وصلتني حوالة بـ50 مليون دينار من زوجي بالخطأ.. والملاحظة المرفقة بها كشفت ما كان يُدبَّر خلف ظهري
دخلت منزل أم حيدر وأنا أحمل الملف داخل حقيبتي، بينما كانت الابتسامات تحيط بي من كل جانب وكأنني لم أكتشف شيئًا.
كانت المائدة مجهزة، وأصوات الحديث والضحك تملأ المكان، وأم حيدر تتحرك بين الجميع بثقة المرأة التي تعتقد أنها تعرف كيف تدير كل شيء.
حيدر كان هناك أيضًا.
نظر إليّ للحظات، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة حاول أن يجعلها طبيعية.
اقترب مني وقال بصوت منخفض
تأخرتِ.
قلت
الطريق كان مزدحمًا.
نظر إلى حقيبتي.
ماذا تحملين؟
وضعت يدي عليها بهدوء.
بعض الأوراق الخاصة بي.
ظل ينظر إليها لثانيتين، ثم ابتعد.
أما أنا، فجلست بينهم وكأنني لا أعرف شيئًا.
سمعت أحاديثهم.
ابتسمت عندما كان يجب أن أبتسم.
وأجبت عندما كان أحدهم يسألني.
لكنني طوال الوقت كنت أشعر بثقل الملف داخل حقيبتي.
كانت فيه الحوالة.
وإيصالها.
وكشوف الحسابات.
والرسائل.
والأوراق التي جمعتها خلال الأيام الماضية.
كل شيء كان موجودًا.
لكنني لم أخرجه.
نصيحة مريم كانت واضحة
لا تكشفي أوراقك قبل أن تعرفي ماذا يريدون منك.
وبعد نحو نصف ساعة فهمت.
جلست أم حيدر إلى جواري، ومدت يدها وربتت على ذراعي.
وقالت
زهراء، هناك موضوع صغير نريد أن ننهيه اليوم.
نظرت إليها.
أي موضوع؟
قالت بابتسامتها المعتادة
أوراق الشقة.
لم أقل شيئًا.
أكملت
تحدثنا عنها من قبل. لا داعي لتأجيل كل شيء إلى ما بعد الولادة. الأفضل أن ننظم الأمور الآن وأنت مرتاحة.
قلت
قلت لك سابقًا إنني لن أوقّع على شيء قبل أن أراجعه بنفسي.
اختفت ابتسامتها لثانية.
ثم عادت.
يا ابنتي، نحن عائلة واحدة.
نظرت إلى حيدر.
كان يراقب الحديث من بعيد.
قلت
إذا كنا عائلة واحدة، فلماذا كل هذا الإصرار؟
اقترب حيدر بسرعة.
لا تبدأي مشكلة الآن.
رفعت عيني إليه.
أنا سألت سؤالًا فقط.
جلس أمامي وقال
أمي تحاول أن ترتب مستقبلنا.
سألته
مستقبل من؟
تغير وجهه.
ولأول مرة شعرت أنني اقتربت من شيء لا
مدت أم حيدر يدها نحو حقيبتي.
أعطني الأوراق التي معكِ، ربما بينها نسخة من سند الشقة.
أمسكت حقيبتي قبل أن تصل إليها.
وقلت
لا.
ساد الصمت للحظات.
قال حيدر
لماذا تتصرفين بهذه الطريقة؟
نظرت إليه مباشرة.
لأن أشيائي تخصني.
قالت أمه بنبرة أشد
وهل أصبحنا غرباء الآن؟
لم أجب.
لكنني أدركت في تلك اللحظة أنهم كانوا ينتظرون فرصة أخرى للضغط عليّ.
ومنذ ذلك اليوم تغير الجو داخل البيت.
لم يعد حيدر يتظاهر كثيرًا.
بدأ يسألني باستمرار عن الحسابات.
عن كلمة مرور التطبيق المصرفي.
عن سبب طلبي لكشوف الحركات المالية.
وعن سبب احتفاظي بنسخ من الأوراق.
