اتصل بي أخي صباحًا وسألني أين زوجك الآن؟
اتصل بي أخي صباحًا وسألنيأين زوجك الآن؟ أجبته دون تردد في البصرة. سافر أمس لحضور اجتماعات عمل.
ومع أول خيط من ضوء الصباح كنت قد اتخذت قراري النهائي.
لم أفكر في الأمر على أنه هروب.
بل اعتبرته عملية جراحية تُجرى من دون مخدر؛ فإذا كنت أريد إنقاذ ما تبقى من حياتي، فعليّ أن أقطع الجزء الفاسد منها دفعة واحدة.
جلست في محطة المسافرين بالمطار، وبينما كان الناس يجرّون حقائبهم ويتبادلون أحاديث السفر، فتحت التطبيق البنكي بيدين مرتجفتين.
وخلال دقائق اكتشفت أن ياسر أنفق ما يقارب مليون دينار خلال ثلاثة أيام فقط.
إقامة فاخرة.
عشاءات باهظة.
مواعيد في مركز السبا.
وجولات سياحية داخل دهوك.
بل وحتى مشتريات من أحد محال المجوهرات.
أما الجزء الأكثر إذلالًا...
فكان أن جميع تلك المصروفات ظهرت وكأنني أنا من وافق عليها ومولها من حسابي الخاص.
قبل موعد الرحلة اتصلت بمحامية أوصتني بها إحدى زميلاتي في العمل.
كانت تُدعى نادية السامرائي.
امرأة هادئة تتحدث بثقة لا تمنح الأمل الكاذب، لكنها تمنحك شعورًا بأن الأمور ما زالت قابلة للسيطرة.
استمعت إلى قصتي كاملة.
ثم قالت
لا تواجهيه قبل أن تجمعي كل الأدلة.
احتفظي بكشوف الحسابات، وتسجيلات الكاميرات، وصور الحجوزات، وأي رسالة أو مستند قد تحتاجينه لاحقًا.
ثم أضافت بنبرة عملية
اكتشاف الحقيقة يؤلم، لكن التصرف بالأموال دون علم صاحبها قد يغيّر مسار القضية بالكامل.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
وقلت
لدينا منزل أيضًا.
فأجابت فورًا
إذًا لا توقّعي أي ورقة، ولا تمنحيه فرصة للتصرف في أي أموال أو ممتلكات قبل مراجعة كل شيء.
أغلقت المكالمة وأنا أشعر بأن الصورة أصبحت أوضح.
وخلال الرحلة ظللت أحدق من نافذة الطائرة.
كنت أفكر في منزلنا.
في غرفة الجلوس التي قضيت أسابيع وأنا أختار تفاصيلها.
في الأموال التي ادخرتها لسنوات من أجل ترميم البيت.
وفي كل مرة حدثني فيها ياسر عن المستقبل وكأنه كان يخطط له معي.
فجأة بدأت تلك الذكريات تبدو مختلفة.
لم تعد تبدو أفعال رجل محب.
بل أفعال رجل كان يستعد لشيء ما.
وصلت إلى دهوك قرابة الظهيرة.
وكان حسن بانتظاري خارج المطار.
رأيته واقفًا بجوار سيارته، وما إن لمحني حتى أسرع نحوي.
لم يسألني لماذا جئت.
ولم يطلب مني شرحًا.
اكتفى بأخذ حقيبتي من يدي كما كان يفعل منذ طفولتنا.
ثم قال
أنتِ أختي... ولن أسمح لأحد أن يؤذيك ما دمت حيًا.
عندها فقط شعرت بأنني على وشك البكاء.
فمنذ وفاة والدنا قبل سنوات، كان حسن يعتبر نفسه المسؤول عني.
وكان أول من يقف إلى جانبي في كل أزمة.
ثم وضع يده على كتفي وقادني نحو السيارة.
وحاول أن يرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه.
وقال
أمي اتصلت بي قبل أن تركبي الطائرة.
وأوصتني أن أعيدك إليها وأنتِ مرفوعة الرأس.
عانقته بقوة.
ثم سألته
هل ما زال في المنتجع؟
أومأ برأسه.
نعم. ما زال في الجناح 318. تناولا الفطور في الشرفة
ضحكت بسخرية مريرة.
بالطبع.
