بعد 14 سنة من اختفاء أمها... هاتف قديم داخل خزانة الأب كشف السر الذي دمّر العائلة كلها!
ذلك.
لم أكن بحاجة لأن أسمعها تقول إنها فعلت ذلك من أجل العائلة. سمعت هذه الجملة كثيرًا. باسم العائلة حبسوا أمي، وباعوا أخي، وزوروا موتى، وربوني على الكراهية.
إذا كانت هذه هي العائلة، فأنا أريد كلمة أخرى.
كان تعافي أمي بطيئًا.
لم تكن هناك معجزة.
لم يكن يكفي أن تخرج من القبو.
الجسد يخرج أولًا.
أما الخوف فيتأخر.
كانت ترتعب عندما يغلق أحدهم الباب بقوة. لم تستطع النوم والضوء مطفأ. كانت تبكي عندما تسمع صوت مفاتيح. أحيانًا كانت تخبئ الخبز تحت الوسادة، كأنها ما زالت تخاف أن يتركوها بلا طعام.
كنت أرغب في احتضانها طوال الوقت.
لكنها أحيانًا لم تكن تتحمل أن يلمسها أحد.
تعلمت أن أسألها
أستطيع؟
وعندما كانت تقول لا، كان قلبي يتألم، لكنني أحترمها.
جبرائيل أيضًا كان يتعلم.
لم يكن يعرف كيف يكون أخًا.
وأنا لم أكن أعرف كيف أمتلك أخًا.
في البداية كنا ننظر إلى بعضنا مثل ناجيين من الحريق نفسه، لكن من زاويتين مختلفتين.
كان يحضر لي الأوراق، والأدوية، والطعام. وأنا أعد له القهوة. كنا نتكلم عن الأشياء العملية لأن الكلمات الكبيرة كانت تخيفنا.
في أحد أيام الأحد، داخل حديقة عامة في بغداد، أخبرني كيف كانت حياته مع العائلة التي اشترته.
لن أدخل في كل التفاصيل.
لا حاجة لذلك.
يكفي أن أقول إن طفولته سُرقت منه أيضًا.
في ذلك اليوم، عندما ودعني، احتضنني لأول مرة.
لم يكن حضنًا مريحًا.
كان مرتبكًا.
لكنه كان حضننا.
بعد أشهر، وجدنا أشياء أكثر في بيت أبي.
داخل الخزانة.
داخل صناديق.
خلف لوح خشبي مرتخٍ.
كانت هناك صور لم
أمي وهي حامل بي.
جبرائيل وهو طفل.
رافد يحمل كتبًا.
ورسالة من أمي كتبتها قبل اختفائها
سارة، إذا شككتِ يومًا في من تكونين، لا تبحثي في لقب من رباكِ. ابحثي في الذين حاولوا إنقاذكِ.
جلست على الأرض وبكيت حتى فقدت قوتي.
لأنني قضيت أربعة عشر عامًا أسأل نفسي لماذا لم تحبني أمي.
والحقيقة أنها أحبتني إلى درجة أنها حاولت ترك دلائل لي حتى وهي محبوسة.
جاءت أمي لتعيش معي.
ليس في البيت القديم.
ذلك البيت بقي مسرح جريمة، ثم صار خرابًا لم أرغب يومًا في استعادته.
استأجرنا شقة صغيرة في بغداد، قريبة من سوق شعبي، حيث بدأت أمي تتذكر الروائح دون خوف خبز حار، ورد، قهوة، فواكه ناضجة. اشترت نبتة ريحان وأخرى نعناع. قالت إنها تحتاج أن تعتني بشيء يكبر.
كانت أحيانًا تجلس وتنظر من النافذة.
خسرت أربع عشرة سنة تقول.
كنت أجلس بجانبها.
هم سرقوا منا أربع عشرة سنة.
لم أركِ وأنتِ تكملين الخامسة عشرة.
لكنكِ سترينني وأنا أكمل الثلاثين.
لم أرافقكِ إلى الجامعة.
لكنكِ تستطيعين مرافقتي عندما أستلم شهادتي.
لم أكن معكِ عندما انكسر قلبكِ.
سيكون لدينا وقت لتوبخيني في المرة القادمة.
أحيانًا كانت تبتسم.
وتلك الابتسامة، رغم صغرها، كانت تبدو لي انتصارًا.
استمرت المحاكمة وقتًا طويلًا.
طويلًا جدًا.
حاول أبي أن يقول إن أمي كانت محبوسة من أجل سلامتها. وقالت براءة إنها كانت تنفذ فقط. أنكر بعض الأطباء تواقيعهم. واختفى آخرون. لكن جبرائيل كان قد احتفظ بما يكفي.
وأمي أدلت بشهادتها.
فعلت ذلك وهي جالسة، ويداها ترتجفان، لكن صوتها كان
أنا لم أهرب. هم أخذوني. وبينما كنت مأخوذة، علموا ابنتي أن تكره اسمي.
