ست عجوز

لمحة نيوز


قربت المفتاح من القفل
سمعوا صوت طرق شديد على باب البيت.
دق دق دق!
الكل سكت.
ثم جاء صوت رجل من الخارج
يا حاجة افتحي.
العجوز وشها اتغير.
الراجل سألها
تعرفي الصوت ده؟
هزت راسها ببطء.
أيوه.
مين؟
بصت ناحية الباب وقالت
ده صوت واحد المفروض إنه مات من سنة.
سكت الجميع.
ثم جاء الطرق مرة أخرى، أقوى من الأول.
دق! دق! دق!
والصندوق الحديد بدأ يهتز وحده فوق الأرض.
العجوز قربت منه، لكن قبل ما تلمسه، ظهر من تحته ظرف ورقي قديم.
كان مكتوب عليه بخط زوجها
لو وصلت للظرف ده يبقى أنا ما متش زي ما الناس فاكرة.
الراجل فتح الظرف بسرعة.
وفي داخله كانت صورة قديمة للقرية
لكن في الصورة كان فيه شخص واقف بجوار زوج العجوز.
الشخص ده كان معروف لكل أهل القرية
لأنه كان واقف بينهم في نفس اللحظة تقريبًا.
وهنا بدأت العجوز تفهم الحقيقة التي أخفاها زوجها عنها طوال العام
السر لم يكن في الأوتاد وحدها السر كان في شخص يعيش بينهم، ويعرف كل خطوة كانوا بيعملوها فضلت العجوز ماسكة الصورة بإيديها، وبتبص للشخص اللي واقف جنب جوزها.
واحد من أهل القرية قرب منها وقال
إحنا كلنا عارفين الراجل ده
ردت العجوز بسرعة
عارفينه؟!
سكت الرجل.
قالت وهي بتبص للصورة
ده مختار القرية.
اتصدم الجميع.
مختار القرية كان هو الشخص اللي بيساعد الناس، وبيحل مشاكلهم، وبيظهر دايمًا في كل مناسبة.
واحد قال
بس إزاي؟ إيه علاقته بجوزك؟
العجوز قلبت الصورة، ولقت على ضهرها تاريخ قديم وكلمتين بخط زوجها
ما تثقيش فيه.
قبل ما حد يستوعب الكلام، سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت.
ثم طرق على الباب.
لكن المرة دي، الصوت كان واضحًا
يا حاجة افتحي، أنا المختار.
الكل بص للعجوز.
وشها كان شاحب.
قالت
ما حدش يفتح.
الطرق استمر.
يا حاجة، أنا عرفت إن فيه ناس دخلت بيتك. افتحي عشان أحميكي.
العجوز ضحكت ضحكة قصيرة مليانة خوف.
يحميّني؟
وبعدين رفعت الصورة وقالت
هو اللي جوزي كان بيحذرني منه.
الرجالة بدأوا يتحركوا بعيد عن الباب.
وفجأة، سمعوا صوت المفتاح بيتحرك في القفل.
حد برّه كان بيحاول يفتح الباب.
واحد من الشباب همس
إزاي معاه مفتاح؟
العجوز ردت
لأن جوزي كان واثق فيه قبل ما يعرف حقيقته.
وفي اللحظة دي، انفتح الباب ببطء.
لكن بدل ما يدخل المختار
وقعت قدامهم حقيبة جلدية قديمة.
العجوز أول ما شافتها، عرفت الحقيبة فورًا.
دي كانت بتاعة جوزي!
فتحتها بسرعة.
كان جواها دفتر صغير، وعدة أوراق، ومفتاح آخر.
لكن أهم حاجة كانت ورقة مكتوبة بخط زوجها
الأوتاد مش عشان تمنع حد يدخل السطح الأوتاد عشان تمنع حاجة تخرج منه.
الكل سكت.
الشاب قال
حاجة تخرج من السطح؟!
العجوز بصت له وقالت
أيوه.
ثم رفعت عينيها ناحية السقف.
لأن تحت البيت ده فيه مكان محدش في القرية يعرف عنه حاجة.
وفجأة، سمعوا صوت ضربة قوية من تحت أرضية البيت.
مرة
ثم مرة تانية.
وبدأت ألواح الأرض تهتز تحت أقدامهم.
العجوز مسكت المفتاح الصغير، وقالت
طول السنة اللي فاتت كنت بحاول أحافظ على السر.
