بعد 10 سنوات من دفن ابنتها... رنّ هاتف المنزل، وكان المتصل هي!
في الأفلام، حيث يُفتح الباب فجأة، ويتعرف الجميع إلى بعضهم في اللحظة نفسها.
كان بطيئًا.
ومتعبًا.
ومليئًا بملفات الولادات المغلقة، وسجلات التبني المزورة، والأسماء التي تغيرت، والناس الخائفين الذين ادعوا أنهم لا يتذكرون شيئًا.
في تلك المناطق، كانت الحقائق القبيحة تعرف كيف تدفن نفسها تحت نفوذ المسؤولين، وأسماء العائلات المعروفة، والخوف المتراكم.
عدت إلى منزلي، لكنني لم أعد أعيش بالطريقة نفسها.
ظل البئر محاطًا بشريط أصفر خاص بمسرح الجريمة.
وأعدت صورة زهراء إلى مكانها في غرفة الجلوس، لكن من دون زجاج يغطيها هذه المرة.
وضعت قلادة الهلال الفضي بجوار الشمعة.
وفي كل ليلة كنت أبدل كأس الماء وأقول لها
أنا أقترب يا ابنتي. لا تتركيني.
بعد نحو شهرين، وفي أحد الأيام، جاء ليث يركض في الطريق المغطى بالحصى المؤدي إلى منزلي.
كان يحمل ورقة قانونية بيده، ويتنفس بصعوبة.
قال
خالتي...
ولم يستطع إكمال الجملة.
كان اسم الصبي يوسف.
وكان عمره عشر سنوات.
يعيش في بغداد مع زوجين مسنين من أسرة بسيطة، وقد سجلاه رسميًا على أنه ابنهما.
كانت المرأة التي ترتدي الوشاح الأزرق قد توفيت بالسرطان قبل سنوات.
أما زوجها، وبعد أن أصيب بمرض خطير، فقد اعترف لمرشد ديني زاره في المستشفى بأن الطفل سُلّم إليهما من أجل حمايته من رجال أقوياء.
قالا إنهما لم يعرفا بوجودي.
أو على الأقل، أقسما أنهما لم يعرفا.
رأيته للمرة الأولى داخل مكتب تابع لدائرة الرعاية الاجتماعية في بغداد.
لم يكن اللقاء في حديقة جميلة تغمرها الشمس.
ولم تصاحبه موسيقى مؤثرة كما في المسلسلات.
كان يوسف جالسًا فوق كرسي بلاستيكي، ويداه ممدودتان فوق ركبتيه.
كان نحيفًا.
ذا شعر أسود.
وكان يحمل عيني زهراء.
العينين الحادتين نفسيهما.
شعرت بأن ابنتي تنظر إليّ من وجه آخر.
قال بحذر
مرحبًا.
لم أندفع لأحتضنه.
كنت أريد ذلك.
والله وحده يعلم كم كنت
لكن ذلك الصبي لم يكن جائزة أعادتها الحياة لتعوضني عن حزني.
كان إنسانًا سُرقت منه حياته وتاريخه أيضًا.
انحنيت أمامه ببطء، وأصدرت مفاصلي صوتًا خافتًا.
قلت
مرحبًا يا يوسف. اسمي أم زهراء.
نظر إليّ بجدية لا تناسب طفلًا في عمره.
قال
قالوا لي إنك جدتي.
دخلت الكلمة إلى صدري كشيء دافئ ومؤلم.
قلت
هذا ما تقوله الأوراق. لكن يمكنك أن تأخذ كل الوقت الذي تحتاجه حتى تعرف من أكون بالنسبة إليك.
نظر إلى قلادة الهلال الفضي في كفي المفتوحة.
قال
رأيت هذا الشكل من قبل.
توقف قلبي.
سألته
أين؟
أدخل يده في جيب سترته، وأخرج سوارًا قديمًا مصنوعًا من خيط أحمر، مهترئًا وباهت اللون، يكاد يتفكك.
قال
المرأة التي ربتني قالت إنه كان لأمي الحقيقية. وقالت إذا جاء شخص يحمل الهلال الفضي المطابق، فهذا يعني أنه من عائلتي الحقيقية.
بكيت.
لكنني لم أبكِ بصوت مرتفع، لأنني لم أرد إخافته.
انحدرت الدموع من عيني مثل مطر الصيف فوق أرض عطشى.
قلت له بهدوء
كان اسم أمك زهراء. وكانت تغني بصوت غير منسجم وهي تغسل الصحون. وكانت تكره أن يعاملها الناس كطفلة. وكانت تحب الحلوى، وتقول دائمًا إنها ستسافر يومًا لترى البحر.
خفض يوسف عينيه.
ثم سأل
هل ماتت؟
حطم سؤاله المباشر ما بقي في داخلي.
قلت
نعم يا حبيبي.
ابتلعت الغصة في حلقي.
ثم أضفت
لكنها لم تمت بالطريقة التي أخبرنا بها الرجال السيئون.
لم يسأل شيئًا آخر في ذلك اليوم.
فالأطفال يعرفون بفطرتهم أن بعض الحقائق تحمل وزنًا أكبر من أن تُفتح كلها دفعة واحدة.
المذبح التذكاري
لم يسقط رائد السامرائي فورًا.
فالرجال الذين يملكون كل ذلك النفوذ لا يسقطون كالأشجار التي تُقطع بضربة واحدة.
إنهم ينهارون مثل البيوت القديمة المهجورة.
تظهر الشقوق أولًا في الأساسات.
ثم تبدأ الجرذان السياسية بالهرب.
وبعدها يدعي كل من في المدينة أنه كان يعرف منذ البداية
حاول شقيقه، المحامي فاضل، الهرب باتجاه الحدود الشمالية.