كنت أجيبه بجمل قصيرة.
وأحيانًا كنت أتظاهر بالتعب.
وأحيانًا أضع يدي على بطني وأقول إنني أحتاج إلى الراحة.
وهو كان يصدق ما يريد أن يصدقه
أن الحمل جعلني مشوشة.
وأنني لا أملك الصورة كاملة.
أما مريم، فكانت تعرف كل شيء.
كنت أرسل إليها نسخة من أي مستند جديد أجده.
ومع مرور الأسابيع، بدأت تظهر أشياء لم أكن أعرف بوجودها.
مستندات تتعلق بالحسابات.
أوراق تخص الشقة.
طلبات تحمل توقيعًا يشبه توقيعي.
وترتيبات تأمينية لم أتذكر أنني وافقت عليها يومًا.
في البداية لم أرد أن أصدق.
لكن مريم طلبت مني ألا ألمس شيئًا.
قالت
صوري كل ورقة كما وجدتها. ولا تواجهيهم.
وهذا ما فعلته.
ثم وجدت داخل الخزانة الآمنة أوراقًا جعلتني أفهم أن موضوع الشقة لم يكن مجرد محاولة لتغيير الملكية.
كان هناك ما هو أبعد.
أوراق تتعلق بحالتي إذا أصبحت غير قادرة على إدارة أموري مؤقتًا.
وتوقيع منسوب إليّ.
وترتيبات تسمح لأم حيدر بأن يكون لها دور في بعض الإجراءات إذا تعرضتُ لمضاعفات خطيرة أثناء الولادة.
تلك الليلة لم أنم.
كنت أراقب حيدر وهو يتنفس بهدوء إلى جواري، وأتساءل
إلى أي حد كان يعرف؟
وفي الأسابيع التالية اقترب موعد ولادتي أكثر.
كبر بطني.
وأصبحت حركتي أصعب.
لكن التوتر داخل المنزل ازداد بدل أن يخف.
وفي إحدى الليالي أخبرني حيدر أنه سيغادر في رحلة لعدة أيام.
قلت
الآن؟
قال
عندي ترتيبات مهمة، ولا يمكن تأجيلها.
سألته
وأنا؟
نظر إلى بطني.
ما زال أمامك وقت.
قلت
الطبيب قال إن الولادة قد تبدأ في أي وقت خلال الأسابيع القادمة.
تنهد بضيق.
زهراء، لا تجعلي كل شيء يدور حول الحمل.
لم أصدق ما سمعته.
وقبل أن أجيبه دخلت أم حيدر.
كانت تحمل حقيبة صغيرة.
قالت
لا تقلقي. كل شيء مرتب.
نظرت إليها.
ماذا تقصدين؟
قالت
ستبقين هنا وترتاحين. لا تحتاجين للخروج ولا لمقابلة أحد.
شعرت بشيء بارد يمر في ظهري.
قلت
أنا لا أحتاج إلى إذن حتى أخرج من بيتي.
ابتسمت.
بالطبع لا.
لكن ابتسامتها لم تطمئنني.
في ذلك اليوم تأكدت من أن هاتفي مشحون.
وضعت نسخة من بعض الأوراق في مكان منفصل.
وأرسلت إلى مريم رسالة أخبرتها فيها أن شيئًا لا يعجبني.
في الليلة التي سبقت سفرهما، حدثت مشادة صغيرة.
لم تكن عالية.
لكنها كانت كافية لكي يكشف حيدر جزءًا من غضبه.
قال
أمي تقول إنك أصبحت مهووسة بالأوراق والحسابات.
قلت
وأنت ماذا تقول؟
لم يجب.
سألته مرة أخرى
ماذا تقول أنت يا حيدر؟
نظر إلى الباب.
ثم قال
أقول إنك بحاجة إلى الراحة.
في صباح اليوم التالي استيقظت على أصوات حقائب تُسحب في الممر.
خرجت من غرفة النوم.
كان حيدر يرتدي ملابس السفر.
وأم حيدر تقف قرب الباب.
قلت
ستغادران الآن؟
قال
نعم.
