عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال
بحذر
أيوه أنا.
قال
أنا محامي المرحوم الحاج مصطفى بن عمار.
اتوترت وقلت
خير؟
قال
لازم تحضري جلسة قراءة الوصية النهارده.
افتكرت إنه غلط في الرقم.
قلتله
حضرتك يمكن تقصد واحد من أولاده.
قال بمنتهى الثقة
لا... أقصد حضرتك.
قفلت التليفون وأنا مش فاهمة حاجة.
حتى ابني الكبير سليم استغرب.
قاللي
إيه علاقة محامي راجل غني بيكي يا ماما؟
هزيت كتفي وقلت
مش عارفة.
في الحقيقة كنت متوقعة إن الموضوع له علاقة بمفتاح البيت أو شوية ورق قديم.
لبست عبايتي السودا البسيطة، وروحت لمكتب المحامي.
ولما وصلت...
حسيت إني غريبة عن المكان.
المكتب كان فخم جدًا.
أرضيات رخام، أثاث غالي، وريحه عطر تقيلة في المكان.
وهناك...
شفت أولاد الحاج مصطفى لأول مرة مجتمعين قدامي.
ولدين وبنت.
مراد كان لابس بدلة غالية وساعة تمنها أكتر من اللي كنت بكسبه في سنة.
وأخوه رياض كان ماسك موبايله ومش مهتم بحاجة.
وأختهم ليلى كانت قاعدة بنظارة شمس جوه المكتب.
بصوا لي ثواني...
وبعدين تجاهلوني.
سمعت ليلى بتهمس لأخوها
هي دي الست اللي كانت بتبعتله الأكل؟
رد مراد بسخرية
أهو لقى حد يخدمه ببلاش.
وطيت عيني.
أنا ما كنتش رايحة أعمل مشكلة.
كنت عايزة أعرف بس ليه استدعوني.
بعد شوية دخل المحامي.
كان راجل كبير ومحترم اسمه الأستاذ عبد القادر.
فتح ملف كبير وقال
هنبدأ دلوقتي تنفيذ وصية المرحوم.
سكت الجميع.
وبعدين شغل شاشة كبيرة كانت وراه.
وفجأة...
ظهر الحاج مصطفى.
جسمي كله قشعر.
كان قاعد على كرسيه المعتاد في البيت.
لابس القميص الرمادي القديم.
وعصايته جنبه.
بس وشه كان هادي بشكل ما شفتوش عليه قبل كده.
قال بصوته الخشن
لو إنتوا بتتفرجوا على التسجيل ده، يبقى أنا مت أخيرًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وبعدين قال
لولادي التلاتة... مراد، رياض، وليلى.
التلاتة عدلوا قعدتهم.
وأنا فضلت متجمدة مكاني.
قال
إنتوا كنتوا في يوم من الأيام أجمل حاجة حصلتلي.
وللحظة افتكرت إن الكلام هيكون عادي.
لكن ملامحه اتغيرت.
وقال
بس كبرتوا... ونسيتوا إن ليكم أب.
ملامحهم اتغيرت.
ليلى وطت عينيها.
ومراد شد فكه.
كمل الحاج مصطفى
كنت بستنى مكالمتكم زي الطفل اللي مستني العيد.
وسكت لحظة.
كنت بقعد جنب التليفون بالساعات... وبعدين أنام لوحدي.
ليلى بدأت تتحرك في كرسيها بتوتر.
ومراد كان باين عليه الغضب.
قال
لما مرضت... محدش فيكم سأل عليا.
ولما وقعت في الشارع... محدش فيكم كان موجود.
وبعدين قال
عشان كده قررت أسيب لكم بالظبط اللي سبتوهولي عشرين سنة.
التوتر ملأ المكان.
وبعدين قال بوضوح
ولا حاجة.
ليلى قامت من مكانها
إيه؟!
ومراد ضرب بإيده على الترابيزة
مستحيل!
أما رياض فصرخ
أبويا ما كانش في وعيه!
المحامي رفع إيده وقال بهدوء
لو سمحتوا اقعدوا.