كنت أجلس خلفها.
وجبرائيل بجانبي.
عندما انتهت، لم يكن هناك تصفيق.
العدالة الحقيقية لا تشبه الأفلام.
لكنني شعرت أن شيئًا انفتح في الهواء.
مثل نافذة بعد سنوات من الرطوبة.
حُكم على أبي بعدة جرائم. وحُكم على براءة أيضًا. وأُعيد فتح ملف رافد، رغم أن السنوات كانت قد محَت الكثير. ومع ذلك، توقف اسمه عن كونه شبحًا، وعاد إلى الوجود في الأوراق.
ذهبت إلى قبره مع أمي.
كان بسيطًا.
شبه مهمل.
أحضرت أمي ورودًا بيضاء.
وأحضرت أنا صورة لي.
مرحبًا قلت وأنا أشعر أنني سخيفة ومحطمة أنا سارة.
بكت أمي بصمت.
كان سيحبكِ كثيرًا لو رآكِ تكبرين قالت لي.
كيف كان؟
طيبًا. عنيدًا. يحب أن يقرأ بصوت عالٍ حتى لو لم يكن هناك أحد يستمع.
إذن عندي شيء منه.
ابتسمت أمي.
الكثير.
اليوم مرت ثلاث سنوات منذ تلك الليلة.
الهاتف الوردي موجود داخل صندوق شفاف على مكتبتي.
ليس كغنيمة.
بل كدليل.
أحيانًا أنظر إليه وأفكر في الغرابة حقيقة كاملة كانت معلقة بجهاز قديم، وكلمة مرور بتاريخ ملعون، ورسالة لم تكتمل أصلًا.
أمي أفضل الآن.
ليست متعافية تمامًا.
لا أحب هذه الكلمة.
أفضل.
لديها أيام جيدة وأيام قبو. هكذا نسميها. أيام لا يكفي فيها الضوء. أيام تستيقظ وهي تظن أن براءة ستنزل الدرج ومعها طعام بارد. أيام تحتاج أن أكرر لها التاريخ، والعنوان، وعمري، وحريتها.
وأنا أكرر ذلك.
كل مرة.
يأتي جبرائيل كل يوم أحد.
أحيانًا نطبخ دولمة. وأحيانًا نطلب أكلًا من الخارج. وأحيانًا نجلس
تنظر إلينا أمي من الطاولة وتبكي دون أن تخفي دموعها.
أولادي تقول.
وهذه الكلمة تعيد ترتيب قطعة من أرواحنا.
لم أعد أقول أبي عندما أتحدث عن الرجل الذي رباني.
أقول اسمه.
وأحيانًا لا أقول حتى ذلك.
لأن ليس كل من يعلمك المشي يستحق أن تعود إليه.
سألني أحدهم مرة إن كنت أكرهه.
لم أعرف كيف أجيب.
الكراهية شيء شديد القرب.
وأنا لم أعد أريد أن أعطيه شيئًا بهذا الحجم.
أفضل أن أعطيه المسافة.
الصمت.
والنسيان الموثق قانونيًا.
آخر مرة رأيت فيها الصورة القديمة، صورة أمي، وهو، وبراءة، والطفل، قلبتها مرة أخرى.
يجب ألا تعرف سارة...
هكذا كانت تقول.
وكأن حياتي كانت سرًا يستطيع الكبار إدارته.
وكأن الحقيقة ملكية عائلية.
وكأن أمي، وأخي، وأنا، مجرد أوراق داخل صندوق بني.
لكنني عرفت.
متأخرة.
بألم.
بخوف.
بهاتف مخبأ في جسدي ومسدس مرفوع تحت المطر.
لكنني عرفت.
ومعرفتي
أعادت لي أمي.
أعادت لي أخي.
وأعادت لي جزءًا مني كان قد كبر بشكل مشوه بسبب كذبة.
أمي لم تذهب لأنها لا تحبني.
أمي صمدت لأنها تحبني.
أخي لم يظهر ليدمر حياتي.
ظهر حتى يفتح باب القبو.
وأنا لم أعد تلك الطفلة التي تصدق كل ما يقوله رجل يبكي أمام الجميع.
أنا سارة الهاشمي.
ابنة لمياء.
أخت جبرائيل.
وابنة أيضًا لحب اسمه رافد حاولوا محوه.
وكلما قال أحد من عائلتي إن الأفضل ألا نفتح الماضي، أتذكر تلك الغرفة الرطبة تحت بيت براءة.
أتذكر صوت أمي وهي تنادي اسمي.
وأتذكر أن هناك أشخاصًا أحياء يُدفنون بصمت الآخرين.
لهذا أفتحه.
بأظافري.
بغضبي.
وبحبي.
لأن الماضي لا يُفتح كي يدمّر العائلات.
بل يُفتح حتى نُخرج منه من لم يكن يجب أن يُحبسوا هناك أبدًا.