين اختفت.
ما عدا وتد واحد.
وكان تحته صندوق صغير.
محمود انحنى وفتحه.
جواه مفتاح نحاسي، ومعاه ورقة أخيرة.
فتحها.
وكان مكتوب فيها
لو وصلت للمفتاح يبقى الشخص اللي وثقت فيه طول عمرك هو اللي كان بيخفي عنك الحقيقة.
العجوز بصت لمحمود.
ثم للمختار.
ثم لعم صابر.
وفجأة قالت
أنا عرفت مين.
لكن قبل ما تقول الاسم
اتسمع صوت باب البيت بيتفتح من تحت.
وصوت شخص نادى من الدور الأرضي
يا حاجة أنا جيت أخيرًا.
العجوز اتجمدت.
لأن الصوت
كان صوت شخص كانت متأكدة إنه مات من سنين العجوز وقفت مكانها كأن رجليها اتثبتوا في الأرض.
الصوت اتكرر من تحت
يا حاجة انزلي. أنا مستنيكي.
محمود بص لها
مين؟
العجوز ما ردتش.
وشها كان بيقول إنها عرفت الصوت من أول كلمة.
عم صابر قرب منها وقال
مين اللي تحت؟
همست
أخو جوزي.
المختار شهق
بس هو مات من خمسة وعشرين سنة!
العجوز ردت
أيوه ودفناه بإيدي.
ساد صمت ثقيل.
ثم جاء صوت من السلم
لسه فاكرة يوم الدفنة يا حاجة؟
العجوز بدأت تتراجع.
محمود وقف قدامها.
محدش ينزل.
لكن الصوت ضحك
محمود إنت بالذات لازم تنزل.
محمود تجمد.
إنت عارفني؟
أنا اللي سلمتك الرسالة الأولى.
عم صابر بص لمحمود بدهشة.
أي رسالة؟
محمود سكت.
العجوز بصت له
إنت كنت بتقول إنك اختفيت عشان تحميني أمال إيه الرسالة اللي مخبيها؟
محمود أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
كنت خايف أقولك.
فتحت العجوز الظرف بسرعة.
كان بداخله مفتاح قديم وصورة لطفلين صغيرين واقفين أمام نفس البيت.
وتحت الصورة تاريخ قديم جدًا.
العجوز قربت الصورة من عينيها.
ثم شهقت
دول أنا وجوزي؟
محمود هز رأسه.
لأ.
أمال مين؟
قال بصوت منخفض
أخوه وأخته.
العجوز بصت للصورة مرة تانية، ثم رفعت عينيها ناحية السلم.
الصوت من تحت قال
دلوقتي فهمتي ليه الأوتاد كانت مهمة؟
محمود مسك المفتاح.
هو عايزنا نفتح إيه؟
جاء الرد
مش أنا اللي عايز أفتح الباب
ثم سمعوا صوت مفتاح بيدور في قفل باب البيت.
إنتوا اللي فتحتوه من زمان من غير ما تعرفوا.
وفجأة انطفأت أنوار البيت كلها.
وبعد لحظات
سمعوا صوت سقوط شيء ثقيل من فوق السطح.
محمود جرى ناحية المكان.
وكان الوتد الأخير
اتكسر لوحده الوتد وقع على الأرض بصوت خلّى الكل يسكت.
العجوز قربت منه، ولما انحنت ترفعه، لقت تحته حفرة صغيرة.
محمود قال
ابعدي!
حفر بإيده بسرعة، وطلع صندوق حديد صغير.
عم صابر أول ما شافه قال
ده هو
محمود بص له
إنت تعرفه؟
عم صابر ما ردش.
فتح محمود الصندوق بالمفتاح النحاسي.
جواه كانت فيه مجموعة أوراق قديمة، ومفتاح أكبر، وصورة متآكلة الأطراف.
العجوز مسكت الصورة.
كانت لزوجها واقف قدام البيت وبجانبه شخص آخر.
لكن الشخص ده كان طفلًا صغيرًا.
قالت
مين الولد ده؟
عم صابر اقترب، وبمجرد ما شاف الصورة، وشه اتغير.
دي الصورة اللي كان لازم تختفي من زمان.
