ابني عنده عشر سنين

لمحة نيوز

 

بعد عشر دقايق، وصلت للعربية.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الباب.

لقيت ظرف بني.

جواه فلاشة USB ومفتاح صغير وصورة قديمة ليا أنا وكريم وآدم.

وتحت الصورة ورقة مكتوب عليها:

"لو وصلتِ هنا، يبقى أنا ماقدرتش أهرب لوحدي."

فتحت الفلاشة على موبايلي.

ظهر فيديو.

كريم كان قدامي.

نفسه.

نفس صوته.

لكن كان شكله مرهق جدًا.

وقال:

— لو إنتِ بتتفرجي على الفيديو ده، يبقى لازم تعرفي الحقيقة.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— المركب اللي لقوها مش مركبي.

اتسمرت مكاني.

— أنا خرجت يومها فعلًا، لكن قبل ما أوصل للبحر، اتعرضت لحادث. لما فقت، كنت في مكان غريب. اتقال لي إن اسمي سامح، وإن أنا كنت شغال معاهم من سنين.

وقف الفيديو لحظة، ثم عاد.

— في البداية افتكرت إني فقدت الذاكرة. لكن بعد أسابيع بدأت أفتكر حاجات صغيرة… صوتك، ريحة بيتنا، ضحكة آدم.

دموعي نزلت.

— حاولت أهرب.

كمل:

— وكل مرة كنت بفشل.

وبعدين ظهرت على الشاشة صورة لرجل.

الرجل اللي شوفته في المطار.

كان نفس الشخص اللي كانت الصحف وقت اختفاء كريم بتتكلم عنه.

رجل أعمال معروف كان وقتها تحت التحقيق في قضية تهريب أموال.

اتضح إن كريم اكتشف بالصدفة شبكة بتستخدم مراكب الصيد لنقل حاجات ممنوعة، وإنه قبل اختفائه بيوم كان ناوي يبلغ عنها.

لكن الشبكة سبقته.

كريم قال:

— أنا ما رجعتش البيت عشان كنت جبان.

سكت.

— رجعتش عشان كانوا بيراقبوك.

ثم ظهرت جملة على الشاشة:

"أنا كنت بحميكم بالطريقة الوحيدة اللي قدرت عليها."

لكن الفيديو ما انتهتش هنا.

كريم قرب من الكاميرا وقال:

— في شخص واحد ساعدني.

ظهرت صورة الست اللي كانت معاه.

الست اللي افتكرتها مراته.

كريم قال:

— دي مش مراتي. دي محامية كانت بتساعدني أهرب. والاسم اللي بتناديني بيه مش اسمي. كان لازم أفضل عايش باسم سامح.

ثم أضاف:

— لكن اللي أخطر من كل ده… إن الشخص اللي سلّمني ليهم من البداية كان حد قريب جدًا مننا.

الفيديو انتهى.

فضلت أبص للشاشة.

مين؟

مين كان قريب مننا؟

رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر.

فتحت درج قديم كنت حاطة فيه أوراق كريم.

لقيت دفتر صغير عمره تلات سنين.

كان كريم دايمًا بيكتب فيه أرقام ومواعيد.

قلبت الصفحات.

وفي آخر صفحة لقيت اسم.

اسم أخويا.

تجمدت.

تاني يوم الصبح، رن موبايلي.

رقم مجهول.

رديت.

سمعت صوت كريم:

— ماتثقيش في أخوكي.

قلت بسرعة:

— إنت فين؟

— مش مهم.

— مهم بالنسبة لي!

سكت شوية وقال:

— هو اللي بلغهم بمكاني يومها.

ما صدقتش.

أخويا؟

أخويا اللي وقف جنبي بعد اختفاء كريم؟

أخويا اللي كان كل يوم تقريبًا ييجي يطمن عليا وعلى آدم؟

قلت:

— مستحيل.

قال:

— أنا كنت فاكر إنك أكتر واحدة هتفهمي ده.

وفجأة سمعت صوت خبطة.

وبعدين الخط اتقطع.

قلبي وقع.

رجعت للبيت بسرعة.

لكن أول ما دخلت، لقيت الباب مفتوح.

والشقة مقلوبة.

الأدراج

متفتحة.

الملفات على الأرض.

وآدم مش موجود.

صرخت:

— آدم!

مافيش رد.

وبعدين لقيت ورقة فوق سريره.

"لو عايزة ابنك يرجع، هاتي الفلاشة."

كنت متأكدة إنهم هياخدوا الفلاشة.

لكنهم ماكانوش يعرفوا إني كنت عملت نسخة منها.

