رجعت البيت
صدرها وقالت
أنا اشتغلت هنا من شهرين.
عارف.
أول أسبوع كنت فاكرة إن الولدين عندهم مشكلة صحية.
ليه؟
لأنهم كانوا بيناموا بشكل مش طبيعي. ساعات طويلة جدًا، ولما يصحوا يكونوا مرهقين.
سألتها
وإنتِ شوفتي داليا وهي بتحط حاجة في اللبن؟
مرة واحدة.
ومين الشخص اللي كان معاها؟
هزت رأسها.
مش الشخص اللي في الصورة.
اتصدمت.
يعني كان فيه أكتر من شخص؟
أيوه.
سكتنا ثواني.
وبعدين قالت
بس فيه حاجة أخطر.
إيه؟
طلعت موبايلها.
فتحت صورة.
كانت صورة لزجاجة صغيرة.
وعليها نفس العلامة اللي كانت على الزجاجة في الفيديو.
لكن تحت العلامة كان فيه اسم شركة.
بصيت للاسم.
واتجمدت.
الشركة دي كانت واحدة من الشركات اللي بتتعامل مع مستشفيات خاصة.
قلت
إنتِ جبتي الصورة دي منين؟
من درج داليا.
وإيه اللي خلاكي تصوريها؟
قالت
لأن قبلها بيوم سمعتها بتتكلم في التليفون.
قالت إيه؟
كريمة قربت مني وهمست
قالت إن الورق القديم لازم يختفي قبل كتب الكتاب.
حسيت إن نفسي اتقطع.
ورق إيه؟
معرفش.
ثم أضافت
لكن بعدها بيومين، شفت داليا خارجة من غرفة مكتب حضرتك وهي شايلة ملف بني.
قمت من الكرسي.
ملف بني؟
أيوه.
كان فيه إيه؟
معرفش.
فتحت درج مكتبي.
الملف مش موجود.
قلبي بدأ يدق أسرع.
لأني افتكرت إن فيه ملف واحد كنت محتفظ بيه بنفسي
ملف وفاة هند.
دورت في الأدراج.
مش موجود.
فتحت الخزنة.
مكانه فاضي.
بصيت لكريمة.
الملف اختفى.
وقبل ما تكمل، سمعنا صوت ارتطام قوي بره المكتب.
خرجنا بسرعة.
كان الباب الخارجي مفتوح.
وداليا مش موجودة.
لكن على الأرض قدام أوضة الولدين
كانت فيه ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب عليها
لو فتحت ملف هند هتعرف ليه هي ماتت، ومين كان السبب.
رفعت عيني لكريمة.
لكنها كانت بتبص ناحية السلم.
وقالت بصوت مرتجف
حضرتك
إيه؟
داليا مش هربت.
أمال راحت فين؟
أشارت للسلم.
راحت لأوضة الولدين داليا كانت واقفة على السلم، ماسكة تقرير وفاة هند بإيد، وبالإيد التانية بتشد على الدرابزين.
قلت لها
إنتِ كنتِ بتدوري على الملف ده؟
قالت بهدوء غريب
وإنتَ كنتَ بتدور عليه ليه؟
طلعت من الغرفة وأنا ماسك الملف البني.
عشان أعرف الحقيقة.
ضحكت ضحكة قصيرة.
الحقيقة؟ بعد سنة كاملة افتكرت تدور على الحقيقة؟
وقفت قدامها.
هند كانت خايفة منك قبل ما تموت.
لأول مرة، وش داليا فقد لونه.
لكنها تماسكت بسرعة.
مين قالك الكلام ده؟
هند نفسها.
رفعت تقرير الوفاة قدامها.
والتقرير ده مش النسخة اللي عندي.
سكتت.
كريمة كانت واقفة خلفي، ولما شافت الورقة في إيد داليا قالت
هو ده نفس التقرير اللي شوفته يومها.
لفيت لها.
إنتِ شوفتيه؟
قالت
أيوه في المستشفى.
داليا نزلت السلم ببطء.
كريمة، إنتِ ما كنتيش موجودة يوم وفاة هند.
ردت كريمة
أنا ما قلتش إني كنت موجودة يوم وفاتها.
سكتت داليا.
كريمة كملت
أنا كنت هناك قبلها بأسبوع.
بصيت لكريمة.
قبلها
هزت رأسها.
