جوزي الفقير حكايات زهرة
مراحش لطارق الأول زي ما أمي كانت عايزة تذله.
بدأ بأكبر واحد قاعد، خالى الكبير، وصب له وهو واقف بكل أدب واحترام وانحناءة راجل أصيل.
وبعدين لف على خالاتي واحدة واحدة، وبعدها راح لأمي.. وقف قدامها، صب لها الكوباية وبكل ذوق وطى على إيدها باسها وقالها: "اتفضلي يا أمي، بالهنا والشفا."
أمي في اللحظة دي وشها جاب مية لون، الإحراج كل ملامحها، كانت فاكراه هيثور أو يتكسر، لكنه بكرم أخلاقه صغرها قدام العيلة كلها وظهر هو في مظهر الملك وهم الصغار.
أخيراً، وصل لطارق.. طارق كان قاعد وشه حمر، حاسس إن الحركة اللي عملها مصطفى قلبت السحر على الساحر. مصطفى صب لطارق وبص له بابتسامة خفيفة وقاله: "اتفضل يا باشا، مطرح ما يسري يمري." طارق مد إيده ياخد الكوباية وهو مش قادر يحط عينه في عين مصطفى.
في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف
ظهر في عيونه في ثانية
في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف ظهر في عيونه في ثانية. رد بسرعة وصوته كان بيترعش: "أيوة يا مدحت.. في إيه؟ بتقول إيه؟!"
فجأة طارق وقف على رجليه، الكوباية اتقلبت من إيده والمية اتدَلقت على الأكل وعلى لبسه الغالي، بس هو مكنش حاسس بالدنيا أصلاً. وشه بقى أبيض زي الورقة، وصوته طلع مخنوق وهو
"يعني إيه الشحنة كلها اتحجزت في الميناء؟ ويعني إيه قضية تهرب وفساد مالي؟ المحلات والشركة هيتقفلوا بالبلك الأحمر؟! يا نهار أسود.. أنا كدة هفلس وهتوجع في سجن! اتصرف يا مدحت، شوف أي حد من الكبار، ادفع أي مبلغ!"
الصوت في الصالة اقطع تماماً، أمي وقفت مذهولة، وأختي الكبيرة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط من الصدمة. طارق كان بيسمع الطرف التاني في التلفون وهو بيتنفس بصعوبة، وفجأة قال: "يعني إيه مفيش فايدة؟ مين اللي ماسك القضية والملف ده؟ مين رئيس لجنة الفحص والرقابة اللي رافض أي كلام؟"
طارق سكت ثواني بيسمع الاسم، وفجأة عينه اتسعت بطريقة مرعبة، التلفون وقع من إيده على الأرض واتكسر ميت حتة. لف ببطء شديد، وعيونه
جت في عين جوزي "مصطفى".. وبصوت يكاد يكون مسموع وهدومه غرقانة مية، قال:
"أنت.. أنت الأستاذ مصطفى الشافعي؟ رئيس الإدارة المركزية للرقابة المالية والمتابعة اللي منقول جديد؟!"
الجمود حل على المكان، الكل مبقاش فاهم حاجة. أمي بتبص لطارق وبتبص لمصطفى وهي مش مستوعبة. أختي الكبيرة صرخت: "في إيه يا طارق؟ إيه اللي جاب مصطفى الغلبان ده لشغلك وشركتك المليونيرة؟!"
طارق وقع على الكرسي وهو بيبكي بدموع حقيقية، كبريائه كله اتمسح في الأرض، وبص لأمي وقال بنبرة مكسورة:
"مصطفى الغلبان اللي كنتوا بتتريقوا عليه.. هو الراجل اللي في إيده يمضي بخراب بيتي وسجني، أو ينجيني! هو رئيس اللجنة العليا اللي بقالنا شهر بنجري
الكل لف بمصايب عيونهم ومصوبينها ناحية مصطفى، اللي قعد مكانه بكل هدوء، حط الشفشق على التربيزة، وبص لطارق بنظرة كلها حكمة وقار، مفيهاش أي شماتة، بس فيها قوة تزلزل الجبال.
أنا نفسي كنت قاعدة مذهولة، وبصيت لمصطفى ودموعي نازلة بس المرة دي دموع فخر: "مصطفى.. الكلام ده بجد؟"
مصطفى طبطب على إيدي بحنية وقال بصوت يسمعه الكل:
بجد يا منال.. أنا عمري ما حبيت أتكلم عن شغلي أو سلطتي وسط العيلة، وعمري ما حبيت أتباهى بمنصبي اللي ربنا كرمني بيه من كام شهر بعد ترقية كبيرة وتعيين سري في الرقابة. أنا دخلت البيت ده كإنسان، عايز ناس تشتريني لشخصي ولأخلاقي، مش لمنصبي وفلوسي. كنت دايماً بسكت على كلام حماتي وتقليلها مني، عشان كنت بقول دي ست كبيرة وأم مراتي وليها حق عليا، ولأني مش محتاج أثبت لحد أنا مين."
أمي رجليها مكنتش شايلاها، قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، النبرة التريّاقية والضحكة الخبيثة اتمسحت تماماً من وشها. بصت لمصطفى بعيون مليانة رعب وكسوف، مش قادرة حتى تنطق بكلمة واحدة، تفتكر كل كلمة تهزيق، وكل لقطة قللت فيها منه، وتفتكر جملتها الأخيرة: "فقير القوم خادمهم".
طارق زحف بركبه حرفياً لحد ما وصل لجنب كرسي مصطفى، ومسك في إيده وقال بنبرة ذل:
"أبوس إيدك يا مصطفى بيه.. اعتبرني أخوك الصغير، الورق اللي عندك لو اتمضى
مصطفى سحب إيده بكرامة وهدوء شديد، ووقف على حيله وبص لطارق وقال:
"يا طارق
بيه.. الفلوس اللي كنت بتتنطط بيها على الخلق، وبتعاير بيها الغلبان، طلعت مش بتاعتك، دي فلوس بلد وحق ناس غلابة أنت أكلته بالباطل والتهرب. مصطفى الشافعي مبيتحركش بأوامر من حد، ولا بيمضي على ورق حرام، ولا بيجامل على حساب ضميره ودينه وقسمه اللي أقسمه. القانون هياخد مجراه، ولو ليك حق هتاخده، لو عليك حق.. هتدفعه تالت ومتلت."
التفت مصطفى ليا، ومد إيده بكل حنان وقالي: "يلا بينا يا منال.. العزومة دي كدة خلصت بالنسبة لنا."
أمي وقفت وهي بترتعش، ودموعها نازلة، وحاولت تتكلم وتقول: "يا مصطفى يا ابني.. أنا.."
مصطفى قاطعها بابتسامة حزينة بس مليانة عزة نفس وقالها:
"معذورة يا حماتي.. الفقر فعلاً بيوجع، بس فقر النفس والأخلاق هو اللي بيوجع بجد ويموت صاحبه وهو عايش. الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، واليوم طارق كان فوق وبكرة تحت، بس الراجل بيفضل راجل بأصله ودينه. تصبحوا على خير."
أخدني مصطفى من إيدي وخرجنا من باب البيت، وأنا راسي مرفوعة للسما، حاسة إني متجوزة ملك، راجل هز العيلة كلها بأدبه قبل منصبه. ومن يومها، أمي مبقتش تقوى تحط عيونها في عيونه، وطارق دفع تمن طمعه وجشعه، وعرفوا كلهم إن القيمة مش في الجيب.. القيمة
والأصل النضيف.