وبصت للجميع
بس الظاهر إن السر هو اللي بدأ يدور علينا العجوز أول ما سمعت الصوت الثاني، اتراجعت لورا وكأن الأرض انسحبت من تحت رجليها.
مستحيل
الرجل اللي كان واقف خلف المختار نزل أول درجة من السلم.
وكان هو
جوز العجوز.
نفس الملامح، نفس الجلابية اللي دفنته بيها القرية من سنة.
واحد من الرجال صرخ
ده مستحيل! إحنا حضرنا دفنه!
لكن العجوز ما قدرتش تتكلم.
زوجها وقف في آخر السلم، وبص لها بحزن.
سامحيني يا أمينة كان لازم أخليكي تصدقي إني مت.
انهارت العجوز على الكرسي.
إنت عايش؟! ليه عملت فيا كده؟!
رد بصوت هادي
لأن لو الناس عرفت إني عايش، كانوا هيوصلوا ليكي وكنت عارف إنهم هيسألوكي عن الصندوق.
المختار وقف خلفه وقال
كفاية يا حاج محمود. مفيش داعي لكل الأسرار دي.
محمود بص له بحدة.
لأ خلاص وقت الأسرار انتهى.
ثم أخرج ورقة قديمة من جيبه.
دي أسماء كل اللي كانوا متورطين.
الرجال اقتربوا منه.
محمود فتح الورقة وقال
من عشر سنين، كان فيه مخزن قديم تحت بيت العجوز. المخزن ده كان بيستخدم لحفظ سجلات وأوراق ملكية أراضي القرية.
المختار قاطعه
دي اتهامات من غير دليل.
محمود ابتسم.
الدليل موجود هنا.
وأشار إلى الصندوق.
ثم قال
والأوتاد اللي حطتها مراتي فوق السطح كانت علامة ليا عشان أعرف إن البيت لسه آمن.
العجوز بصت له بدهشة.
يعني الأوتاد كانت رسالة ليك؟
هز رأسه.
وكانت كمان تمنع أي حد يحاول ينزل من السطح.
سألته
طب ليه رجعت دلوقتي؟
محمود بص ناحية المختار.
لأن الشخص اللي كنت خايف منه عرف مكان الصندوق.
المختار بدأ يتراجع خطوة.
لكن فجأة
جاء صوت صرخة من خارج البيت.
ثم صوت رجال بيجروا في الشارع.
محمود فتح الصندوق بسرعة، وأخرج منه دفترًا أسود.
وقال
لو الدفتر ده وقع في إيد الشخص الغلط القرية كلها هتتغير.
وفي نفس اللحظة، انطفأت أنوار البيت.
ولما رجعت
كان الدفتر اختفى من فوق الطاولة نزل الجميع بسرعة إلى أرضية البيت، لكن الصوت توقف فجأة.
العجوز ركعت على الأرض، وحطت أذنها على البلاط.
ثواني
ثم رفعت رأسها وقالت
هو تحتنا.
الراجل اتوتر
مين؟
مش شخص الصندوق اللي جوزي كان خايف منه.
وبدأت تدور بعينيها في المكان، لحد ما وقفت عند سجادة قديمة في ركن الصالة.
شالتها.
ظهر تحتها جزء من الأرض مختلف عن باقي البلاط.
كان فيه حلقة حديد صغيرة.
سحبها أحد الرجال، فانفتح غطاء خشبي قديم، وظهر سلم ضيق نازل لتحت.
الكل بص لبعضه.
الشاب قال
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه سرداب هنا؟
العجوز ردت
جوزي اكتشفه قبل موته بأيام لكنه منعني أنزل فيه.
وأمسكت المفتاح اللي كان في الحقيبة.
وقال لي لو اضطررت أنزله، ما أنزلش لوحدي.
نزل الرجال أولًا، ثم تبعتهم العجوز.
كان السرداب ضيقًا ومليان تراب، وعلى الجدران علامات قديمة.
وبعد مسافة قصيرة، وصلوا لباب حديد.
العجوز أدخلت المفتاح.
طَق!
الباب اتفتح.
وراءه كانت غرفة صغيرة.
في منتصفها طاولة، فوقها دفاتر وصور وخرائط.
لكن أول ما اقتربوا من الطاولة، لاحظوا شيئًا جعل العجوز تكاد تقع من الصدمة.
كانت هناك صورة لزوجها
وبجانبه ثلاثة رجال.