إلى متى؟
عدة أيام.
نظرت إلى أمه.
ثم إليه.
وأنا سأبقى وحدي؟
قالت أم حيدر
لن يحدث لك شيء.
اقتربت من الباب.
لكن حيدر وقف أمامي.
عودي إلى الداخل.
قلت
ابتعد.
لم يتحرك.
شعرت بالخوف للمرة الأولى بشكل واضح.
قلت
حيدر، افتح الطريق.
قال
أنت متوترة الآن، وإذا خرجت ستصنعين مشكلة.
حدقت فيه.
كانت العبارة مألوفة.
نفس الطريقة.
نفس الكلمات التي كان يكررها دائمًا بعد حديثه مع والدته.
قلت
من قال لك ذلك؟
نظر إلى أمه.
ولم يكن بحاجة إلى الإجابة.
اقتربت أم حيدر من الباب.
وقالت
لن يستغرق الأمر طويلًا.
قلت
لن تغلقوا الباب عليّ.
لم تجبني.
خرج حيدر أولًا.
ثم خرجت هي.
أسرعت خلفهما.
لكن الباب أُغلق.
سمعت صوت القفل الأول.
طَق.
ثم القفل الثاني.
طَق.
ضربت الباب بيدي.
حيدر!
لم يفتح.
صرخت
حيدر، افتح الباب!
سمعت صوته من الخارج
اهدئي. سنعود.
قلت
أنا حامل! ماذا لو بدأت الولادة؟
ساد الصمت لثانية.
ثم سمعت صوت أم حيدر وهي تقول
أغلقوا البابين جيدًا واتركوها تتصرف وحدها.
شعرت أن الدم انسحب من وجهي.
ضربت الباب مرة أخرى.
ثم سمعت خطواتهم تبتعد.
وقفت في منتصف الممر وأنا لا أصدق ما حدث.
حاولت فتح الباب.
مغلق.
ذهبت إلى الباب الخلفي.
مغلق هو الآخر.
بحثت عن هاتفي.
لم يكن في المكان الذي تركته فيه.
بدأ الخوف يتحول إلى حقيقة.
لم أعرف في البداية إلى أين ذهب حيدر وأمه بالضبط.
ولم أعرف إن كانا يخططان للعودة بعد ساعات أو أيام.
كل ما عرفته أنني كنت وحدي.
وحاملًا.
ومحبوسة داخل بيتي.
مرت الساعات ببطء.
ثم جاء الليل.
ثم صباح آخر.
وحاولت أن أحافظ على هدوئي.
كنت أبحث في المنزل عن أي وسيلة للخروج أو طلب المساعدة.
وفي أثناء بحثي فتحت الخزانة الآمنة من جديد.
وهناك وجدت بقية الأوراق التي ستصبح لاحقًا جزءًا من القضية.
لكنني لم أملك وقتًا طويلًا للتفكير فيها.
لأن الألم بدأ.
في البداية كان خفيفًا ومتباعدًا.
قلت لنفسي إنه مجرد توتر.
ثم عاد.
أقوى.
ثم مرة أخرى.
وضعت يدي على بطني.
وحاولت التنفس.
كنت أعرف هذا الألم.
بدأت الولادة.
وفي اللحظة التي اشتد فيها الألم قرب الثلاجة، بحثت مرة أخرى عن أي طريقة للخروج.
وهناك، داخل الخزانة، وجدت جهاز التحكم القديم لباب الكراج والمفتاح الاحتياطي لغرفة الخدمات.
ومن تلك اللحظة بدأت الساعات التي غيرت حياتي كلها.
بعد سبعة أيام...
عاد حيدر وأم حيدر.
لكن هذه
ولم أكن أنا من خرج لاستقبالهم.
كانت هناك امرأة ترتدي سترة كحلية، وشعرها مربوط إلى الخلف، وبطاقة تعريف معلقة حول عنقها. وخلفها وقف اثنان من ضباط الشرطة، وصانع أقفال، ومحامٍ تابع إلى مركز مختص بحماية الأسرة ومساندة