حفيدتي دسّت ورقة في يدي داخل المطار وكتبت كلمة واحدة فقط: "اهربي"... وما اكتشفته بعدها غيّر حياتي كلها!

لمحة نيوز

نادية ومريم معي في البداية من أجل الأمان، ثم بقيتا من أجل المحبة. بدأ البيت يشبه نفسه مرة أخرى. رائحة قهوة، وخبز محمص، وياسمين.
علّقت مريم رسمة على الثلاجة.
كانت الرسمة للبيت نفسه.
لكن النافذة لم تعد مشطوبة.
وحيث كانت ترسم المربع الأسود، رسمت شمسًا.
ماذا تعني؟ سألتها.
يعني لم يعد هناك شيء نخبئه.
بكيت بصمت.
بعد شهر فعلت شيئًا لم يكن حيدر يتخيله أبدًا.
حوّلت غرفة أدوات عادل إلى مكتب صغير للنساء الكبيرات في الحي.
لم يكن مكتبًا فخمًا.
طاولة، وأربعة كراسٍ، وقهوة، وملفات، وأرقام طوارئ، ولافتة كتبتها مريم بقلم بنفسجي
اقرئي قبل أن توقّعي.
كانت رنا تأتي مرة كل شهر. تعلمت زينب تنظيم الأوراق. وكانت نادية تساعد في الاتصال بالدوائر والبنوك والخدمات. أما أنا فكنت أقدّم القهوة وأستمع.
كانت تأتي نساء من الكرادة، والمنصور، والأعظمية.
واحدة وقّعت وكالة لابن أخيها حتى يساعدها في البنك.
وأخرى لم تكن تعرف أن شقتها أصبحت في وعد بيع.
وثالثة بكت لأن ابنها كان يقول لها إنها لا تفهم شيئًا، ولذلك يجب أن تعطيه حق إدارة حسابها.
كنت أقول لهن
لا توقّعي
وأنتِ خائفة. لا تسافري وأنتِ تشكين. لا تسلمي بيتك حتى تثبتي حبك.
سألتني امرأة في الثمانين
وإذا زعل ابني؟
أجبتها بالحقيقة التي احتجت إلى مطار كامل حتى أتعلمها
دعيه يزعل. الابن الذي يحتاج طاعتك حتى يحبك لا يحبك، بل يديرك.
ذهبت مريم أيضًا إلى العلاج النفسي.
كنت أنا ونادية نأخذها. أحيانًا تخرج متعبة. وأحيانًا صامتة. وأحيانًا تسألني إن كان الكبار أيضًا يرسمون أشياء يخافون من قولها.
نعم قلت لها لكن أحيانًا تكون رسوماتنا أوراقًا نوقّعها دون أن نقرأها.
بعد سنة من يوم المطار، أخذتها إلى مطار بغداد.
ليس للسفر.
بل لإغلاق شيء في داخلنا.
جلسنا قرب المدخل نفسه الذي خرجت منه وأنا أتصنع ألم المعدة. كان الناس كما هم حقائب، وأحضان، وإعلانات رحلات، وأطفال يبكون، وقهوة غالية.
أخرجت مريم ورقة من حقيبتها.
وضعتها في يدي.
هذه المرة لم تكن مطوية بخوف.
فتحتها أمامها.
كان مكتوبًا عليها
رجعنا.
وفي الأسفل كان هناك رسم لامرأتين تمسكان بيد بعضهما.
واحدة صغيرة.
وواحدة كبيرة.
والاثنتان خارج المطار.
احتضنتها.
كنتِ شجاعة جدًا.
كنت خائفة.
الشجاعة غالبًا تكون
خائفة.
وأنتِ أيضًا؟
نظرت إلى الأبواب الأوتوماتيكية.
تذكرت حيدر وهو يقترب مع رجال الأمن.
وتذكرت قبضتي المغلقة.
وتذكرت كلمة اهربي.
نعم قلت لكنني ركضت ببطء.
ضحكت.
ضحكتها أعادت إليّ أكثر مما يمكن لأي حكم قضائي أن يعيد.
ما زال حيدر يواجه قضيته.
لا أعرف إن كان سيطلب مني السماح يومًا دون أن يستخدمه كخطة. ولا أعرف إن كنت سأستطيع سماعه دون أن أشعر أنه يدفعني مرة أخرى نحو بوابة سفر.
لكنني لم أعد أعيش منتظرة ندمه.
رتبت أوراقي.
ألغينا الوكالات.
حمينا البيت قانونيًا.
كتبت تعليمات طبية واضحة.
لا يستطيع أحد أن يخرجني من البلد، أو يبيع أملاكي، أو يقرر بدلًا عني دون تقييم مستقل وموافقة مسجلة.
قال بعض الأقارب إنني أصبحت كثيرة الشك.
وأنا أقول إنني تعلمت قراءة الخط الصغير في الحب المزيف.
المربع الأسود ما زال بجانب باب غرفة الأدوات.
لم أغطّه.
ولم أطلِه.
تركته هناك.
لأن من ذلك الثقب خرجت الحقيقة التي خبأها عادل من أجلي.
ومن ذلك الثقب خرج اسمي.
هناء.
ليس يمّه.
وليس الجدة.
وليس السيدة المرتبكة.
هناء.
امرأة كبيرة، نعم.
لكنها لم تُهزم.
أم أحبت ابنها
دون أن تفهم أنها قد تضطر يومًا للدفاع عن نفسها منه.
وجدة أنقذتها طفلة في الثامنة رأت ما لم يكن الكبار يريدون رؤيته.
كان حيدر يقول إنه يأخذني إلى فرنسا لأستمتع بتقاعدي.
كذب.
كان يريد أن يأخذني بعيدًا عن بيتي، وعن لغتي، وعن جاراتي، وعن أوراقي، وعن أي شخص يمكن أن يسألني
هل أنتِ فعلًا تريدين أن تكوني هنا؟
مريم سألتني ذلك دون أن تقوله.
وضعت ورقة صغيرة في يدي.
اهربي.
وأنا، التي قضيت شهورًا أطيع حتى لا أزعج أحدًا، عصيت أخيرًا حتى أنقذ نفسي.
أحيانًا لا تبدأ الحرية بصرخة.
تبدأ بألم معدة مزيف.
وباب أوتوماتيكي ينفتح.
وبامرأة مسنة تخرج إلى هواء بغداد بينما يتوقف ابنها عن الابتسام خلف الزجاج.
وبطفلة ترسم بيتًا، ونافذة مشطوبة، ومربعًا أسود، لأن الأطفال يرون السجون قبل أن يعترف الكبار بوجودها.
أنا فهمت ذلك متأخرة.
لكنني فهمته.
ومنذ ذلك اليوم، عندما يقول لي أحدهم إن الأم يجب أن تثق دائمًا بأبنائها، أفكر في مريم، وفي عادل، وفي العلبة المخفية، وفي الرحلة إلى باريس التي لم أصعد إليها أبدًا.
ثم أجيب
الأم تستطيع أن تحب طوال العمر. لكنها تستطيع
أيضًا أن تتعلم إغلاق الباب.
وأنا أغلقته.
ليس لأبقى وحدي.
بل حتى لا يخرجني أحد مرة أخرى من حياتي.

تم نسخ الرابط