المختار سأله
الولد ده مين؟
عم صابر بص للعجوز وقال
ابن أخو جوزك.
العجوز اتصدمت.
بس جوزي ماكانش له أخ عنده ابن!
عم صابر سكت.
ثم قال
كان له أخ وإنتِ طول عمرك فاكرة إنه مات من خمسة وعشرين سنة.
في اللحظة دي، صوت الرجل اللي تحت السلم رجع
مش كل اللي اتدفن مات.
العجوز قربت من السلم.
إنت مين؟!
جاء الرد
الشخص اللي كان المفروض يعرف الحقيقة من الأول.
محمود مسك إيدها
متنزليش.
لكنها سحبت إيدها.
لأ المرة دي أنا هنزل.
وبمجرد ما حطت رجلها على أول درجة
سمعوا صوت المفتاح الكبير وهو بيدور داخل قفل مخفي تحت بلاطة السطح.
طَق!
ثم انفتح جزء من الأرض أمامهم.
ظهر سلم آخر
أقدم وأعمق من السرداب الأول.
وعلى أول درجة كانت جملة محفورة
اللي هينزل هيعرف ليه الأوتاد كانت بتتكسر كل شتاء.
العجوز بصت لمحمود وقالت
انزل ورايا.
لكن قبل ما ينزلوا
ظهر ظل شخص عند باب السطح.
الشخص وقف ساكت.
ثم قال
لو نزلتوا مش هتعرفوا الحقيقة عن جوزك بس.
وسكت لحظة.
هتعرفوا الحقيقة عن البيت كله الظل اللي كان واقف عند باب السطح ما اتحركش.
محمود رفع المصباح ناحيته.
إنت مين؟
الرجل خرج خطوة من الظلام.
العجوز بصت له، وفجأة قالت
يا ساتر
عم صابر قرب منها
تعرفيه؟
قالت بصوت متقطع
ده كان بييجي لأبو جوزي زمان.
المختار قال
يعني إيه؟
الرجل ابتسم
يعني إنكم بتدوروا في المكان الغلط من سنين.
محمود وقف قدامه
إنت اللي كنت بتبعت الرسائل؟
بعضها.
وإنت اللي كنت بتكسر الأوتاد؟
هز رأسه
لأ.
العجوز قالت
أمال مين؟
الرجل بص للوتد المكسور.
الأوتاد كانت بتتكسر لما حد يحاول يفتح الباب من الناحية التانية.
محمود اتجمد.
الناحية التانية؟
الرجل أشار للأرض.
تحت البيت في مكان تاني مش السرداب اللي نزلتوا فيه.
عم صابر قال
مستحيل.
الرجل رد
أبوك كان عارف يا مختار.
المختار رفع رأسه بسرعة.
أبويا؟
أيوه. وكان آخر شخص شاف أخو محمود قبل ما يختفي.
محمود قرب منه
أخويا؟!
الرجل أخرج ورقة قديمة من جيبه.
جوزك كان عنده أخ.
العجوز شهقت.
إنت بتقول إيه؟
والراجل اللي الناس قالت إنه مات من خمسة وعشرين سنة ما كانش أخوه بس.
فتح الورقة.
وكان فيها رسم لشجرة عائلة قديمة.
تحت اسم زوج العجوز، كان فيه اسم آخر.
وتحته كلمة واحدة
المفقود.
العجوز مسكت الورقة، وعينيها امتلأت بالدموع.
ليه جوزي عمره ما قال لي؟
الرجل رد
لأنه كان خايف تعرفي إن الشخص اللي اختفى زمان رجع يدور على حقه.
وفجأة
جاء صوت طرق قوي من تحت البيت.
دق! دق! دق!
ثم صوت طفل من أسفل السلم
عمو محمود
محمود اتجمد.
الصوت قال
أنا لقيت الباب.
عم صابر بص لمحمود
مين الطفل ده؟
محمود ما ردش.
لأنه عرف الصوت.
كان صوت طفل سمعه مرة واحدة فقط
في الليلة التي اختفى فيها أخوه.
والصوت جاء مرة أخرى
افتحوا أنا مستنيكم من سنين محمود حس إن قلبه وقف.
الصوت ده
مستحيل.
العجوز بصت له
إنت تعرفه؟
أيوه بس مش فاهم إزاي.
