الساعه واحده
الساعة 117 بعد نص الليل، دخل راجل بيموت على قسم الطوارئ بتاعي، جسمه مليان رصاص. وأول ما شفت وشه، ست سنين كاملة من الغضب والألم انفجرت جوايا مرة واحدة.
ياسين المنشاوي اختفى من حياتي من غير حتى ما يقول وداعًا، ومكانش يعرف إني كنت حامل منه.
ودلوقتي، أخطر رجل في عالم الجريمة في القاهرة، كان بينزف تحت إيديا، بينما بنتنا اللي عندها ست سنين نايمة على بُعد كام كيلو بس.
راجل، 38 سنة! طلقات رصاص متعددة! الضغط 78 على 40 وبيهبط!
كنت صاحبة عين مفتوحة بالعافية بعد 19 ساعة شغل متواصل، لكن التعب اختفى تمامًا أول ما المسعفين دخلوا بيه غرفة الطوارئ رقم 2.
حضرتك سامعني؟
مفيش رد.
مديت إيدي على فكه عشان أفتح مجرى التنفس.
وساعتها شوفته.
ياسين.
أكبر.
أقسى.
شعره بدأ يشيب عند الصدغين، وندبة ممتدة ناحية فكه...
لكن رغم كل ده، كان هو نفس الراجل اللي كان زمان بيقف حافي في مطبخي صباح كل يوم أحد، ويشتكي إن القهوة خفيفة أوي.
إيديا اتجمدت لنص ثانية.
من ست سنين، ياسين باس جبيني قبل ما أنام.
ولما صحيت...
كان اختفى.
كل اللي سابه وراه كان جواب مكتوب بإيده، محطوط جنب ماكينة القهوة
سارة، أنا آسف. ماتدوريش ورايا. أرجوكي ابني حياة من غيري.
قريت الجملة دي 19 مرة.
وبعدها أخدت اختبار الحمل اللي كنت خايفة أستخدمه من الليلة اللي قبلها.
إيجابي.
خطين ورديين.
ياسين ماكانش بس سابني...
ده اختفى قبل ما يعرف إنه هيبقى أب.
دكتورة سارة؟
صوت الممرضة رجعني للواقع.
أنبوبة صدر. حالًا.
دفنت كل ذكرياتي جوايا، ورجعت دكتورة من تاني.
نسبة الأكسجين عنده بدأت تنزل.
81!
يلا...
الدم بدأ يندفع من أنبوبة الصدر.
جهاز المراقبة بدأ يصرخ.
الضغط بينهار!
ضغطت على مكان الإصابة بكل قوتي.
وبعدين اسمه خرج من بوقي قبل ما ألحق أمنعه.
ياسين...
جفونه اتحركت.
ولثانية واحدة مستحيل تكون حقيقية، فتح عينيه البني الغامق.
نفس عيون مريم.
بنتنا ورثت عينيه بالحرف.
ظهر التعرف في عينيه.
خليك معايا... همست.
شفايفه اتحركت، لكن مفيش صوت خرج.
وبعدين عينيه قفلت تاني.
رفضت أخليه يموت.
مش عشان سامحته.
ومش عشان الست سنين اللي فاتوا مسحت اللي عمله.
أنا كنت عايزة إجابات.
بعد ساعتين، الجراحين قدروا يثبتوا حالته بدرجة تسمح بنقله للعناية المركزة.
وبعدها بدقائق، بدأ رجالة لابسين بدل سودا يظهروا في أنحاء المستشفى.
وساعتها، الحياة اللي ياسين خبّاها عني من ست سنين بقت مستحيل أتجاهلها.
زمان كان قالي إن عيلته بتمتلك مخازن استيراد.
لكن بعد ما اختفى، اكتشفت الحقيقة.
منظمة المنشاوي كانت مسيطرة على موانئ، وشركات نقل، وشركات مقاولات، ونايت كلوب، وشركات حراسة خاصة،
الجرائد كانت بتسمي ياسين رجل أعمال.
ناس تانية كانت بتسميه
ملك عالم الجريمة الهادئ في القاهرة.
