قطع 50 كيلومترًا ليطلب سلفة للكلية... فطرده خاله وألقى في وجهه حقيبة غيّرت حياته كلها

لمحة نيوز

ارتطمت الحقيبة بصدري ثم سقطت على الأرض، لكن الألم لم يكن في جسدي فقط.
كان الألم في مكان آخر.
أعمق بكثير.
في ذلك المكان الذي بقي داخله وهم صغير يقول إن رابطة الدم لا يمكن أن تتحول يومًا إلى غربة كاملة.
رفعت حقيبة الظهر القديمة بيدين مرتجفتين.
كان قماشها مهترئًا من أكثر من جهة.
والسحاب مكسورًا من نصفه.
وعلى أحد أطرافها ظهر شيء باهت يشبه تطريز يد أمي.
حرف صغير.
ع.
علي.
أول حرف من اسمي.
تجمدت أصابعي فوقه.
قالت أميرة وهي ترفع أنفها باشمئزاز
بعدك واقف تتفرج؟ إذا خلصت مسرحيتك، اطلع.
كان خالي سعد واقفًا عند الباب.
كان الغضب ظاهرًا على وجهه، لكن عينيه كانتا تقولان شيئًا آخر.
كأن رجلًا في داخله يبكي، بينما الرجل الواقف أمامي يخنقه حتى لا يسمع أحد صوته.
نظرت إليه للمرة الأخيرة.
وقلت بهدوء
تمام خالي. بعد اليوم ما أطلب منك أي شيء.
كان صوتي هادئًا جدًا.
وربما هذا الهدوء آلمه أكثر من الصراخ.
أمسكت دراجتي.
علّقت الحقيبة على المقود.
ثم استدرت.
ومن خلفي أُغلق الباب بقوة.
كان صوت الباب كأنه قفل أُغلق على فصل كامل من حياتي.
بدت طرق بغداد في طريق العودة أطول بكثير.
كانت الشمس قد بدأت تغيب، لكن حرارة الإسفلت ما زالت تصعد من الأرض.
قدماي كانتا ترتجفان.
وركبتاي تؤلمانني.
وشفتاي جافتين.
وقنينة الماء فارغة.
لكنني لم أتوقف.
لو توقفت، لكنت بكيت.
وفي ذلك اليوم لم أكن أريد أن أبكي.
لقد بكيت

كثيرًا في طفولتي.
قرب قبر أمي وأبي.
تحت سرير جدتي يوم رحلت.
في ليالي الجوع.
وأمام الناس عندما كنت أرجوهم أن يمهلوني حتى أدفع مصاريف المدرسة.
أما اليوم فلا.
اليوم كان داخلي شيء يحترق.
كان ذلك الشيء هو الإهانة.
وصوت العصا وهي تضرب الأرض.
وضحكة أميرة.
وتلك الجملة التي بقيت تدور في رأسي
أمك ماتت يعني لازم أبقى أصرف عليك طول عمري؟
زِدت سرعة الدراجة.
وصلت إلى القرية ليلًا.
كان البيت مظلمًا.
والهواء يدخل من فتحات سقف الصفيح كأنه صفير طويل.
كانت الأرض الطينية مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار.
وصورتا أمي وجدتي معلقتين على الجدار بشكل مائل.
وضعت الحقيبة أمامهما.
وقلت بصوت انكسر قبل أن يخرج كاملًا
يمّه... اليوم رجعوا أغراضك.
عندها لم أستطع منع الدموع.
جلست على الأرض وبكيت طويلًا.
بكيت حتى صار صدري يؤلمني.
ثم عندما تعبت وسكتُّ، فتحت سحاب الحقيبة المكسور.
كان بداخلها بعض الملابس القديمة.
قطعة مطوية من عباءة أمي الزرقاء الخفيفة.
وشال باهت اللون.
وسواران زجاجيان قديمان، أحدهما مكسور.
وعلبة صغيرة فيها بقايا كحل جاف.
وفي الأسفل، وجدت علبة حديدية قديمة ملفوفة بين الملابس.
أخرجت العلبة.
كان الصدأ يغطي أطرافها، لكنها لم تكن مقفلة.
وعندما رفعت الغطاء، خرجت منها رائحة خفيفة تجمع بين الكافور والأوراق القديمة.
كان بداخلها عدد من الرسائل.
أوراق صفراء مر عليها الزمن.
وكان الخط خط أمي.
توقفت أنفاسي.