عم صابر قرب من فتحة السلم وقال
محدش يرد عليه.
الصوت رجع
محمود أنا عارف إنك فوق.
محمود قرب خطوة.
لو إنت فعلًا اللي أنا فاكره قولّي حاجة محدش يعرفها غيري.
سكت الصوت.
ثواني
ثم قال
يوم ما اختفى أخوك، كنت إنت اللي حطيت المفتاح تحت الوتد التالت.
محمود اتراجع.
محدش يعرف الحكاية دي
العجوز بصت له بصدمة
أخوك كان موجود هنا؟
محمود هز رأسه ببطء.
كنت طفل وقتها وأبويا منعني أتكلم.
المختار قال
يبقى الشخص اللي تحت عارف تفاصيل من زمان.
وفجأة ظهر رأس صغير عند أسفل السلم.
العجوز شهقت.
كان ولدًا صغيرًا، ملامحه هادئة، وملابسه قديمة بشكل غريب.
رفع عينيه ناحية محمود وقال
أخوك مستنيك.
محمود قرب منه
فين؟
الولد أشار إلى باب حجري خلفه.
هناك.
عم صابر أمسك محمود من كتفه
استنى الباب ده ما ينفعش يتفتح.
محمود سأله
ليه؟
عم صابر قال
لأن آخر مرة اتفتح فيها اختفى شخص.
المختار سأله
مين؟
عم صابر بص للعجوز.
جوزها.
العجوز اتجمدت.
إنت بتقول إن جوزي اختفى من هنا؟
عم صابر أومأ.
أيوه.
محمود قرب من الباب الحجري.
كان عليه نقش قديم جدًا.
نفس العلامة.
وبجانبها أربعة أسماء.
قرأ الأول
ثم الثاني
ثم الثالث
وعندما وصل للاسم الرابع، تجمد تمامًا.
العجوز سألت
مين؟
محمود مسح التراب بإيده.
ظهر الاسم كاملًا.
اسم العجوز نفسها.
لكن بجانبه تاريخ
كان بعد وفاة زوجها بعام كامل.
العجوز بصت للتاريخ، ثم قالت بصوت مرتعش
أنا ما دخلتش المكان ده في التاريخ ده
ومن خلف الباب الحجري جاء صوت خافت
عشان اللي دخل مكانك ما كانتش إنتِ.العجوز رجعت خطوة لورا.
يعني إيه مش أنا؟!
الصوت اللي ورا الباب ما ردش.
محمود مسك المقبض الحديد، لكن عم صابر صرخ
استنى!
ليه؟
بص على التاريخ تاني.
محمود قرب المصباح من النقش.
التاريخ المكتوب جنب اسم العجوز كان فعلًا بعد وفاة محمود بسنة.
لكن تحت التاريخ كان فيه سطر صغير جدًا
الاسم ليس لصاحبته بل لمن حملته.
العجوز حطت إيدها على بقها.
حد كان عايش باسمي؟
عم صابر قال
مش بس باسمك حد كان عارف كل تفاصيل حياتك.
المختار بدأ يتراجع.
محمود لاحظ حركته وقال
إنت عارف حاجة.
المختار سكت.
اتكلم!
المختار بلع ريقه
أبويا كان بيحكيلي عن البيت ده وكان بيقول إن في ست دخلت المكان ده من سنين، والناس كلها افتكرت إنها إنتِ.
العجوز صرخت
مين الست دي؟
المختار رفع عينيه لها
أمي.
سكت الجميع.
العجوز قربت منه
أمك؟!
أيوه وأبويا قال إنها دخلت البيت ده ليلة اختفاء أخو محمود.
محمود مسكه من ذراعه
وخرجت إمتى؟
المختار هز رأسه
ما خرجتش.
في اللحظة دي
الباب الحجري اتحرك لوحده.
صوت احتكاك الحجر بالأرض دوّى في السرداب.
وظهر ممر مظلم خلفه.
وفي آخر الممر كان فيه كرسي خشب.
وعلى الكرسي
صندوق صغير.
فوق الصندوق صورة قديمة.
محمود رفعها.
كانت صورة لثلاثة أشخاص
أخوه
أبو المختار
والست اللي قالوا إنها أمه.
