قطع 50 كيلومترًا ليطلب سلفة للكلية... فطرده خاله وألقى في وجهه حقيبة غيّرت حياته كلها

لمحة نيوز

بعد يومين فقط.
وما زلت لا أملك المال.
لكنني أصبحت أملك الحقيقة.
والحقيقة كانت ثقيلة جدًا.
لكنها لا تدفع الرسوم.
عدت إلى القرية وفي داخلي ظلام غريب.
كنت أظن أن خالي رفض مساعدتي فقط.
ثم اكتشفت أنه لم يرفضني فقط.
بل أخذ حقي أيضًا.
في تلك الليلة كنت جالسًا أمام المصباح الصغير.
وفجأة سمعت صوتًا من الخارج.
علي؟
فتحت الباب.
كان الواقف أمامي الأستاذ حيدر.
معلمي القديم في المدرسة.
الرجل نفسه الذي سمح لي أكثر من مرة أن أحضر الدروس رغم تأخر المصاريف.
والرجل نفسه الذي دفع من جيبه رسوم امتحاناتي في الصف الأخير.
ابتسم وقال
سمعت إن اسمك طلع بالكلية.
بقيت صامتًا.
نظر إلى وجهي.
ثم قال
وسمعت إن عندك مشكلة بالرسوم.
خفضت عيني.
سألني
شكد تحتاج؟
قلت بصوت خافت
150 ألف دينار.
سكت قليلًا.
ثم أخرج محفظة قماشية قديمة من جيبه.
وأخرج منها مبلغًا.
قال
هذا الموجود عندي الآن. والباقي أحچي ويا المدير وكم أستاذ بالمدرسة. ما نخليك تضيع.
رفعت رأسي بسرعة.
قلت
لا أستاذ. أرجعها لك. والله أرجعها، حتى لو بفوائد.
وضع يده على كتفي.
وقال
إذا تريد تدفع الفائدة، ادفعها بعلمك. يوم تصير قادر، ادفع رسوم طالب فقير ثاني.
في تلك الليلة بكيت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم أبكِ من الإهانة.
بل من الأمل.
في اليوم التالي، جمع أساتذة المدرسة تبرعات بصمت.
أحدهم أعطى عشرة آلاف.
وآخر أعطى خمسة آلاف.
صاحب الدكان الذي كنت أحمل عنده أكياس الرز أعطاني مبلغًا أكبر
مما توقعت.
وصاحب الفرن الذي كنت أشتري منه الصمون والمعجنات وضع أجرتي عن يومين، وأضاف فوقها مبلغًا آخر.
قال لي
خذها. ومن باچر لا تبيع صمون. روح للكلية.
عندما أمسكت تلك الأوراق النقدية، شعرت أنها ليست مجرد مال.
كانت دعوات قرية كاملة.
دفعت رسوم التسجيل.
ودخلت الكلية.
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
خبأت أوراق أمي تحت فراشي.
وبدأت حياتي في بغداد.
في النهار كلية.
وفي المساء عمل في مقهى صغير.
وفي الليل مكتبة ودراسة.
وفي العطل عمل بأي شيء أجده.
أحيانًا كان النوم يغلبني داخل المحاضرة.
وأحيانًا كنت أبقى بلا طعام.
وأحيانًا كان بعض الطلاب يسخرون مني.
صاحب الحقيبة القديمة.
ابن القرية.
راكب الدراجة.
لكنني لم أعد أنكسر.
لأنني كنت أعرف أن معركتي لم تعد مع الفقر وحده.
كانت معركة ضد مستقبل سُرق مني.
في السنة الأولى حصلت على المركز الأول.
وفي السنة الثانية حصلت على منحة دراسية.
وفي السنة الثالثة استدعاني عميد الكلية إلى مكتبه.
قال لي
علي، لماذا لا تدرس القانون؟ داخلك نار. وهذه النار تحتاج طريقًا صحيحًا.
في ذلك اليوم قررت.
سأصبح محاميًا.
لأنني فهمت أن الفقير إذا لم يكن يملك المال، فعليه على الأقل أن يملك القدرة على إثبات الحقيقة.
مرت السنوات.
بدأت لحيتي تظهر.
وقلّت ملامح الطفولة من وجهي.
وصار صوتي أكثر ثقلًا.
لكن الطفل الذي بداخلي كان يسأل أحيانًا
لماذا فعل خالي هذا؟
ولم يكن هناك جواب.
بعد تخرجي من كلية القانون، بدأت أعمل
مع محامٍ معروف في بغداد.
في النهار بين المحاكم والدوائر.
وفي الليل بين الملفات.