لكن القوات الأمنية ألقت القبض عليه عند إحدى نقاط التفتيش.
كان يحمل مبالغ كبيرة من المال، وجوازات سفر مزورة، والخاتم الذهبي ذا الحجر الأسود ما يزال في إصبعه.
أما المحافظ رائد السامرائي، فقد أنكر كل شيء أمام القنوات الإخبارية.
وادعى أن القضية مؤامرة سياسية ضده.
وقال إن زهراء كانت فتاة مضطربة نفسيًا.
وأخبر الصحفيين أنني امرأة مسنة مشوشة، لا أتذكر الأمور بصورة صحيحة.
لكن الدفتر تكلم.
وشريط التسجيل تكلم.
وأمينة تكلمت.
والبئر الموجود في حديقتي تكلم.
وكان يوسف موجودًا.
وهذا أكثر ما أخاف الأخوين السامرائي.
فهو دليل حي يتنفس، ودليل وراثي يثبت أن زهراء لم تمت في المكان الذي ادعوا أنها ماتت فيه، ولا في الوقت الذي قالوا إنها ماتت فيه، ولم تكن وحدها.
بعد أشهر، وفي مساء خريفي هادئ وبارد، لم أذهب إلى ساحة البلدة ولا إلى مجلس التأبين السنوي، رغم أن الشموع كانت مضاءة في كل مكان كما يحدث كل عام.
بقيت داخل منزلي.
أعددت ركنًا كبيرًا لذكرى زهراء في غرفة الجلوس.
كان أكبر من أي وقت مضى.
وضعت زهورًا بيضاء امتدت من مدخل المنزل إلى طاولة الطعام.
وأشعلت البخور.
ووضعت خبزًا طازجًا.
وكأس ماء جديدًا.
وصورة زهراء.
وقلادة الهلال الخاصة بها.
وشمعة صغيرة منفصلة للمرأة التي كنتها قبل أن أصدق أكاذيبهم.
جاء يوسف برفقة ليث وأم علي.
دخل المنزل بصمت، وهو ينظر إلى كل شيء حوله.
كان يرتدي سترة زرقاء مرتبة، وشعره الأسود مصفف بعناية.
توقف أمام صورة زهراء.
وظل ينظر إليها وقتًا طويلًا دون أن يتكلم.
ثم قال
لدي عيناها.
قلت
نعم، لديك عيناها.
سأل
هل كانت تعرف بوجودي؟
اقتربت منه.
قلت
لقد حاربت من أجلك قبل أن تولد.
أخذ يوسف نفسًا عميقًا مرتجفًا.
ثم وضع سوار الخيط الأحمر المهترئ بعناية بجانب صورة زهراء.
وقال
إذن أخبروها أنني
لم أعد قادرة على منع نفسي.
بكيت أمام الجميع.
وسمح لي يوسف بأن أحتضنه للحظات.
كان جسده متصلبًا في البداية.
ثم ارتخت ذراعاه الصغيرتان قليلًا، والتفتا حول عنقي.
لم يكن عناقًا مثاليًا كما يحدث في الأفلام.
كان مرتبكًا.
وجديدًا.
وحذرًا.
لكنه كان حقيقيًا تمامًا.
في تلك الليلة، وبينما كانت أصوات أجراس الكنيسة البعيدة تختلط بأصوات المساجد في البلدة، وكانت الريح تهز سقف المنزل المعدني، بدأ الهاتف الأرضي القديم المعلق على جدار المطبخ يرن.
توقفنا جميعًا عن الحركة.
رن مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات.
نظر يوسف إليّ.
ووضعت أم علي يدها على صدرها.
سرت ببطء نحو الهاتف.
لكن يدي كانت ثابتة هذه المرة.
رفعت السماعة.
قلت
ألو؟
لم يكن هناك صوت في الجهة الأخرى.
لم أسمع سوى تشويش خافت.
ثم ثلاث طرقات واضحة ومنتظمة.
طرق.
طرق.
طرق.
أغمضت عيني.
لم أشعر بالخوف.
شعرت بسلام كامل.
همست في السماعة
وجدته يا ابنتي. لقد وجدت ولدك.
انقطع الاتصال بصوت خافت.
وفي الخارج، بدأت كلاب القرية تنبح في الليل.
كما يجب أن تفعل.
وكما تفعل دائمًا عندما يزول الخطر أخيرًا.
عدت إلى ركن زهراء وأمسكت بيد يوسف.
لم أستعد زهراء.
لا يستطيع أحد أن يعيد ابنة من التراب البارد، أو من العنف، أو من عشر سنوات من كذبة صنعتها السلطة وحمتها.
لكنني استعدت حقيقتها.
واستعدت اسمها.
واستعدت ابنها الذي حاولوا محوه قبل أن يتعلم الكلام.
وفهمت أخيرًا أن الموتى لا يعودون دائمًا لإخافتنا.
أحيانًا يعودون لأننا نحن الأحياء كنا مطيعين أكثر مما ينبغي.
لأننا أبقينا صناديق مغلقة كان يجب أن نفتحها.
ولأننا صدقنا رجالًا يرتدون خواتم ذهبية ويتحدثون بكلمات مصقولة.
في تلك الليلة، وقفت أمام صورة ابنتي.
كان دخان البخور يرتفع نحو السقف، والشموع تتوهج فوق الطاولة كأنها نار دافئة.
ووعدتها
ما دمت أتنفس، فلن أسمح لأحد بأن يدفنك في الصمت
ضغط يوسف على يدي.
ولأول مرة منذ عشر سنوات مؤلمة، لم أشعر بأن المنزل وحيد.
شعرت بأنه محروس بروح ابنة استطاعت، حتى بعد موتها، أن تجد طريقًا لتطرق الباب ثلاث مرات.