وصلتني حوالة بـ50 مليون دينار من زوجي بالخطأ.. والملاحظة المرفقة بها كشفت ما كان يُدبَّر خلف ظهري
في يد، وملف القضية في اليد الأخرى.
وتعلمت أن أمر الحماية يمكن أحيانًا أن يمنح الإنسان إحساسًا بالأمان يشبه البطانية الدافئة.
وتعلمت أن طلب المساعدة لا يعني أنني ضعيفة.
وصلت أمي من خارج بغداد وهي تبكي منذ اللحظة التي نزلت فيها من السيارة.
ضمتني بحذر، كأنها تخشى أن ينكسر جسدي بين يديها.
ثم طلبت أن تحمل حفيدتها.
وعندما وضعت انتصار بين ذراعيها، نظرت إليّ وقالت الجملة التي كنت بحاجة لسماعها أكثر من أي شيء آخر
لن تعودي وحدك إلى ذلك البيت أبدًا.
ولم أعد.
بعد أسابيع، ذهبت مع مريم وأم علي واثنين من عناصر الشرطة لجمع أغراضي.
كان المنزل كما هو.
لكنه في الوقت نفسه كان مختلفًا تمامًا.
كوبي ما يزال في المغسلة.
وحقيبة المستشفى ما تزال قرب الباب.
وعلى أرضية المطبخ بقي أثر خفيف في المكان الذي انحنى
وقفت أحدق فيه.
سألتني مريم
هل تريدين الخروج؟
هززت رأسي.
لا.
مشيت نحو الباب الرئيسي.
مددت يدي إلى القفلين.
القفلين نفسيهما اللذين أغلقهما حيدر، معتقدًا أن إغلاق الباب سيجعلني أستسلم.
ثم أخرجت مفاتيحي الجديدة.
فتحت الباب.
أغلقته.
ثم فتحته مرة أخرى.
لم أفعل ذلك لأنني بحاجة إلى تجربة المفتاح.
فعلته من أجل الذكرى.
ومن أجل ابنتي.
ومن أجل زهراء التي ضربت ذلك الباب في تلك الليلة حتى لم يعد في صوتها شيء.
بعد عدة أشهر، انتهت إجراءات الانفصال وتسوية الحقوق المتعلقة بالعقار والالتزامات المالية، وتم بيع المنزل ضمن الإجراءات التي اعتمدتها الجهات المختصة في القضية.
استخدمت حصتي من المال في سداد ديوني، وتغطية تكاليف العلاج والدعم النفسي، ثم استأجرت شقة صغيرة في منطقة
في المساء كنت أسمع أصوات العائلات وهي تتمشى.
وضحكات الأطفال.
وضجيج المدينة بعيدًا.
بغداد بقيت كما هي.
مزدحمة.
قاسية أحيانًا.
مرهقة.
ومكلفة.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
لم أشعر أنني أعيش داخل قفص.
ظل حيدر يقول إن ما حدث كان مجرد خطأ.
وظلت أم حيدر تقول إنني بالغت في كل شيء.
توقفت عن الرد.
بعض النساء يضيعن سنوات من حياتهن في محاولة إقناع من آذاهن بأنهن تألمن فعلًا.
أما أنا فلم أعد أريد إضاعة حليب ابنتي، ولا نومي، ولا بقية حياتي في محاولة إقناع أحد بذلك.
أكملت انتصار عامها الأول في ظهيرة ممطرة.
خبزت لها كعكة بالفانيلا.
كانت غير متساوية قليلًا، وأكثر حلاوة مما ينبغي.
أحضرت أم علي صينية طعام كبيرة.
وجاءت أمي بثوب أصفر صغير لانتصار.
وعندما
نظرت إليها.
وتذكرت ليلة القفلين.
طَق.
طَق.
ثم نظرت نحو باب شقتي الجديدة.
لم يكن فيه قفلان ثقيلان.
كان فيه منظار صغير، وسلسلة أمان، وجرس بسيط أهدتني إياه أم علي وهي تقول إنه يطرد الطاقة السيئة.
ضحكت حينها.
لكن أهم شيء في ذلك الباب لم يكن موجودًا في الخشب أصلًا.
كان داخلي.
لأن ذلك الباب لم يعد يحبس امرأة مذعورة.
بل أصبح يحمي أمًا تعلمت كيف تصنع طريقها بيديها، حتى عندما حاول الآخرون إغلاق كل الأبواب أمامها.
وفي كل مرة كانت انتصار تخطو خطوة صغيرة مترددة نحوي، كنت أعرف أنها لم تأتِ إلى الدنيا داخل سيارة الإسعاف من دون معنى.
لقد ولدت وهي تهرب.
ولدت وهي تقاوم.
ولدت لتذكرني كل يوم بأن الحياة لا
أحيانًا...
تكسره وتفتح طريقها بنفسها.