شاب عراقي اشترى 90 عجلًا مريضًا وسخر منه الجميع… وبعد أشهر وقف كبار مربي المواشي على بابه يطلبون مساعدته!
قلب يوسف الصفحة التالية ببطء، وبدأ يقرأ ما كتبه جده الأكبر قبل عقود طويلة.
كانت الكلمات مكتوبة بخط قديم، وبعضها بدأ يبهت مع مرور السنوات، لكن الملاحظات نفسها كانت واضحة ودقيقة بشكل أثار دهشته.
لم تكن تلك الدفاتر مجرد ذكريات لرجل عاش في المزرعة قبل عشرات السنين.
كانت أشبه بسجل كامل للأرض.
أماكن المياه.
طبيعة التربة.
المناطق التي تصلح للزراعة.
الأشجار التي كانت تنمو بصورة أفضل من غيرها.
وحتى الملاحظات المتعلقة بتربية المواشي والأعلاف التي كانت متوافرة في المنطقة قديمًا.
ظل يوسف يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى.
ثم توقف عند ملاحظة كتبها جده الأكبر تحت عنوان صغير
موارد المزرعة التي لا ينتبه إليها أحد.
اقترب يوسف من الصفحة وبدأ يقرأ بتركيز.
كان جده يتحدث عن الاستفادة من مخلفات النخيل وبعض المحاصيل الزراعية المتوافرة في المزرعة بدل الاعتماد الكامل على الأعلاف التي يتم شراؤها من الخارج.
وكتب عن نوى التمر الذي يمكن، بعد تجفيفه وطحنه وتجهيزه بطريقة مناسبة، أن يدخل ضمن تركيبات علفية محسوبة، إلى جانب مواد علفية أخرى متوافرة في المنطقة.
لم تكن المسألة خلطة سحرية.
ولم يكن جده يدّعي ذلك أصلًا.
كانت الفكرة أبسط بكثير
لا تشترِ كل ما تحتاج إليه إذا كانت أرضك تستطيع أن توفر جزءًا منه.
أغلق يوسف الكراسة للحظة.
ثم رفع رأسه ونظر من النافذة القديمة.
أمام البيت امتدت أرض مزرعة النخيل على مساحة تقارب 150
طوال سنوات، كانت العائلة تنظر إليها باعتبارها أرضًا مهملة لا يمكن أن تحقق دخلًا حقيقيًا.
لكن يوسف بدأ يراها بطريقة مختلفة.
هناك أشجار نخيل.
ومخلفات زراعية.
ومساحات يمكن استصلاح أجزاء منها تدريجيًا.
وهناك أيضًا خبرة مكتوبة تركها رجل عاش فوق هذه الأرض وفهم طبيعتها قبل أن يولد يوسف بعقود.
نهض يوسف بسرعة وأخذ الكراسات معه إلى الأسفل.
كانت الحاجة زينب جالسة في المطبخ عندما دخل عليها.
وضعت كوب الشاي جانبًا ونظرت إليه.
قال يوسف
كنتِ تعرفين ما فيها؟
ابتسمت الحاجة زينب ابتسامة صغيرة.
كنت أعرف أن جدك كان يكتب كل شيء.
ولماذا لم يستخدم أحد هذه الكراسات طوال هذه السنوات؟
تنهدت.
لأن الناس بعده اعتقدوا أنهم أصبحوا يعرفون أكثر منه.
نظر يوسف إلى الكراسات.
ثم قال
لكنه كان يعرف هذه الأرض أكثر منا جميعًا.
أجابته
لهذا قلت لك أن تبحث عنها.
في صباح اليوم التالي، بدأ يوسف مرحلة جديدة.
لم يندفع لتطبيق كل ما قرأه بصورة عشوائية.
كان قد تعلم من الدكتور كريم الشمري أن تغذية المواشي ليست مجالًا للتجارب غير المحسوبة.
لذلك أخذ ملاحظات جده، وبدأ يقارن بينها وبين ما تعلمه خلال السنوات التي عمل فيها إلى جانب الطبيب البيطري.
جمع عينات من المواد المتوافرة في المزرعة.
وبدأ يبحث عن الطريقة المناسبة للاستفادة منها.
كان نوى التمر واحدًا من أهم الأشياء التي لفتت انتباهه.
