اكلة سمك حكايات زهرة
الضحك اتقطع فجأة زي ما نكون ضغطنا على زرار !
الملامح اتغيرت في ثانية واحدة من الفرحة والشهية للذهول الشديد. اللي كان بيمضغ وقف، واللي كان لسه هيبلع اتخنق! وعيون العيلة كلها اتجمعت عليا في نفس اللحظة.. نظرات استغراب هبت في الأوضة هزت كياني هز! وأنا شايفة جوزي بيبصلي بذهول مش قادر يستوعبه!!!!!
أنور جوزي مسك حتة السمكة المقرمشة، وبصلي ونظرة الذهول في عينيه كانت هتموتني في جلدي.. أنا في اللحظة دي قلبي وقع في رجليا وقولت ياترى مالهم بيبصولي كده ليه!
بس فجأة.. فجأة وبدون أي مقدمات، لقيت ابن عم جوزي بيصرخ فجأة بكل قوته: "أوعى! ايه ده يا جدعان؟! ايه الحلاوة دي!"
وبعدها بأقل من ثانية، الصمت اللي كان مالك الأوضة اتقلب لثورة! ثورة أعجاب وذهول هزت البيت كله!
أخو جوزي كان ماسك السمكة وبيمضغ وعينيه مفتوحة على آخرها من الصدمة، صرخ هو كمان: "لا لا لا.. ده مش سمك! ده سحر! ايه القرمشة دي يا نهلة؟ ايه التتبيلة دي؟! أنا بحلف بالله ما أكلت سمك في حياتي بالجمال ده ولا في أفخم مطاعم الفسفور!"
جوزي أنور كان باصصلي وهو مش مصدق نفسه، أخد اللقمة التانية ورا الأولى وعينيه بتلمع، وقام وقف على حيله من كتر الانبهار وقال بصوت هز الصالة: "يا نهار أبيض يا نهلة! ايه الطعامة دي يا بنت اللذينة! القرمشة دي جايباها منين؟ واللحم دايب دوب وتتبيلتك واصلة للشوكة من جوة دي خلطة سرية ملهاش حل!"
حماتي قالتلي "يسلم إديكي يا نهله طول عمرك ست بيت وشاطرة، بس النهاردة أنتِ عديتي الخيال! السمك مقرمش من برة وطري وقشطة من جوة، يسلم العقل والنفس!
أبويا وأمي كانوا قاعدين راسهم مرفوعة للسما من الفخر، وأخويا عمال ياكل بإيديه الاثنين ويقول وهو بيمضغ: "مش قلتلكم؟! مش قلتلكم أختي ملهاش حل؟ وربنا يا أنور أنت محظوظ بيها، الأكل ده يتوزن بالدهب!"
الناس كلها بقت بتاكل بنفس مفتوحه! الصواني اللي كانت مليانة سمك اتنسحت في ثواني، الصوت في الأوضة اتقلب لاهات إعجاب وشكر وتطبيل لشطارتي. "تسلم إيدك يا نهلة"، "ربنا يحميكي يا بنتي"، "والله يا أنور مراتك كسبت الرهان وزيادة!".. الكل كان بيشكر فيا وفي طعم الأكل الخطير اللي عمُرهم ما ذاقوا زيه في حياتهم.
أنا كنت واقفة في نص الصالة، ومبسوطه جدا وبحمد ربنا انه رد تعبي خير
في وسط الهيصة والزيطة دي كلها، بصيت على أحلام..
أحلام كانت قاعدة وشها جايب ألوان، كانت متسمرة في مكانها، عينها هتطلع من وشها من الصدمة والذهول! كانت حاطة اللقمة في بقها وبتبصلي برعب وعدم تصدق.. هي كانت مستنية العيلة تتفجر غضب ، لقيتهم بياكلوا صوابعهم ورا الأكل ويشكروا فيا للسمك!
من كتر الصدمة والذهول اللي أكل دماغها، أحلام مقتدرتش تستحمل ولا تقعد ثانية زيادة. قامت جارية من على السفره، وجريت على المطبخ زي المجنونة عشان تتأكد بنفسها ايه اللي حصل وإزاي خطتها الشيطانية باظت وأكلت في الهوا!
أول ما دخلت المطبخ، جريت على طبق الدقيق اللي كان محطوط على الترابيزة، مسكته بعياط وغل وحطت صباعها فيه ودقته.. لقته دقيق أبيض عادي جداً!
