كان يوصل لها الطعام مجانًا كل خميس.. وبعد اختفائها ظهر كلبها أمام منزله وفي طوقه سر لم يتوقعه!

لمحة نيوز

جرو صغير.
انحنت نحوه وعانقته بقوة.
ثم رفعت رأسها ونظرت إلى علي.
وللحظة، بدت كأنها تشعر بالخجل.
قالت
سامحني. أدخلتك في شيء بدأ قبل أن تولد.
هز علي رأسه.
كانت لديه ألف كلمة يريد قولها.
وألف سؤال يريد طرحه.
لكنه لم يسأل إلا سؤالًا واحدًا.
هل عانى والدي؟
أغلقت نجلاء عينيها.
وقالت
لا أعرف. وصلت أنا بعدما كانوا قد أخرجوا السيارة من الطريق. أردت الإبلاغ عما حدث، لكن رياض هدد ابنتي.
عقد علي حاجبيه.
ابنتها؟
لم يسمع من قبل عن وجود ابنة لنجلاء.
أخذت نجلاء نفسًا عميقًا.
وقالت
حيدر ليس ابني الوحيد. لدي ابنة أيضًا. هربت من العراق، وظللت ثلاثين عامًا أعتقد أنها ماتت هي الأخرى.
فتح ذلك الكشف جرحًا جديدًا.
لكن نجلاء طلبت منهم أن يتركوا الحديث عنه لوقت لاحق.
فالشيء الأكثر إلحاحًا الآن كان أن تدلي بإفادتها.
وخلال الساعات التالية، وثق ممثلو الادعاء العام وأطباء مستقلون حالتها.
لم تظهر عليها علامات تشير إلى تدهور عقلي يمنعها من إدارة شؤونها أو اتخاذ قراراتها.
لكنها كانت تعاني من الجفاف والقلق.
وكانت على جسدها علامات تتوافق مع تعرضها للتقييد في وقت قريب.
تم اقتياد مدير مركز الرعاية
للتحقيق معه والإدلاء بإفادته.
وأصبح حيدر موضع تحقيق في قضية تقييد حرية نجلاء بصورة غير قانونية، والتلاعب بأموالها، إضافة إلى جرائم محتملة مرتبطة بالتغطية على وفاة سعد.
وأعيد فتح الملف القديم.
كان علي يعرف أن اعترافًا جزئيًا لا يعني أن العدالة تحققت.
ولا يعني أن كل شيء انتهى.
لكن للمرة الأولى، ظهرت شقوق في ذلك الصمت الطويل.
وشعر أن الضوء بدأ يتسلل منها.
كانت الأشهر التالية صعبة.
وصلت القصة إلى الصحف.
ثم إلى القنوات التلفزيونية.
وبدأ موظفون سابقون كانوا يعملون لدى رياض الجبوري في الحديث.
اعترف شرطي متقاعد بأنه تلقى أموالًا مقابل تعديل تقرير الحادث.
وتذكر ميكانيكي أن سيارة سعد خضعت لتلاعب قبل أن تخرج عن الطريق.
وتطابقت الأدلة الرقمية مع سجلات مصرفية حصلت عليها الجهات المختصة بأوامر قضائية.
أنكر حيدر كل شيء في البداية.
ثم غيّر روايته.
ثم حاول تحميل والده المتوفى كامل المسؤولية.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع تغييره.
التسجيل الذي سُجل عند باب مكتب كاتب العدل.
أدلت نجلاء بإفادتها على مدى أربعة أيام.
وسعاد فعلت الشيء نفسه.
أما علي، فاستمع إلى كل كلمة.
لم يكن يبحث عن
الانتقام.
كان يريد فقط أن يستعيد سعد اسمه الحقيقي في القصة.
وبعد عام، قررت المحكمة أن وفاة سعد لا يمكن أن تبقى مسجلة باعتبارها مجرد حادث سير.
واستمر التحقيق الجنائي مع حيدر في عدة تهم.
أما رياض، الذي كان قد توفي منذ سنوات، فقد تم تحديده بوصفه المسؤول المالي الرئيسي عن الشبكة التي كشفتها التحقيقات.
لم تنته كل الأمور بحكم كامل ومثالي.
بعض الجرائم كان قد مضى عليها وقت طويل تجاوز المدد القانونية للملاحقة.
وعدد من الأشخاص المتورطين كانوا قد توفوا.
لكن حيدر أُدين بتقييد حرية نجلاء بصورة غير قانونية، وتزوير وثائق تتعلق بقدرتها على إدارة شؤونها، والاستيلاء على جزء من أموالها وممتلكاتها.
وظلت قضايا أخرى مفتوحة.
خارج مبنى المحكمة، اقتربت سعاد من علي.
وسلمته نسخة من الملف الجديد.
نظر إلى الغلاف.
كان مكتوبًا عليه
ملف وفاة سعد الساعدي جريمة قتل.
استعادت نجلاء جزءًا من ممتلكاتها.
وكان ذلك الجزء كافيًا لتعيش ما تبقى من حياتها دون أن تعتمد على أحد.
باعت المنزل القديم في حي الكرادة.
لكن قبل تسليمه إلى مالكه الجديد، عادت إليه للمرة الأخيرة برفقة علي.
كان برق يسير ببطء.
لكنه
ما زال يعرف تمامًا أين يجب أن يتوقف.
وصل إلى الغرفة الجانبية.
دخلت نجلاء مع علي.
فتحت خزانة الملابس التي أصبحت فارغة.
ثم ابتسمت.
وقالت
هنا أخفيت ثلاثين عامًا من الخوف.
نظر علي إلى الخزانة.
ثم قال
وهنا أخفيت أيضًا طريق الخروج منه.
نظرت إليه نجلاء بعينين امتلأتا بالدموع.
ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا وسلمته إليه.
فتحه علي.
كان في داخله ساعة والده سعد.
الساعة نفسها التي كان يرتديها في الصورة القديمة.
احتفظت بها نجلاء منذ ليلة الحادث.
قالت بصوت منخفض
سامحني يا علي.
أغلق علي أصابعه حول الساعة.
وفي تلك اللحظة، شعر بشيء لم يشعر به عندما عرف الحقيقة لأول مرة.
شعر بالسلام.
لم يكن سلامًا كاملًا.
ولا خاليًا من الألم.
ولا يعني أن كل شيء انتهى.
لكنه كان سلامه هو.
بعد عدة أسابيع، عاد علي إلى عمله على دراجته النارية.
لكنه لم يعد يقبل أي دوام عصر يوم الخميس.
كان يخصص ذلك الوقت لزيارة نجلاء في شقتها الجديدة.
وفي كل مرة، كان يحمل معه طعامًا يكفي ثلاثة
لنجلاء.
وله.
ولبرق.
بعد عامين، مات برق وهو نائم قرب الباب.
كان مستلقيًا في المكان نفسه وكأنه ينتظر سماع صوت محرك يعرفه جيدًا.
وضعت
نجلاء طوقه داخل صندوق صغير.
أما علي، فاحتفظ بالمفتاح.
لأن بعض المفاتيح لا تفتح الأبواب.
بل تفتح الصمت.

تم نسخ الرابط