أما أنا...
فكنت بسميه جبان.
بعد العملية، وقفت لوحدي جنب حوض الغسيل وأنا ببص للمية، وفجأة موبايلي اهتز.
كانت رسالة من جارتي هبة
مريم نامت أخيرًا. كانت عايزاني أقولك إن قمر كسب السباق النهارده.
رغم كل اللي حصل...
ابتسمت.
قمر كان حصان السباق الخيالي بتاع بنتي.
كتبت لها
قولي لها إني فخورة بقمر. وقولي لها إني بحبها.
هبة ردت فورًا
إنتِ كويسة؟
قبل ما ألحق أرد...
ظهرت ممرضة ورايا.
دكتورة سارة؟
لفيت ناحيتها.
السيد المنشاوي فاق.
قلبي وقف.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
وهو بيسأل عليكي بالاسم.
وقفت قدام باب العناية المركزة، وإيدي ماسكة طرف البالطو بقوة.
هو بيسأل عليّا؟
الممرضة هزت راسها.
أيوه. وقال اسمك أكتر من مرة.
بلعت ريقي.
حالته تسمح إني أدخل؟
الدكتور قال خمس دقايق بس. ومن غير انفعال.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
الانفعال ده خلص من ست سنين.
دخلت.
كان ياسين على السرير، جسمه متوصل بأجهزة كتير، ووشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه.
لكن عينيه...
كانوا صاحيين.
وأول ما شافني، ثبت نظره عليّا.
ثواني طويلة عدت من غير ولا كلمة.
وبعدين قال بصوت مبحوح
سارة...
وقفت عند طرف السرير.
إنت عايز إيه؟
غمض عينيه لحظة، وكأنه بيجمع قوته.
بنتك...
قلبي اتقبض.
مالها مريم؟
فتح عينيه بسرعة.
مريم؟
اتجمدت.
هو ماكانش يعرف اسمها.
ولا حتى كان يعرف إنها موجودة.
قربت منه خطوة.
إنت قلت بنتك ليه؟
سكت.
نظراته اتغيرت، وكأن السؤال ده كان أخطر من الرصاص اللي دخل جسمه.
سارة... إنتِ مخبية عني حاجة.
ضحكت بمرارة.
أنا؟
قربت وشي منه.
إنت اللي اختفيت ست سنين يا ياسين. إنت اللي كتبتلي ابني حياة من غيري. إنت اللي قررت إني ماستحقش أعرف الحقيقة.
حاول يتحرك، فتألم.
أنا ما اختفيتش بإرادتي.
اتسعت عيني.
أمال إيه؟
بص للباب.
وبعدين قال بهدوء مخيف
لأن لو كنت فضلت معاكي يوم واحد كمان... كانوا هيقتلوكي.
سكتُّ.
مين؟
ما ردش.
مين يا ياسين؟
صوته انخفض.
الناس اللي ضربوني النهارده.
اتحرك جهاز المراقبة أسرع شوية.
لكنه كمل
والليلة دي مش محاولة قتل عادية.
قربت منه.
يعني إيه؟
بص في عيني مباشرة.
هما ماكانوش عايزين يقتلوني.
اتعقد حاجبي.
أمال كانوا عايزين إيه؟
قال
كانوا عايزين يوصلوا ليكي.
حسيت ببرودة في جسمي كله.
أنا؟
هز راسه.
إنتِ ومريم.
اسمي بنتي خرج من بقه كأنه كان يعرفه من سنين.
تراجعت خطوة.
إنت تعرف مريم؟
سكت.
ثم مد إيده بصعوبة ناحية درج الكومود
في حاجة هناك.
بصيت للدرج.
إيه؟
افتحيه.
فتحته.
كان جواه ظرف بني قديم، عليه اسمي بخط يده.
إلى سارة... لو اضطريت أرجع.
إيديا بدأت ترتعش.
بصيت له.
إنت كنت متوقع إنك هترجع؟
قال
لأ.
وسكت لحظة.
كنت متوقع إني هموت قبل ما أشوفك تاني.
فتحت الظرف.
