عاد ليقتحم البيت مع أمه وأخته... لكنه وقف مصدومًا أمام باب لم يعد يخصه!
المحتويات
أخاف أن يراني أحد.
قال جاسم بصوت منخفض وغاضب
هل أنتِ سعيدة بما تفعلينه؟
كان واضحًا أنه يشعر بالإهانة أمام الآخرين.
قلت بصدق
لا. كنت أتمنى ألا أضطر إلى فعل هذا.
لا توجد امرأة تحلم بأن تمنع زوجها من دخول البيت، بينما تقف أمه وأخته في الممر ومعهما الحقائب.
لا تصل المرأة إلى هذه اللحظة لأنها تستمتع بها.
تصل إليها لأنها تعبت إلى درجة لم تعد تستطيع بعدها أن تتحمل المزيد.
قلت أخيرًا بصوت لا يسمح بأي نقاش
اسمعني جيدًا. انتهى الكلام. أنت أو محاميك تستطيعون التواصل مع رنا غدًا. كل ما تحتاجه موجود داخل الملف. أمينة، سارة... أنا آسفة لأنكما وجدتما نفسيكما في هذا الموقف، لكنني لن أتحمل نتيجة قرار لم أتخذه. أنتما لستما مسؤوليتي.
نظرت إلى جاسم للمرة الأخيرة، ثم قلت أصعب جملة نطقتها في تلك الليلة
لا أريدك في بيتي بعد الآن.
لم أصرخ.
ولم أبكِ.
ولهذا، نزلت الجملة عليه بقوة أكبر من أي صراخ.
أمسكت سارة بذراع أمها وقالت بحزم
دعينا نذهب.
تردد جاسم للحظات.
كان يبحث عن كلمة أخيرة يقولها.
عن جملة تؤلمني.
عن رد يعيد له شعوره بأنه ما زال يسيطر على الموقف.
لكنه لم يجد شيئًا.
الرجل الذي كان يصر دائمًا على أن تكون له الكلمة الأخيرة، لم يجد هذه المرة أي كلمة يقولها.
صباح اليوم التالي
استيقظت في صباح اليوم التالي قبل أن
نظرت إلى الجانب الفارغ من السرير، وعادت الحقيقة إلى ذهني بهدوء.
دخلت الحمام، ثم ارتديت بدلتي الزرقاء الداكنة المفضلة، وأعددت كوبًا من القهوة القوية.
رن هاتفي.
كان جاسم.
تركته يرن.
اتصل مرة أخرى.
لم أجب.
وفي المحاولة الثالثة، ظهرت رسالة على الشاشة
يجب أن نتحدث. أمي في حالة سيئة جدًا. سارة لا تفهم ما يحدث. أنتِ بالغتِ كثيرًا.
شعرت فجأة أن بيني وبينه مسافة كبيرة، مسافة لم أشعر بها من قبل، رغم أننا عشنا في بيت واحد طوال اثنتي عشرة سنة.
كان اسمه ظاهرًا أمامي على شاشة الهاتف، لكنني لم أشعر أنني أنظر إلى اسم الرجل نفسه الذي شاركني كل تلك السنوات.
كأن شيئًا داخلي انطفأ بهدوء.
لم أشعر بالغضب الذي كنت أتوقعه.
ولم أشعر بالخوف.
حتى الحزن لم يكن بالطريقة التي عرفتها من قبل.
كان هناك شعور غريب بالبعد، وكأنني أقف على جهة، وهو يقف في جهة أخرى بعيدة، وبيننا سنوات كاملة من الكلام الذي لم يُقل، والمواقف التي مررت عنها بصمت، والمرات التي تنازلت فيها حتى يبقى البيت هادئًا.
قرأت رسالته مرة أخرى
يجب أن نتحدث. أمي في حالة سيئة جدًا. سارة لا تفهم ما يحدث. أنتِ بالغتِ كثيرًا.
توقفت عند كلماته.
مرة أخرى، كان يتحدث عن أمه.
وعن أخته.
وعن شعوره هو.
ولم يسألني ولو مرة واحدة إن كنت أنا بخير.