وفجأة.. صوت وراها خلّى ركبها تتخبط في بعضها من الخوف!
صوت أمها (حماتي) وهي داخلة وراها المطبخ بخطوات ثقيلة، وقفت عند الباب
حماتي بصت لها وقالت بنبرة حادة واطية عشان محدش برة يسمع: "بتدور على إيه يا أحلام؟ بتدوري على الجبس اللي حطيتيه لمرات أخوكي عشان تخربي عليها وتكسفيها قدام العيلة؟"
أحلام اتصدمت، اتسمرت مكانها والطبق وقع من إيدها على الترابيزة، ووشها بقى زي الليمونة المعتصرة من الخجل والرعب: "إيه.. إيه ده يا ماما؟ أنتِ بتقولي إيه؟! أنا ما عملتش حاجة!"
حماتي قربت منها وضربتها بالراحة بس بقسوة على كتفها وقالتلها بصوت واطي ومحروق: "اسكتي خالص يا خايبة! فاكرة إنك ناصحة؟ أنا شفتك بعينيا دول وأنتِ بتتسحبي زي الحرامية وبتشيلي طبق الدقيق وتحطي الطبق اللي فيه الجبس بتاع التوضيبات اللي كان في البلكونة! شفتك وغلك كان عاميكي وما خدتيش بالك إن في حد باصص عليكي!"
أحلام حطت إيدها على بقها ودُموعها نزلت من الخوف: "ماما.. أنتِ.. أنتِ شفتيني؟!"
حماتي قالت بغيظ شديد: "أه شفتك يا قاسية القلب! وعشان أعرفك إن ربنا مابيرضاش بالظلم، وأول ما خرجتي من المطبخ بتتسحبي، دخلت أنا فوراً ورجعت طبق الدقيق بتاع نهلة الأصلي مكانه، وأخدت طبق الجبس بتاعك رميته في الزبالة وقَفَلت عليه! نهلة تقلي بالدقيق بتاعها ونفسها الحلو، وأنتِ خطتك الخايبة تترمي في الزبالة مطرح ما تستاهلي!"
أحلام كتمت صرخة خجل وعياط في صدرها، وأمها مسكتها من ذراعها بضغط شديد وقالتلها بتهديد مباشر وواضح:
"سمعاني يا أحلام؟ وحياة اللي خلقني وخلقك، لو فكرتي بس في يوم من الأيام تعملي
أحلام جسمها كله كان بيتراشف من الخوف.. هي عارفة أخوها أنور، بيحبني جدا وشخصيته شديدة في الحق، ولو عرف إن أخته كانت عايزة تؤذيه وتكسفه قدام الناس وتخرب بيته، كان ممكن يطردها أو يقطع علاقته بيها للابد.
أحلام نزلت رأسها في الأرض بكسرة وخجل ما بعده كسرة، وقالت بصوت مكسور وبكاء: "حرمت يا ماما.. والله العظيم حرمت! مش هعمل كده تاني أبداً، وحياة ربنا ما هاجي ناحيتها تاني، بس بلاش تقولي لأنور.. بلاش يا ماما أرجوكي!"
حماتي بصت لها بقلة صبر وقرف وقالت: "اتفضلي اغسلي وشك ده واطلعي الناس بره !"
خرجت أحلام من المطبخ وهي مجرورة من كرامتها، وشها في الأرض، ومش قادرة تحط عينها في عيني ولا في عين أخوها. قعدت على طرف السفره ساكتة تماماً، مابتنطقش بحرف، وكل ما جوزي أو حد من العيلة يشكر فيا وفي أكلي، كانت هي بتنكمش في نفسها أكتر من الخجل والكسوف.
انا كنت سمعت كل كلامهم لاني روحت اشوف فيه ايه ليه راحو المطبخ وسمعت اللي قالته حماتي لاحلام كنت هدخل ازعقلها واعاتبها…بس قولت حماتي قامت بالواجب ملوش لزوم اصغرها خلاص
ومن اليوم ده.. أحلام ما بقتش تقرب ناحيتي ولا تتدخل في حياتي، وعرفت إن اللي بيحفر حفرة لأخوه.. مابيبقعش فيها غيره!
وأنا فضلت عايشة في بيتي مع جوزي وبنتي، ملكة في نظرهم، والحمد لله