كنت بشتغل وقتها في قسم التنظيف بالمستشفى.
داليا قربت منها.
وإنتِ عايزة توصلي لإيه؟
كريمة قالت
شفت هند وهي بتتخانق مع حد.
مين؟
كريمة بصت لداليا.
الدكتور اللي كتب التقرير.
الصمت نزل على المكان.
أنا بصيت للتقرير.
يعني الدكتور كان يعرف داليا؟
كريمة قالت
مش بس يعرفها.
وقبل ما تكمل، رن موبايل داليا.
بصت للشاشة.
وبمجرد ما شافت الرقم، وشها اتغير.
قالت
لازم أرد.
مديت إيدي
هاتي.
شدت الموبايل بعيد.
دي مكالمة شغل.
قلت
إحنا في بيتنا، والوقت ده مفيش شغل.
رن الموبايل مرة تانية.
لكن المرة دي ظهر اسم المتصل.
د. سامح
بصيت للاسم.
نفس الحروف اللي كانت مكتوبة على زجاجة النقط.
داليا قفلت المكالمة فورًا.
قلت
مين سامح؟
دكتور أعرفه.
من إمتى؟
من زمان.
وكان موجود في المستشفى يوم وفاة هند؟
سكتت.
ودي كانت الإجابة.
كريمة قالت فجأة
حضرتك لازم تشوف حاجة.
طلعت موبايلها وفتحت تسجيل فيديو قصير.
ظهر فيه مدخل مستشفى.
والوقت كان قبل وفاة هند بأيام.
داليا ظهرت في الفيديو.
كانت بتتكلم مع الدكتور سامح.
لكن قبل ما نسمع كلامهم، الفيديو توقف.
كريمة قالت
أنا ما قدرتش أصور أكتر.
ليه؟
عشان حد شافني.
سألتها
مين؟
بصت ناحية داليا.
هي.
داليا صرخت
كفاية!
واتجهت ناحية كريمة.
لكنني وقفت بينهم.
محدش هيلمسها.
داليا بصتلي للحظات.
وبعدين قالت
لو عايز تعرف الحقيقة فعلًا اسأل أبو هند.
اتجمدت.
أبو هند؟
أيوه.
هو يعرف إيه؟
ابتسمت ابتسامة غامضة.
يعرف ليه هند كانت عايزة تسيبك قبل ما تموت.
اتصدمت.
لأن هند عمرها ما قالتلي إنها كانت ناوية تسيبني.
وبينما كنت بحاول أفهم، وصلني إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة قديمة لهند وهي في المستشفى.
وتحتها جملة واحدة
ما تصدقش داليا هند ما ماتتش بسبب الولادة وقفت أحدّق في الرسالة، وبعدين رفعت عيني لداليا.
مين بعتلي الصورة دي؟
قالت بسرعة
معرفش.
متأكدة؟
أيوه.
حطيت الموبايل قدامها.
الرسالة بتقول إن هند ما ماتتش بسبب الولادة.
وشها اتشد.
إنت هتصدق رقم مجهول؟
مش رقم مجهول بس هو بعتلي صورة من المستشفى.
كريمة قالت فجأة
وريني الصورة.
مديت لها الموبايل.
أول ما شافتها، وشها اتغير.
أنا شفت المكان ده قبل كده.
فين؟
في الدور اللي كانت فيه هند.
سألتها
إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
أيوه بس الصورة دي فيها حاجة غريبة.
قربت الصورة من عيني.
إيه؟
أشارت لزاوية صغيرة في الصورة.
الساعة اللي على الحائط.
بصيت.
كانت الساعة بتشير إلى 217.
كريمة قالت
تقرير الوفاة بيقول إن هند دخلت في مضاعفات الساعة 430.
سكت.
راجعت التقرير.
فعلاً
الوقت مختلف.
قلت
يبقى حد غيّر التوقيت.
داليا اتدخلت بسرعة
أو التقرير فيه خطأ.
بصيت لها.
خطأ في أهم تقرير في وفاة مراتي؟
ما ردتش.
وفجأة رن موبايل كريمة.
بصت للشاشة، وبعدها قالت
الرقم ده اتصل بيا قبل
مين؟
معرفش.
ردت.
في البداية ما قالتش حاجة.
وبعدين وشها شحب.
قالت
حاضر.
قفلت.
