وصلتني حوالة بـ50 مليون دينار من زوجي بالخطأ.. والملاحظة المرفقة بها كشفت ما كان يُدبَّر خلف ظهري
المحتويات
ضحايا العنف الأسري.
كان حيدر واقفًا وفمه مفتوح من شدة الصدمة، وما تزال آثار الشمس واضحة على وجهه بعد الرحلة التي عاد منها.
قال متلعثمًا
ماذا تفعلون في بيتي؟
لم تتحرك المرأة من مكانها.
وقالت بهدوء
السيد حيدر، هذا العقار أصبح تحت الإجراء والتحفظ وفق أمر صادر ضمن ملف التحقيق.
تراجعت أم حيدر خطوة إلى الخلف.
هذا تجاوز! ابني يعيش هنا.
رد أحد الضباط
والضحية كانت تعيش هنا أيضًا. ووفق المحضر، فقد تُركت محبوسة في المنزل وهي في حالة ولادة.
رفع حيدر رأسه ونظر نحو نافذة المنزل المقابل.
كنت هناك.
جالسة على كرسي هزاز استعرته من الجيران، أرتدي ملابس المستشفى، وقدماي المتورمتان مرفوعتان على مقعد صغير، بينما كانت طفلتي نائمة بهدوء فوق صدري.
إلى جانبي كانت تقف جارتي، أم علي، وذراعاها متشابكتان أمام صدرها، وعلى وجهها نظرة عراقية واضحة لا تحتاج إلى صراخ حتى يفهم الإنسان معناها.
ترك حيدر الحقيبة التي كان يحملها تسقط من يده.
وقال
زهراء...
لم أجب.
طوال سبعة أيام كنت أتخيل تلك اللحظة.
كنت أعتقد أنني سأصرخ في وجهه.
أنني سأواجهه بكل كلمة حبستها داخلي.
أنني سأسأله لماذا فعل ذلك بي.
لكن عندما رأيته واقفًا هناك، مرتاحًا بعد رحلته، وملامح الاستجمام ما تزال على وجهه، وكأن شيئًا لم يحدث...
لم أشعر إلا بهدوء بارد.
تحركت طفلتي حركة صغيرة بين ذراعي.
ضممتها أكثر إلى صدري وقلت من خلف النافذة
اسمها انتصار.
ابتلع حيدر ريقه بصعوبة.
ابنتنا...
قاطعته فورًا
ابنتي. أنت لم تكن هنا.
حاولت أم حيدر استعادة تماسكها.
عدلت غطاء رأسها وابتسمت بتلك الطريقة التي كانت تستخدمها دائمًا عندما تريد تحويل الكارثة إلى مجرد خلاف عائلي بسيط.
وقالت
يا ابنتي، الحمد لله أنك بخير. لكنك ضخمت الموضوع كثيرًا. النساء بعد الولادة يكنّ حساسات، وأنت جعلت الأمر أكبر من حجمه.
خطت أم علي إلى
وقالت بحدة
أكبر من حجمه؟ وجدتها ملقاة على أرضية المطبخ، تنزف، والباب مغلق عليها من الخارج، ولا تملك وسيلة تطلب بها النجدة.
تغير وجه حيدر.
لكن ليس بسبب الندم.
بل بسبب الخوف.
لأنه أدرك في تلك اللحظة أن هناك شخصًا آخر رأى ما حدث.
في تلك الليلة، عندما باغتني ألم شديد قرب الثلاجة وسلب مني قدرتي على التنفس، لم أستطع الاتصال من هاتفي.
لم يكن بإمكاني الوصول إليه.
لكن داخل الخزانة الآمنة التي كنت قد فتحتها بحثًا عن الأوراق، وجدت شيئًا آخر غير المستندات.
وجدت جهاز تحكم قديمًا لباب الكراج، ومفتاحًا احتياطيًا صغيرًا لغرفة الخدمات الخلفية.
وبين موجة ألم وأخرى، وبين لحظات كنت أشعر فيها أن جسدي يتوقف عن الاستجابة لي، زحفت على الأرض حتى استطعت فتح الباب الخلفي المؤدي إلى الممر الخدمي خلف المنزل.
لم أصل بعيدًا.
صرخت مرة واحدة فقط.
كانت أم علي، التي اعتادت الاستيقاظ قرابة الخامسة صباحًا لتعد القهوة والفطور لزوجها قبل خروجه إلى عمله كسائق شاحنة، قد سمعت صرختي قبل أن يبتلعها هدوء الفجر.
هي من أسرعت نحوي.
وهي من نادت ابنها ليساعدها على تجاوز السياج.
وهي من اتصلت بالإسعاف والشرطة، بينما لم أكن أملك حتى القوة الكافية لأقول اسمي بوضوح.
عندما وصلت سيارة الإسعاف، كنت قد بدأت أفقد وعيي.
أتذكر الأضواء الحمراء وهي تنعكس على الأسقف والجدران.
أتذكر صوت صفارة الإسعاف وهي تشق شوارع بغداد في ذلك الوقت المبكر من الصباح.
مررنا بمحلات بدأت تفتح أبوابها، وأفران يخرج منها أول خبز للصباح، ومحطات وقود قليلة الحركة، بينما كان لون السماء الداكن يتراجع ببطء أمام ضوء الفجر.
وأتذكر المسعف وهو يقول لي
لا تغلقي عينيك يا أختي... ابنتك قادمة.
ولدت انتصار قبل أن نصل إلى المستشفى.
جاءت إلى الدنيا داخل سيارة الإسعاف، فوق بطانية طبية، وسط أصوات السيارات والطريق
في البداية...