لكن قبل ما أطلع الورقة، سمعنا صوت خبط قوي على باب العناية.
الممرضة دخلت بسرعة.
وشها كان أبيض.
دكتورة سارة...
في إيه؟
بصت ناحية ياسين، وبعدين قالت بصوت واطي
الأمن لقى عربية سودا واقفة من ساعة قدام المستشفى.
قلبي دق أسرع.
وإيه المشكلة؟
الممرضة طلعت موبايلها وورتني صورة التقطها الأمن.
على الزجاج الأمامي للعربية كان فيه ورقة صغيرة مثبتة.
وفيها كلمة واحدة
مريم.
اتجمدت مكاني.
ياسين حاول يقوم رغم الألم.
سارة...
بصيت له.
لازم تخرجي من المستشفى حالًا.
وأنا أسيبك؟
هز راسه.
لأ.
وسكت لحظة.
تاخدي مريم وتهربي.
ثم نظر للظرف في إيدي.
بس قبل ما تروحي... لازم تعرفي مين كان بيراقب بنتك طول الست سنين اللي فاتوا ماقدرتش أتحرك.
فضلت واقفة والظرف في إيدي، وببص للصورة اللي على موبايل الممرضة.
اسم بنتي مكتوب قدامي.
مريم.
مش سارة.
مش المنشاوي.
مريم بالاسم.
إنت كنت عارف إنهم هيعرفوا عنها؟ سألت ياسين.
رد بصوت متقطع
كنت عارف إن اليوم ده ممكن ييجي.
وإنت ساكت ست سنين؟
شد على الملاءة بإيده.
كنت بحاول أبعدهم عنكم.
أبعدهم؟!
صوتي علي غصب عني.
إنت حتى ماكنتش تعرف إنها موجودة!
سكت ياسين.
وبعدين بصلي بنظرة غريبة.
كنت أعرف.
اتسعت عيني.
إيه؟
عرفت إن عندي بنت... من ست سنين.
حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
مستحيل.
يوم ما سبتك، كنت عارف.
إزاي؟
غمض عينيه وقال
لأن الشخص اللي كان بيراقبني وقتها... كان بيراقبك إنتِ كمان.
سكتُّ.
كل الذكريات اللي كنت فاكرة إنها صدفة بدأت ترجع في دماغي.
العربية السودا اللي كانت بتظهر أحيانًا تحت البيت.
الرجل اللي سألتني مرة في المستشفى عن عنواني القديم.
المكالمات المجهولة اللي كانت بتوصلني في أول سنة بعد اختفاء ياسين.
كنت فاكرة إنها مضايقات عادية.
طلع الموضوع أكبر من كده.
ليه ماجيتش ليّا؟ سألت بصوت مكسور.
فتح عينيه.
لأنهم كانوا مستنيينني أعمل كده.
قبل ما أكمل، باب العناية اتفتح فجأة.
دخل واحد من رجال الأمن.
دكتورة سارة، لازم حضرتك تيجي معايا.
بصيت له.
ليه؟
في مشكلة عند البوابة الرئيسية.
ياسين شد نفسه فجأة.
متروحيش.
الرجل بص له.
السيد المنشاوي، لازم ننقل حضرتك لمكان آمن.
ياسين رد
المكان الآمن الوحيد ليها دلوقتي هو بعيد عن المستشفى.
بصيت للظرف.
ثم للرجل.
أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم.
فجأة...
جهاز المراقبة بدأ يطلق
الضغط نزل مرة واحدة.
دكتور! بسرعة!
اتلمت الممرضات حوالين ياسين.
وأنا رجعت خطوتين.
وفي وسط الزحمة، سمعت صوته.
سارة!
بصيت له.
كان بيحاول يتكلم.
الظرف...
رفعت الظرف.
معايا.
ماتفتحيهوش هنا.
ليه؟
قال بصعوبة
لأن الورقة جواها... مش ليا.
اتجمدت.
أمال لمين؟
قبل ما يرد، انقطعت الكهرباء عن جزء من المستشفى.
الظلام غطى الممر.
