كان يوصل لها الطعام مجانًا كل خميس.. وبعد اختفائها ظهر كلبها أمام منزله وفي طوقه سر لم يتوقعه!
لعدة ثوانٍ، لم يسمع علي سوى أنفاس برق وصوت أزيز محول كهرباء بعيد.
كان والده، سعد الساعدي، قد توفي عندما كان علي في السادسة من عمره.
وطوال حياته، قيل له إن والده مات في حادث سير وقع في ساعة مبكرة من صباح ممطر.
أما والدته فلم تتحدث عن الأمر يومًا.
داخل الظرف كانت هناك نسخ من سندات ملكية، وتحويلات مصرفية، ووثيقة مصدقة لدى كاتب العدل، ورسالة أخرى.
فتح علي الرسالة الأخيرة بيدين مرتجفتين.
اسمي الحقيقي نجلاء الجبوري. والدك كان يعمل لدى زوجي. اكتشف شيئًا لم يكن من المفترض أن يكتشفه أبدًا. وكان حيدر موجودًا في تلك الليلة.
شعر علي بأن أنفاسه أصبحت أثقل.
وتابع القراءة.
اكتشف سعد وثائق تثبت أن زوجي، رياض الجبوري، كان يحوّل أموالًا من شركة العائلة عبر شركات وهمية. أراد أن يبلغ الجهات المختصة. وكان حيدر، الذي كان يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا حينها، يساعد والده.
توقف علي للحظة.
ثم أكمل.
احتفظ سعد بنسخ من الوثائق، وطلب مني أن أحمي أسرته إذا حدث له شيء. لم أفعل. خفت.
شعر علي بأن أصابعه تشد على الورقة.
بعد وفاة والدك، دفع رياض أموالًا حتى يتم تسجيل ما حدث على أنه حادث سير. وبعد سنوات توفي رياض، لكن حيدر ورث أعماله، وورث معه ذلك الصمت.
خفض علي الرسالة قليلًا.
كان برق واقفًا بالقرب منه دون حركة.
ثم عاد علي إلى القراءة.
أنا
شعر علي بالغثيان.
بحث بسرعة عن ورقة أخرى بين محتويات الظرف.
كانت نجلاء تشرح فيها أنها استخدمت اسم أمينة، وهو اسم قريبة لها توفيت، حتى تتمكن من الاختفاء بعد أن تركت منزل العائلة الكبير.
عاشت سنوات طويلة بهدوء بعيدًا عن الأنظار.
حتى عثر عليها حيدر.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح يسيطر على بطاقاتها المصرفية، وهاتفها، وحتى الأشخاص الذين يسمح لهم بزيارتها.
أما الطعام الذي كان علي يحضره إليها، فقد كان، بحسب كلماتها، أول مساعدة تتلقاها منذ وقت طويل دون أن يطلب منها صاحبها شيئًا في المقابل.
ثم وصل علي إلى جملة جعلته يتوقف.
أنا لم أخترك بالمصادفة.
قرأها مرة أخرى.
ثم تابع
عرفت اسم عائلتك عندما رأيت اسمك على إيصال الطلب. سألت عنك. أنت ابن سعد الساعدي. وأنت آخر شخص يتوقع حيدر أن أسلمه كل هذا.
ظل علي ينظر إلى الورقة لثوانٍ طويلة.
تحت الرسالة كانت هناك ذاكرة إلكترونية صغيرة، وبجوارها عنوان مكتوب بخط اليد.
لم يكد علي يضعهما في جيبه حتى توقف برق فجأة عن خدش الخزانة.
رفع الكلب رأسه.
ثم أطلق زمجرة منخفضة باتجاه الممر.
في الخارج، مرت أضواء قوية فوق
بعدها سمع علي صوت محرك سيارة يتوقف أمام المنزل.
أغلق القاع المزدوج بسرعة.
ووضع الظرف تحت سترته.