لم تبكِ.
ذلك الصمت شطر قلبي إلى نصفين.
بقيت أحدق فيها وأنا عاجزة عن التنفس.
ثم أطلقت فجأة بكاءً صغيرًا، حادًا، غاضبًا، وممتلئًا بالحياة.
وفي تلك اللحظة فهمت لماذا يجب أن تحمل هذا الاسم.
انتصار.
وأثناء بقائي تحت المراقبة الطبية في المستشفى، حضرت مريم العبيدي.
دخلت عليّ وتحدثت ببطء، بالطريقة التي يتحدث بها شخص يعرف أنه أمام إنسان خرج للتو من كارثة.
لم تعد بالنسبة إليّ في تلك اللحظة مجرد صديقتي والمحامية التي استشرتها من قبل.
كانت تتعامل معي هذه المرة من داخل ملف قانوني كامل، بالتنسيق مع جهة مختصة بحماية الأسرة، حيث يمكن للنساء المعرضات للعنف الأسري الحصول على الدعم القانوني والاجتماعي والنفسي والإرشادي بحسب طبيعة القضية.
في البداية لم أكن أريد تقديم شكوى.
كنت أشعر بالخجل.
نعم...
بالخجل.
وحتى اليوم أستغرب ذلك.
أنا التي تُركت محبوسة وأنا حامل.
أنا التي استُخدمت بطاقتي وأموالي.
أنا التي ظهرت مستندات تحمل توقيعًا منسوبًا إليّ رغم أنني لم أوقّعها.
ومع ذلك...
أنا من كنت أشعر بالخجل.
جلست مريم إلى جواري وأمسكت بيدي.
ثم قالت جملة أعطتني قوة أكثر من المحاليل والأدوية كلها
الخجل ليس لكِ يا زهراء.
عندها بدأت أتكلم.
تكلمت عن البطاقة.
وعن المفاتيح.
وعن الخزانة الآمنة.
وعن التوقيع الذي لم أضعه.
وعن الطريقة التي كان حيدر يسمح بها لوالدته بالتدخل في قرارات تخص حياتي وجسدي وأموالي.
وتكلمت عن الجملة التي قالتها أم حيدر قبل أن يتركوني وحدي
أغلقوا البابين جيدًا واتركوها تتصرف وحدها.
طلب المحقق مراجعة كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة.
وهناك...
ظهر كل شيء.
ظهرت السيارة وهي تغادر في ذلك الوقت المبكر.
ظهر حيدر وهو يغلق الباب.
ظهرت أم حيدر وهي تتراجع خطوتين لتتأكد من
ظهرت يدي وأنا أطرق نافذة غرفة المعيشة.
وظهر الباب الذي لم أستطع فتحه.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك.
اكتشفوا أيضًا وجود كاميرا مراقبة داخلية في المنزل.
واحدة من تلك الكاميرات التي أصر حيدر سابقًا على تركيبها بحجة الأمان.
كنت أكرهها.
كنت أشعر دائمًا أنها تراقبني داخل بيتي.
لكن حيدر نسي فصلها.
والكاميرا سجلت الجملة كاملة.
سجلت صوت بكائي.
وسجلت زوجي وهو يقول
أمي تقول إنني إذا تركتك تخرجين، فستصنعين مشكلة كبيرة.
هذا ما كان ينتظر حيدر عند عودته.
لم تكن هناك زوجة نادمة تنتظره.
كان هناك ملف تحقيقي كامل.
حاول حيدر عبور الشارع باتجاهي.
لكن أحد الضباط أوقفه.
لا يمكنك الاقتراب منها.
قال حيدر بسرعة
إنها زوجتي.
خرجت مريم من خلف الضابط وهي تحمل ملفًا بيديها.
وقالت
هناك أمر حماية نافذ يمنعك من الاقتراب منها في الوقت الحالي.
ضحكت أم حيدر ضحكة قصيرة جافة.
حماية من ماذا؟ ابني لم يمد يده عليها أصلًا.
نظرت إليها مريم مباشرة من دون أن ترمش.
وقالت
حبس امرأة حامل، ومنعها من الوصول إلى مالها، واستخدام بطاقاتها دون موافقتها، وتركها من دون وسيلة آمنة لطلب المساعدة، كلها أفعال تدخل ضمن ما يمكن التحقيق فيه باعتباره عنفًا أسريًا وسيطرة وإيذاءً ماليًا ونفسيًا، بحسب الوقائع المثبتة في القضية.
رأيت فك أم حيدر ينقبض.
كانت طوال حياتها تعتقد أن الأذى لا يكون حقيقيًا إلا إذا ترك علامة واضحة يمكن للجميع رؤيتها.
ولهذا كانت ترى نفسها بريئة دائمًا.
ولهذا وصفتني بالمبالغة عندما أخذت بطاقتي.
ووصفتني بغير المقدرة عندما كانت تدقق في مصروفاتي.
ووصفتني بالمجنونة عندما كنت أطلب من حيدر أن يتخذ قرارًا واحدًا من دون الرجوع إليها.
لكن التحقيق لم يكن ينظر إلى الأمور بالطريقة التي تنظر بها هي.
كان هناك حديث عن سيطرة مالية.
وعن منع وصول إلى الموارد.
وعن
وعن خطر تعرضت له امرأة حامل.
وعن مستندات وتوقيعات تحتاج إلى فحص.
عندما سمع حيدر ذلك، نظر إليّ أخيرًا بطريقة مختلفة.
لم يعد يراني
متابعة القراءة