وبعد ثواني، اشتغلت إضاءة الطوارئ.
ولما رجعت أبص ناحية السرير...
لقيت ياسين بيبص ناحية باب العناية.
وعلى وشه ظهر لأول مرة خوف حقيقي.
همس
وصلوا.
بصيت للباب.
كان فيه ظل واقف من الناحية التانية.
وبعدين المقبض بدأ يتحرك ببطء.
مرة...
واتنين...
وثلاثة...
وموبايل الممرضة وقع من إيدها لما وصلتها رسالة جديدة.
قربت منها وقرأتها.
كانت الرسالة من رقم مجهول
لو عايزة بنتك تفضل بأمان... ماتثقيش في الراجل اللي جنبك.
رفعت عيني ناحية ياسين.
وفي نفس اللحظة...
الباب اتفتح الباب اتفتح ببطء.
دخل رجل طويل لابس زي الأمن، ماسك ملف في إيده.
محدش يتحرك.
الممرضات اتجمدوا.
أنا بصيت له من فوق لتحت.
في حاجة كانت غلط.
مش في هدومه...
في عينيه.
كان بيبص لي أنا، مش لياسين.
حضرتك مين؟ سألت.
مد إيده ناحية جيبه.
أمن المستشفى.
ياسين، رغم إصاباته، قال بصوت ضعيف
كداب.
الرجل وقف مكانه.
إيه؟
ياسين كررها
ده مش من الأمن.
وفي لحظة، اتنين من رجال ياسين ظهروا عند الباب.
الرجل الغريب رجع خطوة.
لكن قبل ما يحصل أي حاجة، أخرج ورقة من الملف ورماها على الأرض.
افتحيها يا دكتورة.
بصيت للورقة.
كان عليها صورة.
صورة لمريم.
متصورة من بعيد وهي خارجة من المدرسة.
إيدي بردت.
إنتوا بتراقبوا بنتي؟
الرجل ابتسم.
مش إحنا.
وبص ناحية ياسين.
هو.
لفيت ناحية ياسين.
إيه؟
ياسين سكت.
الرجل كمل
ست سنين كاملة، الراجل ده كان عارف بنتك فين، بتروح فين، مين بيقعد معاها، ومين بيجيبها من المدرسة.
قربت من ياسين.
قول له إنه كداب.
ياسين ما ردش.
ودي كانت أسوأ إجابة ممكنة.
ياسين!
رفع عينيه لي.
كنت بحميها.
من مين؟
من عيلتي.
ضحكت بسخرية.
عيلتك؟
أيوه.
سكت لحظة.
لأن مريم مش مجرد بنتي.
الكلمة نزلت عليا كالصاعقة.
يعني إيه؟
قبل ما يرد، الرجل الغريب قال
اسأليه عن أبوها الحقيقي.
لفيت له بسرعة.
إنت بتقول إيه؟
ياسين شد على الملاءة.
سارة، ماتسمعيش له.
ليه؟!
الرجل ابتسم.
لأنه عنده سبب يخبي الحقيقة.
وبعدين أخرج صورة تانية من الملف.
مدها ناحيتي.
أخدتها بإيد مرتعشة.
كانت صورة قديمة جدًا.
أنا وياسين واقفين قدام بيت أهلي.
لكن في خلفية الصورة...
كان فيه رجل واقف بعيد.
وشه مش واضح.
قلبت الصورة.
على ظهرها تاريخ مكتوب قبل ست سنين.
وتحت
في الليلة دي، اتاخد القرار إن مريم لازم تختفي.
رفعت عيني.
مين كتب الكلام ده؟
الرجل رد
والد ياسين.
سكت المكان كله.
ياسين غمض عينيه.
وبصوت بالكاد اتسمع قال
أبويا مات من أربع سنين.
الرجل ابتسم.
بالضبط.
ثم رن هاتفه.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت.
إيه؟
سكت ثانيتين.
وبعدين بص لي.
دكتورة سارة...
في إيه؟
قال
المدرسة اتصلت.
قلبي وقع.
مريم؟
هز راسه.
قالوا إن حد جه