كان هناك رجل لديه ثلاث اولاد
"كنت أعلم أن أخلاقك أكبر من كل الاتهامات، واليوم عرف الجميع من كان صادقًا."
جلس أفراد الأسرة في صمتٍ ثقيل، ولم يكن أحدٌ قادرًا على نطق كلمة واحدة. كانت الدموع تملأ العيون، والندم يسيطر على القلوب، وكل واحدٍ منهم يسترجع في ذهنه كل لحظة مرّت خلال الأيام الماضية، وكأن شريط الذكريات عاد من جديد أمام أعينهم.
تذكّر الأب كيف قسا قلبه على ابنته دون أن يمنحها فرصة لتدافع عن نفسها، وتذكّر نظراتها البريئة وهي تحاول أن تقنعه بصدقها، لكنه لم يُصغِ إليها. شعر يومها أن قلبه انكسر ألف مرة، وأدرك أن الإنسان قد يندم على كلمة قالها في لحظة غضب، لكنه قد يعجز عن محو أثرها من قلب من ظلمه.
أما الابنة، فكانت تنظر إلى والدها بعينين امتلأتا بالدموع، لكنها لم تحمل في قلبها حقدًا ولا رغبة في الانتقام. كانت تؤمن أن الله لا يضيع حق المظلوم، وأن الصبر مهما طال لا بد أن يعقبه فرج، ولذلك اكتفت بأن تقول بصوتٍ هادئ:
"الحمد لله الذي أظهر الحق، فما كنت أريد إلا أن يعرف أبي أنني لم أكذب عليه
اقترب الأب منها وهو يبكي بكاءً شديدًا، واحتضنها طويلًا، وقال:
"يا ابنتي... سامحيني، لقد أخطأت في حقك، ولم أكن الأب الذي يحميك كما ينبغي. لقد صدّقت كلامًا بلا دليل، وجرحت قلبًا كان يستحق مني الثقة لا الشك. والله لو استطعت أن أعيد الأيام إلى الوراء لفعلت، ولكن ما مضى لا يعود."
ابتسمت الابنة رغم دموعها، وقالت:
"يا أبي... يكفيني أنك عرفت الحقيقة، وأنا سامحتك منذ أول لحظة، لأنني أعلم أنك لم ترد ظلمي، وإنما خدعتك الأكاذيب."
ازدادت دموع الأب، وشعر أن كلمات ابنته كانت أثقل على قلبه من أي عتاب.
أما الأخ الأكبر، فقد وقف صامتًا للحظات، ثم قال:
"لقد تعلمنا اليوم درسًا لن ننساه ما حيينا. ليس كل ما يُقال يُصدَّق، وليس كل من يبكي يكون مظلومًا، وليس كل من يصمت يكون مذنبًا."
هز الجميع رؤوسهم موافقين، فقد كانت تلك الكلمات تلخص ما عاشوه من ألم.
وبعد أيام، تغيّر حال ذلك البيت تمامًا. اختفت المشاحنات، وعاد الهدوء يملأ أركانه. أصبح الأب يجلس كل مساء مع أبنائه، يستمع
وكان يردد دائمًا:
"لا تحكموا على أحد حتى تسمعوا منه، ولا تجعلوا الغضب يقودكم إلى ظلم أحب الناس إليكم."
وصارت الابنة مثالًا للصبر بين أهل القرية، وكل من عرف قصتها كان يقول:
"ما ضاع حق وراءه رب كريم."
أما الأب، فلم ينسَ ما حدث طوال حياته، وكان كلما رأى أحدًا يظلم غيره أو ينقل كلامًا بلا دليل، قصّ عليهم حكايته ليكونوا عبرة لمن بعدهم.
وكان يقول:
"لقد خسرت راحة قلبي بسبب كلمة سمعتها دون أن أتحقق منها، فلا تكرروا خطئي. إن العدل لا يحتاج إلى قوة، بل يحتاج إلى ضمير حي."
وأدرك الجميع أن الظلم قد ينجح أيامًا أو شهورًا، لكنه لا يستطيع أن ينتصر إلى الأبد، لأن الله سبحانه وتعالى يمهل الظالم، ولا يهمله، ويجعل لكل مظلوم ساعة يظهر فيها الحق مهما طال الزمن.
وتيقن أفراد الأسرة أن الصدق هو النجاة، وأن الكذب قد يمنح صاحبه مكسبًا مؤقتًا، لكنه يهدم حياته في النهاية، وأن الثقة بين أفراد الأسرة كنز لا
وهكذا طُويت صفحة مليئة بالألم، لكنها فتحت صفحة جديدة عنوانها الرحمة، والعدل، وحسن الظن، والتثبت قبل إصدار الأحكام.
ولذلك كان الأب يختم حديثه دائمًا لأبنائه بقوله:
"تذكروا يا أبنائي أن الله مطّلع على السرائر، وأن المظلوم قد ينام وقلبه مكسور، لكنه يستيقظ وقد كتب الله له الفرج، أما الظالم فقد يظن أنه انتصر، لكنه لا يعلم أن حسابه عند الله أعظم."
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
فاللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل، وأبعد عنا الظلم والبهتان، واجعلنا من أهل العدل والإحسان، وأصلح قلوبنا وأحوالنا، واجعل خاتمة أعمالنا خيرًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد ما ذكره الذاكرون،