ابني عنده عشر سنين

لمحة نيوز

ابني عنده 10 سنين رجع من حمّام الطيارة، وقرب مني وقاللي بصوت واطي:

— ماما… بابا قاعد قدّام شوية.

بصيتله باستغراب وقلتله:

— مستحيل يا حبيبي… باباك بقاله 3 سنين مختفي.

لكن بعدها لمحت إيد الراجل اللي قاعد قدّامنا… وشفت الندبة اللي على رسغه.

نفس الندبة بالظبط.

وبعدين شوفته بيفرك بإصبعه عند قاعدة البنصر، بالطريقة اللي جوزي كان بيعملها بالظبط لما يكون متوتر أو سرحان.

قلبي وقف مكانه.

فضلت وراه وأنا نازلة من الطيارة من غير ما أقول كلمة… لحد ما ست تانية نادته باسم مختلف تمامًا.

الراجل وقف، ورد عليها بمنتهى الطبيعية، كأن الاسم ده هو اسمه من سنين.

فضل ماشي جوه صالة المطار، وأنا ماسكة إيد ابني "آدم"، وبحاول أقنع نفسي إن الندبة ممكن تكون مجرد صدفة… وإن حركة إيده ممكن تكون عادة عند أي حد.

بس آدم ماكانش بيشيل عينه من عليه.

شد إيدي وقاللي بهمس:

— أنا قلتلك يا ماما… ده بابا.

تلات سنين فاتوا من يوم ما جوزي، "كريم"، خرج في رحلة صيد ناحية رأس البر.

الجو اتقلب فجأة، والموج علي، وبعد ساعات لقوا مركبه عايمة لوحدها.

لكن كريم… ماكانش فيها.

جاكتته كانت لسه موجودة.

وموبايله اتلاقى بعدها.

فرق الإنقاذ فضلت تدور عليه أيام في البحر، ولفّوا المنطقة كلها، لكن ماطلعش أي أثر يفسّر حصل له إيه.

وبعد ما البحث انتهى، وصلتني الورق اللي عمري ما كنت أتمنى أمضي عليه.

في الورق… بقيت أرملة.

لكن جوايا، عمر ما كان فيه وداع.

أما آدم، فالموضوع كان

أصعب بكتير.

لشهور طويلة، كان كل ما يسمع صوت عربية قدام البيت يجري ناحية الباب، وهو فاكر إن باباه رجع.

كان ساعات يصحى من النوم مفزوع، ويقول إنه سمع صوت أبوه تحت.

وحتى بعد ما عدّت سنين، كان بيقف فجأة قدام أي راجل غريب لو طوله شبه طول كريم، أو صوته قريب منه، أو حتى مشيته فيها نفس الحركة.

وعشان كده، أول ما قاللي في الطيارة إنه شاف باباه، أول حاجة فكرت فيها إني أحميه من صدمة جديدة.

قلتله بهدوء:

— حبيبي، أنا عارفة إنك وحشاك بابا أوي… بس ساعات لما بنبقى عايزين نشوف حد أوي، بنحس إن أي حد شبهه هو هو.

آدم هز راسه وقال:

— مش شكله بس يا ماما.

في اللحظة دي، الراجل حرّك إيده، وكمّ قميصه اترفع شوية.

ظهرت الندبة.

ندبة صغيرة قديمة… في نفس المكان بالظبط اللي كان فيه جرح كريم من سنين.

حاولت أقنع نفسي إنها صدفة.

لحد ما رفع إيده التانية…

وفرك قاعدة إصبع البنصر.

مرة.

وبعدين مرة تانية.

نفس الحركة.

نفس الطريقة.

نفس العادة اللي كنت بشوف كريم بيعملها كل ما يكون متوتر أو بيفكر في حاجة ومش عايز يتكلم.

عادة بسيطة جدًا، لدرجة إني كنت متأكدة إن محدش غيري تقريبًا كان واخد باله منها.

لكن آدم كان واخد باله.

طول الرحلة من القاهرة للإسكندرية، ماواجهتش الراجل.

ماكلمتوش حتى.

كنت بس براقبه من بعيد.

لحد ما الطيارة وصلت، والناس بدأت تنزل.

شوفته لمّ حاجته، مسك شنطته، وخرج ناحية بوابة الوصول.

أنا وآدم نزلنا وراه.

وكنت لحد اللحظة دي مش عارفة

لو وقفت قدامه… هقول له إيه؟

"إنت كريم؟"

ولو قال لأ؟

ولو آدم اتعلّق بأمل جديد واتكسر قدامي للمرة التانية؟

مشيت وراه من بعيد، وأنا لسه غرقانة في أفكاري.