لم يسألني
ولم يحاول أن يفهم ماذا فعل بي طوال السنوات الماضية.
حتى في رسالته، كان يرى نفسه الضحية، ويراني أنا المشكلة.
وضعت هاتفي أمامي للحظات، وأخذت نفسًا طويلًا.
ثم كتبت له سطرًا واحدًا فقط
كل الكلام سيكون عن طريق رنا الجبوري.
لم أشرح.
لم أبرر.
لم أكتب رسالة طويلة أذكّره فيها بكل ما حدث.
ولم أحاول أن أجعله يفهم شيئًا رفض فهمه طوال اثنتي عشرة سنة.
كنت أعرف أن أي كلمة إضافية ستفتح بابًا جديدًا للجدال، وهو الباب الذي دخلت منه مرات كثيرة من قبل، وخرجت منه دائمًا وأنا أشك في نفسي، رغم أنني كنت أعرف في داخلي أنني لم أكن مخطئة.
نظرت إلى الجملة القصيرة قبل أن أرسلها.
ثم ضغطت على زر الإرسال.
وبعدها حظرت رقمه.
ظللت أنظر إلى الشاشة لعدة ثوانٍ.
لم يحدث شيء كبير.
لم تهتز الأرض.
ولم أشعر بانتصار مفاجئ.
لكنني شعرت أنني أغلقت بابًا ظل مفتوحًا أكثر مما يجب.
بابًا كان يدخل منه إلى يومي ووقتي وهدوئي في أي لحظة يريدها، ثم يترك خلفه الفوضى ويرحل.
وضعت الهاتف جانبًا، وأكملت استعداداتي للعمل.
عندما وصلت إلى مقر الشركة وسط بغداد، كان المكان قد بدأ يمتلئ بالموظفين.
صوت الهواتف، وخطوات الناس في الممرات، وأبواب المكاتب التي تُفتح وتُغلق...
كل شيء كان يسير كالمعتاد.
لكنني لم أكن كما كنت بالأمس.
ما إن
كان بعضهم ينتظرني عند باب المكتب، وبعضهم وقف من مكانه عندما رآني.
رأيت في وجوههم فرحة حقيقية لم أجدها في بيت كنت أظنه المكان الذي يجب أن أجد فيه أول من يفرح بي.
قال أحد الزملاء
مبارك أستاذة ميار، تستحقين هذا المنصب من زمان.
وقالت إحدى الموظفات وهي تبتسم
كلنا كنا نعرف أن الدور سيصل إليكِ.
شكرتهم بهدوء، لكن أصواتهم دخلت إلى قلبي بطريقة لم أتوقعها.
وعندما وصلت إلى مكتبي، وجدت باقة زهور جميلة موضوعة فوق الطاولة.
كانت مرتبة بعناية، وبجانبها بطاقة صغيرة أرسلها قسم الموارد البشرية، ومكتوب عليها
مبارك لكِ منصب المديرة.
وقفت أمامها طويلًا.
لم تكن مجرد زهور.
ولم تكن الكلمات المكتوبة على البطاقة مجرد تهنئة عادية.
كانت تذكيرًا واضحًا بأن هناك مكانًا يرى تعبي.
مكانًا يعرف كم سنة عملت.
وكم مرة بقيت بعد انتهاء الدوام.
وكم مشكلة تحملت مسؤوليتها.
وكم مرة أنقذت مشروعًا كان على وشك الفشل.
هناك، لم يكن أحد يطلب مني أن أصغر حتى يشعر هو بأنه أكبر.
لم يكن نجاحي مشكلة.
ولم يكن منصبي شيئًا يجب الاعتذار عنه.
وضعت يدي على طرف الطاولة، ونظرت إلى الزهور، وشعرت بالفرق الكبير بين عالمين كنت أعيش بينهما كل يوم.
عالم يحترمني بسبب عملي، ويقدّر جهدي، ويرى أن وصولي إلى هذا
وبيت كان ينظر إليّ فقط كشخص يجب أن يكون جاهزًا لخدمة الجميع.
في
متابعة القراءة