أحدهم كان المختار.
والثاني رجل من القرية.
أما الثالث
فكان الرجل الذي وقف بجوار العجوز قبل قليل، وساعدهم في العثور على الصندوق.
الراجل نفسه شحب وقال
أنا؟!
العجوز بصت له، ثم رجعت تبص للصورة.
وعلى ظهرها كانت جملة بخط زوجها
واحد منهم خانني لكن الاتنين الباقيين مش مذنبين.
سأل أحد الرجال
يعني مين الخاين؟
العجوز قربت الصورة من عينيها.
وفجأة لاحظت علامة صغيرة مرسومة على كمّ أحد الرجال في الصورة.
نفس العلامة كانت موجودة على قطعة القماش التي وجدوها فوق السطح.
قالت بصوت منخفض
العلامة دي
ثم رفعت رأسها.
شفتها قبل كده.
فين؟
ردت
على باب بيت المختار.
ساد الصمت.
لكن قبل ما يكملوا، سمعوا صوتًا قادمًا من أعلى السلم.
خطوات.
حد كان نازل إليهم.
العجوز أشارت للجميع يختبئوا.
الخطوات اقتربت
ثم ظهر ظل شخص عند أول السلم.
وبصوت هادئ جدًا، قال
كنت عارف إنكم هتوصلوا للمكان ده في الآخر.
العجوز غمضت عينيها لحظة.
لأنها عرفت الصوت.
كان صوت المختار.
لكن المفاجأة إن صوتًا آخر جاء من خلفه مباشرة
وأنا كمان كنت مستنيكم.
العجوز فتحت عينيها بفزع.
لأن الشخص الثاني كان آخر شخص تتوقع أن تراه في هذا السرداب صرخت العجوز
الدفتر اختفى!
محمود لفّ بسرعة ناحية باب السرداب.
محدش يتحرك!
لكن المختار كان واقف مكانه، وملامحه هادية بشكل غريب.
قال
واضح إن حد فينا أخده.
الكل بدأ يبص لبعضه.
فجأة، واحد من الرجال أشار إلى الأرض
استنوا فيه تراب جديد على البلاط!
كانت آثار أقدام صغيرة خارجة من ناحية الطاولة، ومتجهة ناحية السلم.
محمود نزل على ركبته وفحصها.
اللي أخد الدفتر كان واقف هنا قبل ما النور يقطع.
العجوز بصت للمختار.
إنت كنت واقف فين؟
رد بهدوء
جنب الباب.
لكن الشاب قاطعه
لأ أنا كنت جنب الباب، وإنت كنت أقرب واحد للطاولة.
سكت المختار.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت حركة فوقهم.
ثم صوت شيء معدني وقع على أرض البيت.
محمود صرخ
الدفتر مش معاه!
طلعوا السلم بسرعة.
وفي الصالة، وجدوا الحقيبة الجلدية مفتوحة، وبداخلها ورقة واحدة لم تكن موجودة من قبل.
العجوز التقطتها.
كانت مكتوبة بخط زوجها
لو اختفى الدفتر، دوروا على الأوتاد المكسورة.
الكل جرى ناحية السطح.
بدأوا يعدّوا الأوتاد.
واحد اتنين تلاتة
لحد ما وصلوا لآخر جزء.
كان فيه وتد مكسور حديثًا.
محمود انحنى عنده، وحفر بإيده في التراب.
وبعد ثوانٍ، أخرج مفتاحًا صغيرًا.
العجوز بصت له بدهشة
مفتاح إيه ده؟
محمود قال
مفتاح المكان اللي الدفتر الحقيقي موجود فيه.
المختار صرخ
ما تصدقوش كلامه!
محمود التفت له.
لأنك عارف أنا بتكلم عن إيه.
المختار سكت.
ثم فجأة حاول يهرب ناحية السلم.
لكن الرجال وقفوا أمامه.
العجوز قربت منه وقالت
طول السنة دي كنت فاكرة إن جوزي مات عشان سر.
ثم رفعت المفتاح.
دلوقتي عرفت إن السر لسه ما اتكشفش كله.
محمود نظر إلى زوجته وقال
ولسه أهم جزء ما تعرفيهوش.
ثم أشار إلى أحد الأوتاد.
الوتد ده مش معمول عشان يحمي البيت.
أمال معمول ليه؟
نظر محمود إلى الأرض تحت أقدامهم وقال
عشان
 

تم نسخ الرابط