ورجعنا نبص للشاشة.
الحاج مصطفى قرب من الكاميرا.
عينيه كانت ثابتة وواضحة.
وقال
عقلي كان أحسن من ضمايركم كلكم.
سكت المكان.
وبعدين قال
العيلة مش دم وبس.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كمل
العيلة هي الشخص اللي بيفضل جنبك لما ما يبقاش معاك غير التعب.
وبعدين بص للكاميرا كأنه بيبصلي أنا.
وقال
ولجارتي... مدام زهرة.
شهقت من غير ما أحس.
وابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أم عيال الفوضى.
المحامي نفسه ابتسم.
وأنا دموعي نزلت.
قال الحاج مصطفى
الست دي كانت بتشتغل تلات شغلانات، وبالعافية بتلاقي اللي تأكل بيه أولادها السبعة...
وسكت لحظة.
ومع ذلك... عمرها ما خلتني أنام جعان ليلة واحدة.
بدأ صوتي يرتجف.
وكمل
كان ممكن تكرهني زي كل الناس.
لكنها اختارت الرحمة.
وبعدين قال
هي الوحيدة اللي شافت الإنسان اللي مستخبي ورا عصبيتي.
دموعي نزلت أكتر.
كنت فاكرة كل طبق أكل...
كل مرة كان يفتح الباب متخانق...
وكل مرة كنت أمشي وأنا مش مستنية منه حتى كلمة شكر.
وفجأة قال الجملة اللي قلبت حياتي كلها
عشان كده...
أنا سايب كل ثروتي وممتلكاتي لمدام زهرة بوزيان.
الغرفة كلها سكتت.
وأنا افتكرت إني سمعت غلط.
لكن الحاج مصطفى كمل
الحسابات البنكية... البيت... المدخرات... وكل ممتلكاتي.
ليلى شهقت.
مراد صرخ
الست دي نصابة!
ورياض قال
إحنا هنطعن في الوصية!
المحامي فتح مجموعة ملفات وقال بهدوء
المرحوم جهز الوصية قانونيًا من أكتر من سنة، وكل الإجراءات تمت بشكل رسمي.
وبعدين بص لهم وقال
والوصية مستوفية الإجراءات القانونية.
أنا كنت عاجزة عن الكلام.
حاسّة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أنا؟
الست اللي كانت من كام يوم بتخفف الشوربة بالمية عشان تكفي أولادي؟
إزاي؟
إزاي كل ده بقى بتاعي؟
لكن التسجيل ما كانش خلص.
رجع صوت الحاج مصطفى
وفي شرط أخير.
الكل سكت.
قال
يا زهرة... لو قبلتي الميراث، لازم تسيبي شغلك التلاتة.
بدأت أعيط أكتر.
وكمل
أنا عايز أولادك يشبعوا من غير ما يعدوا اللقمة قبل ما ياكلوها.
وبعدين ابتسم.
خليهم يعيشوا الحياة اللي أنا ما قدرتش أديها لولادي.
وانطفأت الشاشة.
انتهى التسجيل.
وأنا...
قعدت أعيط زي الطفلة.
بعد سنة كاملة...
البيت القديم ما بقاش زي زمان.
الحيطان اتدهنت بلون أصفر دافي، والبيت بقى مليان حياة.
وفناء الحاج مصطفى بقى مليان بصوت أولادي السبعة وهم بيلعبوا ويجروا من غير ما يخافوا إن حد يخرج يزعق لهم.
سيبت شغل الليل أخيرًا.
أولادي دخلوا مدارس أحسن.
وبقى عندنا أكل يكفي الجميع وزيادة.
لكن فيه حاجة واحدة ما اتغيرتش أبدًا.
كل ليلة...
لما نقعد حوالين السفرة الكبيرة عشان نتعشى...
بنحط طبق زيادة.
دايمًا.
طبق...
لراجل عجوز قضى عمره فاكر إن الدنيا كلها تخلت عنه...
لحد ما طبق أكل بسيط أثبت له إن الرحمة ممكن تنقذ آخر جزء باقي في قلب الإنسان.