فتحت أول رسالة.
كانت تبدأ ب
إلى علي...
ارتجفت يداي.
هذه الرسالة كانت لي.
سكبت قليلًا من الكاز في المصباح.
عدّلت الفتيلة.
ثم بدأت أقرأ.
ولدي علي،
إذا وصلت هذه الرسالة إلى يدك يومًا، فاعلم أن أمك لم تتركك بلا سند. لقد وضعت باسمك مبلغًا من المال. ليس كثيرًا، لكنه يكفي لتبدأ طريق دراستك. هذا المال جمعته من بيع حصتي الصغيرة في أرض أهلي. سعد يعرف كل شيء. أوصيته أن يعطيك حقك عندما تكبر وتقرر أن تكمل دراستك...
شعرت أن قلبي يضرب بقوة.
قرأت السطور مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
أمي تركت لي مالًا؟
من أجلي؟
وخالي سعد كان يعرف؟
واصلت القراءة بعينين لا تثبتان على السطر.
دفتر المصرف والأوراق كلها داخل هذه العلبة. سعد أخي، وأنا واثقة أنه سيحفظ حقك حتى يصل إليك.
شعرت كأن أحدهم صب نارًا في أذني.
أخرجت بقية الأوراق.
دفتر مصرف قديم.
وصل وديعة ثابتة.
بعض أوراق بيع الأرض.
ومستند مصدّق من كاتب العدل.
كان مكتوبًا بوضوح أن مريم، والدتي، باعت حصتها من أرض عائلتها ووضعت مبلغًا قدره مليونان وستمئة ألف دينار عراقي تقريبًا باسم ابنها علي جاسم لغرض تعليمه، وأن سعد كريم كان مُدرجًا فقط بوصفه وليًا ومطلعًا على الحساب.
جلست بلا حركة.
كنت قد قطعت خمسين كيلومترًا تحت الشمس على دراجة متهالكة لأطلب 150 ألف دينار فقط.
بينما أمي تركت لي مبلغًا يكفي لبدء حياتي الدراسية كلها.
حقي.
دراستي.
مستقبلي.
أين ذهب ذلك
المال؟
من سحبه؟
ومتى؟
تحول الألم في داخلي إلى نار.
لم أنم تلك الليلة أبدًا.
مع أول الصباح، أخذت دفتر المصرف وذهبت إلى فرع المصرف في الناحية.
كان مبنى قديمًا.
المراوح تدور ببطء فوق رؤوس الناس.
والطابور طويل.
وعندما وصلت إلى الشباك، نظر الموظف إليّ من رأسي حتى قدميّ، ثم نظر إلى الدفتر.
قال
هذا حساب قديم جدًا.
ضممت يدي وقلت
أستاذ، أريد أعرف بس متى انسحب المبلغ ومنو سحبه.
فتح الحاسوب وبدأ يبحث.
ثم عقد حاجبيه.
قال
المبلغ كامل انسحب قبل حوالي خمس عشرة سنة.
شعرت أن أذني لم تعد تسمعان بوضوح.
سألته
منو سحبه؟
انحنى الموظف نحو الشاشة.
وقال
سعد كريم. بتوقيع الولي.
اضطررت أن أتمسك بحافة الشباك حتى لا أقع.
سألته بصوت مبحوح
أقدر أحصل نسخة من السجل؟
قال
السجلات القديمة صعبة، بس قدّم طلب. إذا الحساب باسمك وتثبت هويتك، نطلع لك كشف.
كانت لدي أوراق تثبت هويتي.
شهادة المدرسة.
وقيد قديم كانت جدتي تحتفظ به.
وأوراق أمي التي وجدتها في العلبة.
قدمت الطلب.
ثلاثة أيام وأنا أراجع المصرف.
وفي اليوم الثالث أخرج الموظف ورقة من ملف سميك.
كان عليها توقيع سعد كريم.
وكان المبلغ قد سُحب كاملًا.
وسُجّل السبب
لغرض رعاية وتعليم ابن الأخت علي جاسم.
ضحكت.
لأول مرة ضحكت من ذلك الألم.
ضحكة مرة جدًا.
رعايتي؟
تعليمي؟
أنا الذي ربّيت نفسي ببيع القناني والخردة.
أنا الذي نمت جائعًا.
أنا الذي حملت أكياس الرز كي أدفع
مصاريف المدرسة.
وعلى الورق كُتب أن مالي صُرف على رعايتي وتعليمي.
سألني الموظف بهدوء
ابني، شنو القصة؟
لم أقل شيئًا.
أخذت النسخ وخرجت.
كان موعد دفع رسوم الكلية
تم نسخ الرابط