وفجأة، أول ما عدّى من بوابة الوصول، ست جريت عليه وهي بتبتسم براحة واضحة، كأنها كانت مستنياه من زمان.

وقفت قدامه ونادته باسم.

اسم مش "كريم".

اسم تاني خالص.

الراجل وقف وبصلها.

وبكل تلقائية… رد عليها.

ساعتها حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.

بصيت على إيده.

على الندبة.

على صباعه.

وبعدين بصيت على ضهره وهو بيبعد عنها.

آدم ضغط على إيدي جامد.

وبعدين فجأة…

ساب إيدي.

وقبل ما ألحق أمسكه، جري ناحية الراجل.

وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتنفس، وسمعته بينادي بأعلى صوته:

بابا!

الراجل وقف.

وببطء شديد…

لفّ وشه ناحيته.

الراجل وقف مكانه.

ما اتحركش.

ولا حتى رمش.

لكن أول ما عينه وقعت على آدم، وشه اتغيّر بشكل خوّفني.

مش وش واحد اتفاجئ بطفل بيناديه "بابا"…

ده كان وش واحد شاف شبحًا من ماضيه.

آدم قرب منه أكتر، وعينه مليانة دموع:

— بابا… أنا عارفك.

الراجل بلع ريقه، وبص حواليه بسرعة.

الست اللي كانت مستنياه قربت منه وقالت باستغراب:

— مالك يا "سامح"؟

سامح.

ده الاسم اللي كانت بتناديه بيه.

الراجل بص لآدم تاني، وقال بصوت متوتر:

— إنت مين؟

آدم اتصدم.

رجع خطوة لورا.

وبصلي.

لكن قبل ما أقدر أوصل له، الراجل مسك دراعه فجأة وقال:

— تعالى معايا.

صرخت:

— سيب ابني!

الناس

بدأت تبص علينا، والست قربت مني وهي متعصبة:

— إنتِ مين أصلًا؟ وإزاي ابنك ينادي جوزي بابا؟

جوزها؟

الجملة نزلت عليّ زي الصاعقة.

بصيت للراجل.

كان لسه ماسك إيد آدم، لكن عينه كانت بتتهرب مني.

قلتله:

— بص في عيني.

ما ردش.

قربت خطوة وقلت:

— لو إنت مش كريم… بصلي في عيني وقولها.

رفع عينه أخيرًا.

وأنا أول ما شوفته…

عرفته.

مش عشان الندبة.

ولا عشان حركة إيده.

عرفته من النظرة.

نظرة جوزي اللي كنت عشت معاها سنين.

قلت وأنا صوتي بيرتعش:

— كريم؟

الراجل وشه ابيض.

الست اللي جنبه قالت:

— إنتِ بتقولي إيه؟

وفجأة كريم همس:

— اطلعي من هنا.

اتجمدت.

— إيه؟

كررها من بين سنانه:

— خدي ابنك وامشي… دلوقتي.

آدم انفجر في العياط:

— بابا!

كريم قفل عينه للحظة.

ولأول مرة شفت دمعة نزلت من عينه.

وبعدين بصلي وقال:

— أنا مش قادر أشرح هنا.

قبل ما أتكلم، ظهر راجلين لابسين هدوم عادية عند آخر الصالة.

كريم لمحهم.

وشه اتغير.

مسك إيد الست اللي معاه وقال بسرعة:

— لازم نمشي.

لكن أنا فهمت حاجة واحدة.

هو مش خايف مني.

هو خايف من حد تاني.

مسكت دراعه:

— إنت عايش.

بصلي وقال:

— للأسف… آه.

الكلمة دي هزتني.

— للأسف؟

ما ردش.

واحد من الراجلين بدأ يقرب.

كريم قرب مني بسرعة وقال:

— اسمعيني كويس. لو عايزة ابنك يفضل عايش، ما تسأليش أي سؤال هنا.

اتخضيت.

— إنت بتقول إيه؟!

— بعد عشر دقايق، روحي على موقف العربيات القديم اللي جنب المحطة. العربية

رقم 27. هتلاقي ظرف تحت الكرسي الخلفي.

— كريم…

— لو ماجتيش لوحدك، كل اللي حصل من تلات سنين هيتكرر.

وسابني.

فضلت واقفة مش عارفة أعمل إيه.

لكن آدم كان بيبصلي وهو بيعيط:

— ماما… بابا كان خايف.

أيوه.

أنا كمان شوفته.

ولأول مرة من تلات سنين، ما بقيتش خايفة من فكرة إن جوزي مات.

بقيت خايفة من فكرة إنه كان عايش.

 

تم نسخ الرابط