أخدت النسخة وحطيتها في مكان آمن، وخدت الأصل وروحت للمكان اللي مكتوب في الورقة.

مخزن قديم على أطراف المدينة.

دخلت.

لقيت أخويا واقف.

وآدم مربوط على كرسي، لكنه سليم.

أخويا بصلي وقال:

— كنت أتمنى ما توصليش لهنا.

قلت:

— إنت اللي عملت كده؟

هز راسه.

— أنا ماكنتش عايز أموت.

— وبعت جوز أختك للموت؟

— أنا ماكنتش أعرف إنهم هيقتلواه.

صرخت:

— بس هو اختفى تلات سنين!

قال:

— ولما عرفت إنه عايش… ساعدته.

بصيتله بصدمة.

— ساعدته؟

ابتسم ابتسامة حزينة:

— أيوه. أنا اللي كنت ببعت له أخباركم.

وفجأة سمعت صوت تصفيق من الخلف.

كريم ظهر.

كان واقف عند باب المخزن.

ومعه اتنين من رجال الشرطة.

أخويا اتجمد.

كريم قال:

— انتهت.

طلع الظرف من جيبه.

— كل المكالمات متسجلة.

وبص لأخويا:

— وأسماء الناس اللي شغلوك موجودة هنا.

أخويا انهار.

بدأ يعترف.

اعترف إن العصابة أجبرته يتعامل معاهم، وإنه كان خايف، لكنه في النهاية قرر يساعد كريم من جوه الشبكة.

أما الرجل اللي خطف كريم، فتم القبض عليه بعد ما الشرطة استخدمت التسجيلات والمعلومات الموجودة على الفلاشة.

بعد شهور من التحقيقات،

اتقفلت القضية.

وكريم رسميًا رجع للحياة.

لكن الرجوع للبيت ماكانش سهل.

أول ليلة، آدم فضل واقف قدام باب أوضة أبوه.

قال:

— بابا؟

كريم فتح الباب.

آدم جري عليه.

حضنه بكل قوته.

كريم قعد على الأرض وهو بيعيط.

وأنا وقفت بعيد.

كنت ببص عليهم ومش مصدقة.

بعد تلات سنين من الانتظار…

بيتنا رجع فيه صوت كريم.

رجعت هدومه للدولاب.

رجعت قهوته الصبح.

ورجع آدم ينام وهو مطمن إن باباه موجود.

أما أنا…

فكنت محتاجة وقت.

لأن أحيانًا الإنسان بيقضي سنين كاملة وهو بيحاول يتقبل إن شخص مات…

ولما يرجع، يكتشف إن عليه يتعلم يحبه من جديد.

بعد سنة، كنا قاعدين كلنا على البحر.

آدم كان بيجري قدامنا.

كريم بصلي وقال:

— لسه بتبصي على إيدي؟

ضحكت.

— أيوه.

رفع إيده.

— الندبة دي أنقذتني.

هزيت راسي:

— لأ.

بصلي باستغراب.

قلت:

— ابني هو اللي أنقذك.

بص لآدم.

وبعدين رجع بصلي.

ابتسم وقال:

— لأ… إنتِ اللي ما استسلمتيش.

مسكت إيده.

ولأول مرة من تلات سنين، ماكانش فيه سؤال معلّق في دماغي.

كريم كان حي.

رجع لابنه.

ورجع لبيته.

والناس اللي حاولت تمحيه من حياتنا اتحاسبوا.

أما أخويا، فبعد اعترافه وتعاونه مع التحقيق، اتحكم عليه، لكنه فضل يبعثلي جواب كل شهر. ما سامحتوش بسهولة، لكني في النهاية فهمت إن الخوف ممكن يحوّل الإنسان لشخص مايعرفوش حتى نفسه.

وقبل ما نرجع البيت، آدم وقف قدام أبوه وقال:

بابا… المرة الجاية لو هتروح تصطاد، خدني معاك.

كريم ضحك وقال:

— حاضر.

بصيتله بسرعة:

— لأ، مفيش صيد تاني في حياتنا!

ضحكنا إحنا الاتنين.

وآدم فضل يضحك علينا.

ومن يومها، كل ما أشوف الندبة القديمة على إيد كريم، ما بقيتش أشوف فيها ذكرى اختفائه.

بقيت أشوف فيها الدليل الوحيد…

إن بعض الناس ممكن يختفوا من قدام عينينا سنين،

لكن لو الحب فضل مستنيهم…

ممكن يرجعوا من آخر الدنيا.

تم نسخ الرابط