ثم أطفأ مصباح هاتفه.
سمع باب سيارة يُفتح.
ثم بابًا آخر.
بعدها وصلت إليه أصوات رجال.
عرف أحد الأصوات فورًا.
كان صوت حيدر.
قال حيدر
لا بد أن الكلب جاء إلى هنا.
نظر علي حوله بسرعة.
لم يكن يستطيع الخروج عبر الممر الجانبي دون أن يلتقي بهم وجهًا لوجه.
في تلك اللحظة، ركض برق نحو نافذة مكسورة في جانب الغرفة.
فهم علي ما يريده.
دفع إطار النافذة وخرج منها.
ثم خرج برق خلفه قبل ثوانٍ فقط من سماع صوت المفتاح وهو يدور في قفل الغرفة.
هبط علي والكلب داخل فناء المنزل المجاور، وكان ممتلئًا بالدلاء والأغراض القديمة.
كان برق يعرج قليلًا.
لكنه لم يتوقف.
واصل السير حتى وصل إلى بوابة حديدية صدئة تؤدي إلى شارع آخر.
تسلق علي البوابة أولًا.
ثم مد ذراعيه وحمل برق وساعده على العبور.
وعندما وصلا إلى زاوية الشارع، سمع صوت حيدر يصرخ باسمه.
علي!
ركض علي دون أن يلتفت خلفه.
كانت دراجته النارية متوقفة على بعد شارعين، لكنه لم يجرؤ على العودة وتشغيلها.
كان يعرف أنهم سيتعرفون إلى صوتها فورًا.
واصل السير مع برق حتى وصلا إلى شارع رئيسي.
أوقف سيارة أجرة.
وأعطى السائق عنوان منزل والدته، سعاد، التي لم يكن يزورها كثيرًا.
فتحت سعاد الباب وهي مذعورة
لكن عندما أخرج علي الصورة القديمة ووضعها أمامها، اختفى اللون من وجهها.
لم تسأله من أين حصل عليها.
جلست بجوار الطاولة.
ومدت إصبعها نحو وجه الرجل الذي كان مطموسًا بالحبر الأسود.
وبدأت تبكي.
قالت بصوت متقطع
هذا رياض الجبوري.
شعر علي بالغضب يتصاعد داخله.
حدق في والدته.
إذن كنت تعرفين.
أومأت سعاد برأسها.
وأخبرته أن والده سعد كان يعمل محاسبًا لدى رياض الجبوري.
وخلال عمله، اكتشف تحويلات مالية مشبوهة، ورشى، وعقارات تم شراؤها بأموال مأخوذة من الشركة بطرق غير قانونية.
وفي الليلة التي توفي فيها، اتصل سعد بزوجته.
أخبرها أنه يحمل أدلة، وأنه ذاهب لمقابلة صحفي وتسليمها له.
لكنه لم يصل.
وفي صباح اليوم التالي، حضر شرطيان إلى المنزل وأخبراها أن سعد توفي في حادث سير.
لكن حقيبته اختفت.
وهاتفه اختفى أيضًا.
نظر علي إلى والدته وكأنه يراها للمرة الأولى.
لماذا لم تخبريني بأي شيء؟
رفعت سعاد عينيها إليه.
وقالت
لأن شخصًا وضع رصاصة فوق وسادتك بعد أسبوعين.
تجمد علي في مكانه.
لم يستطع الرد.
واصلت سعاد حديثها.
قالت إنها تلقت بعد ذلك اتصالًا هاتفيًا.
كان المتحدث رجلًا.
وأمرها بأن تقبل رواية حادث السير كما هي.
وأن تنتقل من الحي.
وأن تنسى اسم عائلة الجبوري بالكامل.
وإذا تحدثت إلى أحد، فسيكون ابنها هو التالي.
فجأة
انتقالهم المستمر من منزل إلى آخر.
خوف والدته الدائم.
رفضها الحديث عن