سألتها
مين؟
قالت بصوت منخفض
قال لي لو عايزة الولدين يفضلوا بخير، خلي أبوهم يروح للمستشفى القديم لوحده.
داليا اتراجعت خطوة.
أنا لاحظت.
إنتِ تعرفي حاجة عن المستشفى القديم؟
قالت
لأ.
ليه خفتي؟
أنا ما خفتش.
لكن صوتها كان بيرتعش.
مسكت الملف البني.
أنا رايح المستشفى.
كريمة قالت
لوحدك؟
أيوه.
وقبل ما أتحرك، سمعنا صوت بكاء آسر من فوق.
جرينا ناحية الأوضة.
لقيته صاحي وبيعيط، وآدم واقف في سريره وبيحاول يشاور ناحية الخزانة.
فتحتها.
مفيش حاجة.
لكن لما قربت منه، لقيته ماسك قطعة قماش صغيرة.
قطعة قماش عليها ريحة عطر.
عرفت العطر فورًا.
كان عطر هند.
حطيت القماش على أنفي.
وفجأة افتكرت حاجة حصلت ليلة وفاة هند.
الممرضة وقتها قالت لي إن هند كانت ماسكة قطعة قماش صغيرة قبل ما تدخل غرفة العمليات.
لكنها اختفت بعدها.
بصيت لداليا.
كانت واقفة عند الباب.
وشها كان جامد.
قلت
القماش ده كان مع هند يوم وفاتها؟
داليا ما ردتش.
كريمة قالت
حضرتك بص جوه القماش.
فردته.
كان فيه شيء صغير مخيط داخله.
قصيت الخيط.
وسقطت شريحة ذاكرة صغيرة على كف إيدي.
نظرت لكريمة.
ثم نظرت لداليا.
داليا فجأة قالت
ماتفتحهاش.
سألتها
ليه؟
قالت وهي بتتراجع
عشان ممكن تندم على اللي هتسمعه.
حطيت الشريحة في إيدي.
وفي اللحظة دي
وصلتني رسالة جديدة من نفس الرقم
اسمع التسجيل قبل ما تروح المستشفى لأن الشخص اللي هتقابله هناك مش هيقولك الحقيقة خرجت من البيت وأنا حاسس إن كل خطوة ناحية المستشفى القديم ممكن تغيّر حياتي للأبد.
لكن قبل ما أركب العربية، رجعت أبص على التوأم.
كانوا نايمين جنب بعض، ولأول مرة من شهور، مفيش صراخ ولا توتر.
وقفت عند باب أوضتهم، وافتكرت كلام كريمة
هما مش بيكرهوا أبوهم هما بس حاسين إنه دايمًا خايف منهم.
قربت منهم ولمست شعر آدم.
وفجأة آدم فتح عينه.
بصلي ثواني، ومد إيده الصغيرة ناحيتي.
مسكت إيده، وفي اللحظة دي موبايلِي اهتز.
رسالة جديدة من الرقم المجهول
لو دخلت المستشفى لوحدك، متقولش اسم هند قدام حد.
اتجمدت مكاني.
يعني الشخص اللي بيراقبني عارف إني رايح هناك.
بعتله
إنت مين؟
الرد جه بعد ثواني
أنا الشخص اللي حاول يحذر هند قبل ما يفوت الأوان.
حسيت بقلبي بيخبط.
كتبت بسرعة
هند ماتت إزاي؟
ظهرت كلمة يكتب واختفت.
وبعدين وصلت رسالة واحدة
مش زي ما قالولك.
قفلت الموبايل وخرجت.
المستشفى القديم كان شبه مهجور.
الممرات ضلمة، وريحتها كانت خليط بين المطهر والرطوبة.
دخلت من الباب الجانبي، ولقيت راجل كبير قاعد في الاستقبال.
بصلي، وبعد لحظة قال
إنت ابن هند؟
قلت
جوزها.
وشه اتغير.
قام ببطء وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
سألته
مين حضرتك؟
قال
كنت مسؤول الأرشيف هنا وقت ولادة هند.
ثم قرب مني وقال بصوت واطي
بس لو
حسيت الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت
يعني إيه؟
فتح درج قديم وطلع ملف بني.
حطه قدامي.
على الغلاف كان مكتوب
هند عبد الرحمن حالة رقم 417
فتحت الملف.
أول ورقة كانت تقرير الولادة.