لكن المفاجأة إن الصورة كانت متصورة بعد التاريخ اللي قيل فيه إن أخ محمود مات.
العجوز قربت من الصورة، وبصت في وش الست.
وفجأة قالت
دي مش أمك.
المختار اتصدم
إنتِ بتقولي إيه؟
العجوز أشارت للصورة
دي أخت جوزي.
محمود شهق.
أختي؟!
ثم نظر إلى عم صابر.
بس أنا عمري ما سمعت إن لي أخت.
عم صابر قال بهدوء
لأن أخوك وأختك كانوا السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
وفجأة جاء صوت من آخر الممر
وأنا كنت السبب في إنهم يختفوا.
محمود رفع المصباح.
وصوت خطوات بدأ يقترب.
خطوة
ثم خطوة
ثم ظهر شخص من الظلام.
العجوز أول ما شافته، وقعت الصورة من إيدها.
وقالت بصوت مخنوق
مستحيل إنت مات من خمسة وعشرين سنة!أكيد، دي النهاية
العجوز كانت واقفة قدام الشخص اللي ظهر من آخر الممر، ووشها شاحب.
إنت إنت مت!
الرجل ابتسم بحزن.
الناس هي اللي قالت كده.
محمود قرب منه خطوة، وبص له طويلًا.
عمي؟
الرجل أومأ.
أيوه أنا أخو أبوك.
محمود اتصدم.
بس إنت اختفيت قبل ما أتجوز!
اختفيت لأن أبوك اكتشف إن البيت ده مش مجرد بيت كان فيه مستندات وأرض اتاخدت من أصحابها زمان، واللي كان ماسك الموضوع خاف الحقيقة تظهر.
العجوز بصت لمحمود.
وجوزي كان بيحاول يكشفهم؟
عم محمود قال
محمود عرف الحقيقة بعد سنين. ولما عرف إن الناس بدأت تدور على الأوراق، فبرمج اختفاءه ومثّل موته، عشان يحميك ويحمي أولاد العيلة.
محمود نزل عينيه.
وأنا خليتك تصدقي إني مت عارف إن ده وجعك، بس لو عرفوا إني عايش كانوا وصلوا لكِ.
العجوز دمعت عينيها
طب والأوتاد؟
عم محمود ابتسم.
دي كانت علامة.
علامة على إيه؟
كل وتد كان بيحدد مكان جزء من المستندات القديمة. ولما حد كان يحاول يدخل السرداب، كان بيكسر الوتد الأقرب للمكان.
ساعتها فهمت العجوز ليه كانت بتحطهم كل سنة.
لكن عم محمود قال
وفي حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
فتح الصندوق الصغير، وأخرج ملفًا قديمًا.
كان فيه عقود ملكية، وإيصالات، وشهادات مختومة تثبت إن الأرض اللي اتبنت عليها بيوت كتير في القرية ما كانتش ملك الأشخاص اللي باعوها.
المختار بص للملف، ووشه اتغير.
يعني أبويا كان عارف؟
عم محمود قال
كان عارف جزء من الحقيقة، لكنه خبّى الأوراق خوفًا من المشاكل.
محمود أخذ الملف وقال
المرة دي مش هيتخبى.
وبالفعل، بعد أيام، اتسلمت الأوراق للجهات المختصة، واتراجع كل عقد قديم بشكل رسمي، والناس اللي كان ليها حق بدأت تعرف الحقيقة.
أما العجوز
فطلعت السطح في صباح شتوي هادي.
بصت للأوتاد كلها.
واحد ورا التاني.
ثم شالت أول وتد بإيدها.
وبعده التاني.
وبعده التالت.
محمود وقف تحت السلم وسألها
هتشيليهم كلهم؟
ابتسمت وقالت
أيوه.
ليه؟
بصت للسماء وقالت
عشان خلاص مفيش حاجة مستنياها هنا.
وفي آخر النهار، كان السطح فاضي لأول مرة من سنين.
لكن العجوز احتفظت بآخر وتد.
علّقته جوه البيت، وقالت
ده مش عشان أخاف من اللي جاي
ثم ابتسمت
ده عشان أفتكر إن الحقيقة، مهما اتدفنت، لازم في يوم تطلع للنور.