ففي المنطقة كانت كميات منه تُهمل بعد انتهاء
استعار يوسف طاحونة قديمة من أحد أقاربه.
وبدأ يجمع ما يستطيع الاستفادة منه من مخلفات المزرعة.
لم يكن الأمر سهلًا.
فالطاحونة كانت تتعطل باستمرار.
وكان عليه أن ينظف المواد ويجففها ويجهزها قبل استخدامها.
ثم بدأ بإدخال الخليط الجديد تدريجيًا ضمن غذاء العجول، مع توفير المياه النظيفة ومتابعة حالتها يومًا بعد يوم.
في البداية، كانت بعض العجول مترددة في تناول الطعام الجديد.
لكن بعد عدة أيام، بدأت تتقبله.
مر أسبوع.
ثم أسبوع آخر.
ويوسف يسجل كل شيء في كراسته.
كمية الطعام.
الوزن.
الحركة.
الحالة العامة.
وأي تغير يلاحظه.
كان يفعل تمامًا ما تعلمه من الدكتور كريم الشمري
لا تعتمد على الانطباع سجّل الأرقام.
وبمرور الأسابيع، بدأت النتائج تظهر.
العجول التي كانت قبل أشهر بالكاد تستطيع الوقوف أصبحت تتحرك في الحظيرة بنشاط أكبر.
شهيتها تحسنت.
وأوزانها بدأت ترتفع تدريجيًا.
أما شعرها الذي كان باهتًا ومتسخًا، فقد بدأ يستعيد مظهره الطبيعي مع تحسن حالتها الصحية والتغذوية.
وكان أكثر ما أسعد يوسف أن تكلفة إطعام القطيع أصبحت أقل مما كان يتوقع.
لم يعد مضطرًا إلى شراء كل احتياجاته من العلف التجاري.
أصبح يستخدم ما تنتجه المزرعة وما يتوافر حولها، ثم يشتري فقط ما يحتاج إليه لاستكمال العليقة بصورة متوازنة.
وبدأ الناس يلاحظون.
كل من يمر بالقرب من مزرعة النخيل كان يتوقف للحظات وينظر إلى العجول.
هل هذه فعلًا الحيوانات نفسها التي اشتراها يوسف وهي مريضة وهزيلة؟
ذات يوم، مر الحاج صابر الجبوري بالقرب من المزرعة.
خفف سرعة سيارته وهو ينظر عبر السور.
كانت العجول تتحرك في الساحة.
بعضها يقف عند حوض المياه.
وبعضها يأكل.
والبقية تتحرك في المكان بصورة لم يكن يتوقعها الرجل الذي سخر منها يوم شرائها.
توقف الحاج صابر للحظات.
ثم قال للرجل الذي كان معه
هذه هي نفسها؟
أجابه الرجل
هي نفسها.
ظل صابر ينظر إليها.
قبل أشهر كان يسميها مقبرة ماشية.
أما الآن، فلم يعد المشهد يدعو إلى الضحك.
يوسف رآه من بعيد.
لكنه لم يقل شيئًا.
لم يكن بحاجة إلى ذلك.
فالنتيجة كانت تتحدث وحدها.
ومرت أربعة أشهر.
دخل الشتاء على محافظة واسط، ومع انخفاض درجات الحرارة بدأت الأخبار المقلقة تصل من بعض مزارع المواشي في المنطقة.
حالات مرضية تنفسية بدأت تظهر بين القطعان.
ارتفاع في درجات الحرارة لدى بعض الحيوانات.
ضعف في الشهية.
وسعال وإفرازات تنفسية في بعض الحظائر.
في البداية، ظن المربون أنها حالات محدودة.
لكن خلال فترة قصيرة، ازدادت الإصابات.
وبدأت الجهات البيطرية تحذر أصحاب المزارع من خطورة انتقال العدوى بين القطعان، خصوصًا في الحظائر المزدحمة وسيئة التهوية.
وصل الخبر إلى يوسف.
فتذكر فورًا الأيام الأولى للعجول التسعين.
الزحام.
الرطوبة.
ضعف
الإجهاد.
كلها عوامل يمكن أن تجعل المشكلة أسوأ.
لم ينتظر.
بدأ بتشديد إجراءات النظافة في المزرعة.
منع دخول