والتاريخ
كان قبل التاريخ الموجود في التقرير اللي عندي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.
كان فيه توقيع الطبيب.
نفس اسم الطبيب اللي ظهر في تسجيل كريمة
د. سامح.
رفعت عيني للرجل.
قلت
هو اللي كتب التقريرين؟
هز راسه.
أيوه.
سألته
طب ليه فيه تقريرين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.
الرجل اتوتر فجأة.
قفل الملف وقال
متتحركش.
الصوت قرب.
خطوات بطيئة
وبعدين ظهر ظل شخص عند نهاية الممر.
الرجل همس
محدش كان المفروض يعرف إن الملف ده لسه موجود.
بصيت للظل.
وفجأة الشخص رفع إيده
وكان ماسك نفس نوع زجاجة الدوا اللي شفتها في تسجيل داليا.
تراجعت خطوة.
لكن الرجل شدني بسرعة ناحية غرفة الأرشيف وقال
لو شافك هنضيع الدليل.
قفل الباب علينا.
وبعد ثواني
سمعنا المقبض بيتحرك.
مرة
واتنين
وبعدين صوت داليا من برّه
أنا عارفة إنك هنا.
سكتُّ تمامًا.
بصيت للرجل، وهو كان شاحب كأنه شاف شبح.
همست
إزاي عرفت إني هنا؟
بصلي في عيني وقال
لأن اللي بيبعتلك الرسائل مش هو اللي فاكر.
وقبل ما أستوعب كلامه، طلع موبايله القديم من جيبه، وفتح صورة محفوظة عليه.
صورة لهند وهي في المستشفى.
لكن بجانب سريرها كان واقف شخص آخر.
شخص أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت واثق إنه ماكانش موجود في المستشفى يوم ولادتها.
ولما شفت وشه
اتنفست بصعوبة.
لأن الشخص اللي واقف جنب هند في الصورة
كان أبويا فضلت باصص للصورة كأني مستني ملامح أبويا تتغير وتقول إن فيه خطأ.
لكن مفيش خطأ.
هو فعلًا كان واقف جنب سرير هند.
قلت للرجل
أبويا كان هنا إمتى؟
رد وهو بيبص للباب
قبل وفاتها بساعات.
بس أنا كنت فاكر إنه ماجاش المستشفى أصلًا!
دي المشكلة إن في حاجات كتير اتقالتلك عشان تفضل فاكرها بالشكل ده.
قبل ما أسأله، سمعنا صوت خطوات برا غرفة الأرشيف.
وبعدين صوت داليا
أنا عارفة إنك جوا.
اتسعت عيني.
الرجل قرب من ودني وقال
اسمعني كويس أبوك مش الشخص الوحيد اللي كان عارف الحقيقة.
قلت
مين كمان؟
مد إيده تحت المكتب وطلع ظرف قديم.
هند سلمتني ده قبل وفاتها.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه ورقة مكتوب عليها بخط هند
لو حصل لي حاجة، متسلمش الورقة دي لجوزي إلا لما تتأكد إن داليا مش موجودة حواليه.
اتخنقت.
هند كانت عارفة إن داليا خطر؟
قلبت الورقة.
كان فيه سطر تاني
والشخص اللي لازم تسأله أول واحد هو والد زوجي.
وقتها سمعت صوت خبط قوي على الباب.
داليا صرخت
افتح الباب!
الرجل أشار لي ناحية باب خلفي صغير.
اخرج من هنا وخد الورقة معاك.
قلت
وإنت؟
ابتسم ابتسامة غريبة.
أنا مستني اللحظة دي من سنين.
خرجت من الباب الخلفي، وجريت ناحية العربية.
لكن قبل ما أركب، موبايلِي رن.
كان أبويا.
رديت وأنا بحاول أسيطر على صوتي
إنت كنت في المستشفى يوم وفاة هند؟
سكت.
صمته كان أطول من أي إجابة.
وبعدين قال
مين قالك؟
اتجمدت.
قلت
يعني كنت هناك؟
رد بصوت منخفض
ارجع البيت فورًا ومتقولش لداليا إنك عرفت.
قفلت المكالمة.
ولأول مرة، فهمت إن المسألة مش مجرد سر عن وفاة هند.
فيه سر كان أبويا وداليا والدكتور سامح وكل واحد فيهم بيحاول يخبيه عني.
ولما وصلت