وتعلمت شيئًا مهمًا.
الأوراق لا تكذب.
البشر يكذبون.
لكن التواقيع تتكلم.
والتواريخ تتكلم.
وسجلات المصرف تتكلم.
بدأت أعد ملف قضيتي بنفسي.
مريم ضد سعد كريم.
لا.
علي جاسم ضد سعد كريم.
القضية لم تكن قضية مليونين وستمئة ألف دينار فقط.
فمع الفوائد عبر كل تلك السنوات، صار المبلغ أكبر بكثير.
لكن الجريمة كانت أكبر من المال.
كانت خيانة أمانة.
رجل حمل صفة الولي على طفل يتيم، ثم سحب ماله.
وتركه للجوع.
قدمت الدعوى في المحكمة.
ووصل التبليغ إلى بيت سعد كريم.
بعد سنوات طويلة، وقفت مرة أخرى أمام البيت الكريمي ذي الطابقين في بغداد.
كان البيت مطليًا من جديد.
والدراجة القديمة لم تعد موجودة.
مكانها سيارة حديثة.
والبوابة الحديدية السوداء نفسها ما زالت هناك.
لكن هذه المرة لم أكن الفتى المتعرق الذي يحمل ورقة قبول ممزقة.
ولم تكن يدي ممدودة أطلب سلفة.
كان في يدي تبليغ قضائي.
فُتح الباب.
وكانت أميرة تقف أمامي.
في البداية لم تعرفني.
ثم اتسعت عيناها.
قالت
أنت؟
قلت بهدوء
السلام عليكم خالتي.
ومن خلفها ظهر خالي سعد.
كان شعره أكثر بياضًا.
وبطنه أكبر.
وعيناه متعبتين.
قال اسمي
علي...
لكن صوته هذه المرة كان يحمل الخوف.
مددت الورقة نحوه.
وقلت
خالي، هذا حساب مال أمي. نلتقي بالمحكمة.
سحبت أميرة الورقة من يده وقرأتها بسرعة.
احمر وجهها.
وقالت
هذا كذب! إحنا ما
ربيناك، صحيح، بس أمك ما تركت ولا فلس!
نظرت في عينيها.
وقلت
الأوراق تقول إنها تركت.
صرخت
الأوراق مزورة!
قلت
وسجل المصرف أيضًا مزور؟
كان خالي سعد صامتًا.
وصمته كان أكبر جواب.
ظلت أميرة تصرخ.
لكنني استدرت ومشيت.
لم أعد ذلك الولد الذي يقف عند الباب ويتوسل.
الآن الأبواب ستُفتح في المحكمة.
في أول جلسة، قال خالي سعد إن المال صُرف على رعايتي.
سأل المحامي
أين صُرف؟
قال
طعام، ملابس، مدرسة...
استدعى المحامي مختار القرية للشهادة.
وجاء الأستاذ حيدر.
وجاء صاحب الفرن.
وجاء صاحب الدكان.
وقالوا جميعًا
علي ربّى نفسه بنفسه.
ثم ظهرت سجلات المصرف.
ثم سجلات المدرسة.
ثم الطلب القديم الذي كتبته بيدي للحصول على مساعدة دراسية لأنني لا أملك رسومًا.
كل ورقة قطعت كذبة.
كانت أميرة جالسة في المحكمة ووجهها يغلي من الغضب.
وجاء ولداهما أيضًا.
كانا يرتديان ملابس أنيقة ويحملان هواتف حديثة.
همس الأكبر لأبيه
بابا، سوّوا تسوية. الفضيحة راح تكبر.
الفضيحة.
شعرت أنهم لم يكونوا خائفين من الذنب.
بل من الفضيحة فقط.
في يوم الجلسة الأخيرة، كانت القاعة ممتلئة.
قرأ القاضي قراره طويلًا.
ثبت أن سعد كريم أساء استعمال الثقة والمعلومات التي كانت لديه بصفته وليًا على حساب طفل يتيم.
وصدر الحكم بإلزامه بإرجاع المبلغ مع الفوائد.
كما سُمِح لي بتحريك دعوى أخرى عن خيانة الأمانة والاحتيال.
جلس خالي سعد مكانه.
صار وجهه مثل الرماد.
أما أميرة، فلأول مرة رأيتها
صامتة.
لكن داخلي لم يصرخ فرحًا.
لم أشعر بانتصار كبير.
كان هناك فراغ غريب.
كأن الإنسان قد يفوز بمعركة طويلة، لكنه لا يستطيع استرجاع طفولته.
خارج المحكمة، اقترب مني خالي.
قال
علي...
توقفت
تم نسخ الرابط