فلا شيء يشبه رحلة عمل عاجلة أكثر من قضاء يوم كامل في التنزه بين مصايف دهوك.
قاد حسن السيارة نحو المنتجع.
وكانت الجبال تظهر بين الحين والآخر على امتداد الطريق.
أما أنا فكنت أشعر أن المشهد كله أجمل بكثير من أن يحتمل ما أمرّ به.
لم يكن المنتجع ضخمًا أو فخمًا على نحو استثنائي.
ثلاثة طوابق فقط.
وشرفات تطل على المنحدرات الخضراء.
وساحة هادئة يتنقل فيها النزلاء بين المطعم والمقهى.
ما إن دخلت حتى اصطحبني حسن مباشرة إلى مكتبه.
كان هناك ملف موضوع فوق الطاولة.
وقال لي بصوت هادئ
قبل أن تفتحيه... حاولي أن تتمالكي نفسك.
لكنني لم أفعل.
فتحت الملف فورًا.
كانت هناك نسخة من استمارة الحجز.
توقيع ياسر.
وصورة هويته.
والبطاقة المرتبطة بحسابي البنكي.
كما وجدت فواتير الإقامة.
وحجوزات السبا.
وطلب تمديد الإقامة لليلتين إضافيتين.
ثم دفع حسن نحوي صورة التقطتها إحدى كاميرات المراقبة.
كان ياسر ينظر الى رنا وكأنه يعرفها منذ سنوات.
أما هي فكانت تبتسم بثقة كاملة.
لكن ما حطم ما تبقى بداخلي لم يكن رؤيتها.
بل رؤية السوار الذهبي في معصمها.
السوار الذي أهداني إياه والدي قبل سنوات.
السوار الذي احتفظت به في صندوق مجوهراتي ولم أرتده منذ أشهر.
قال حسن بصوت منخفض
عرفته فورًا.
ثم أشار إلى الصورة.
الأحرف المحفورة من الداخل ما زالت واضحة.
شعرت بحرارة حادة تصعد إلى حلقي.
وهمست
لقد أخذه من منزلي.
حاول حسن أن يقول شيئًا.
لكني قاطعته.
لا... اليوم لن أبكي.
هز رأسه بصمت.
مع أنه كان يعلم أن شيئًا ما بداخلي قد انكسر بالفعل.
كانت الخطة بسيطة.
قاسية...
لكنها نظيفة.
سيفعل حسن ما يفعله أي مدير منتجع مسؤول عندما تُرفض البطاقة المسجلة على الحجز وتظهر عليها إشارة مراجعة مصرفية.
سيطلب من النزيل وسيلة دفع أخرى قبل السماح بأي حجوزات أو مصاريف إضافية.
أما أنا...
فسأكون داخل المكتب أستمع إلى كل شيء عبر الهاتف الداخلي.
لم أرد صراخًا.
ولم أرد مشهدًا أمام الناس.
كنت أريده أن يسقط بكلماته هو.
عند الساعة الثانية وست عشرة دقيقة بعد الظهر رفع حسن سماعة الهاتف واتصل بالجناح.
أستاذ ياسر، أعتذر عن الإزعاج.
لكن البطاقة المسجلة على الحجز رُفضت.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سمعت صوت ياسر يتغير فجأة.
لا بد أن هناك خطأ. جرّبوا مرة أخرى.
أجاب حسن بهدوء
لقد حاولنا أكثر من مرة.
إذًا أجروا العملية لاحقًا.
للأسف لا نستطيع.
ثم أضاف
كما ظهرت لدينا ملاحظة من المصرف بشأن احتمال وجود استخدام غير مصرح به للبطاقة.
انخفض صوت ياسر فجأة.
ومن الذي أبلغ عن ذلك؟
أجاب حسن
المصرف لا يزوّدنا بهذه المعلومات.
في تلك اللحظة سمعت صوت رنا في الخلفية.
وحين حاول ياسر خفض صوته، وصلني قوله بوضوح
بطاقة مريم لم تعد تعمل.
في تلك اللحظة انقطع آخر خيط من الشفقة كنت أتمسك
بعد أقل من عشر دقائق بدأ هاتفي يهتز.
ياسر.
تركت الاتصال ينتهي.
ثم اتصل مرة أخرى.
ومرة ثالثة.
وبعدها بدأت الرسائل