أرسل كل مدخراته إلى والدته خوفًا من زوجته... لكن ما اكتشفه بعد 10 سنوات دمّر حياته بالكامل!
لا يؤلمني أنك لا تريد فتح حساب معي يا أحمد قالت لي زهراء تلك الليلة يؤلمني أنك تنظر إليّ كأنني خطړ عليك.
وضعت الملعقة جانبًا فوق الصحن.
لا تبدئي.
أنا لا أبدأ. أنا أفهم.
كان صوتها هادئًا.
وهذا كان أسوأ شيء.
عندما كانت زهراء ترفع صوتها، كنت أستطيع الدفاع عن نفسي.
أما عندما تتكلم بهدوء، كانت تتركني مكشوفًا أمام حقيقتي.
أنا فقط رجل حذر قلت.
نظرت إليّ طويلًا.
لا. أنت لست حذرًا معي. أنت لا تثق بي. وليس بسبب شيء فعلته أنا.
شعرت بالڠضب.
لأنها كانت على حق.
ولأنني لم أكن أريدها أن تكون على حق.
يعني الآن أصبحتُ سيئًا لأنني أحافظ على مالي؟
خفضت زهراء نظرها إلى دفترها.
وأغلقته ببطء.
لا يا أحمد. المحزن أنك تقول مالي حتى ونحن نتكلم عن حياتنا.
بقيت تلك الجملة معلقة بيننا.
لم نتشاجر أكثر.
لكن تلك الليلة نمنا وظهر كل واحد منا للآخر.
أنا مستيقظ.
وهي أيضًا.
عرفت ذلك من تنفسها.
في اليوم التالي حوّلت إلى والدتي مبلغًا أكبر من المعتاد.
لم أفعل ذلك لأنني كنت محتاجًا.
فعلته بدافع العناد.
كأن كل تحويل كان طريقة لأثبت لنفسي أنني لست غبيًا.
ردّت أمي بعد دقائق تقريبًا
أحسنت يا ولدي. هنا أموالك آمنة. الزوجة لا يجب أن تعرف كل شيء.
قرأت الرسالة وأنا داخل سيارة أجرة مزدحمة في بغداد، بين أصوات الناس، وبائع مناديل عند الإشارة، وطفل صغير نام على كتف أمه.
شعرت براحة كاذبة.
من ذلك النوع الذي يشبه الأمان، لكنه في الحقيقة خوف مرتب ومغلف بكلام جميل.
مرّت السنوات.
وتوقفت زهراء عن الإلحاح.
ظننت أن ذلك انتصار.
كم كنت غبيًا.
المرأة التي تتوقف عن طلب الثقة لا يعني دائمًا أنها قبلت طريقتك في الحب.
أحيانًا تكون قد بدأت تودّعك بصمت.
بقينا نتشارك البيت.
والطعام.
والفواتير.
ومشاوير السوق.
ومناسبات العائلة.
لكن شيئًا ما كان قد انطفأ.
زهراء لم تعد تريني دفترها.
لم تعد تتحدث عن البيت.
لم تعد تسألني كم أدخر.
وأنا خلطت بين صمتها وبين السلام.
إلى أن جاء عصر من شهر تشرين الثاني، بعد أن شاهدنا شقة معروضة للبيع في بغداد، فقالت لي ونحن في الشارع
أعجبتني.
كانت شقة قديمة، أرضيتها بسيطة، ومطبخها صغير، وفيها شرفة تتسع لأصص نباتاتها.
لم تكن فاخرة.
لكن كان فيها ضوء.
ضوء كثير.
قلت
سعرها مرتفع.
قالت
ليس كثيرًا إذا دفعنا دفعة أولى جيدة.
شعرت بضړبة في صدري.
مدخراتي.
سري.
كبريائي.
طوق نجاتي.
نظرت إليّ زهراء.
هل لديك مدخرات يا أحمد؟
سكتُّ أكثر مما ينبغي.
وفهمت قبل أن أتكلم.
قلت أخيرًا
نعم، لدي.
امتلأت عيناها بأمل حذر.
كم؟
ابتلعت ريقي.
مبلغ كبير يكاد يكفي للدفعة الأولى وأكثر.
وضعت زهراء يدها على فمها.
لم تبتسم.
لم تفرح.
مبلغ كبير؟
هززت رأسي.
كنت أدخره.
أين؟
هنا انكسر كل شيء.
لأن الكذبة قد تصمد سنوات طويلة، لكن دائمًا تأتيها لحظة ټموت فيها
قلت
عند أمي.
لم ترمش زهراء.
أرسلت كل هذا المال إلى والدتك؟
ليس دفعة واحدة.
آه، جيد. إذن لا توجد مشكلة.
آلمني تهكمها.
كان مالًا آمنًا.
آمنًا ممن؟ مني؟
لم أجب.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
قل لي الحقيقة. منذ كم سنة ترسل لها المال؟
منذ قبل زواجنا.
وطوال سنوات زواجنا؟
نعم.
غطّت وجهها بيديها.
وعندما أنزلتهما، لم تكن تبكي.
وهذا أخافني أكثر.
قالت
أنا دفعت فواتير وأنا أظن أننا لا نملك ما يكفي. أنا منعت نفسي من أشياء كثيرة. أنا رتبت الميزانية دينارًا دينارًا. أنا بعت ذهبي حتى نسدد التزامًا في البيت. وأنت رأيتني أفعل ذلك ولم تقل شيئًا.
قلت
كان ذلك أيضًا من أجل مستقبلنا.
قالت
لا. كان من أجل خۏفك.
حاولت أن أدافع عن نفسي.
لكنني لم أجد كلمات جيدة.
لم أجد إلا كلمات أمي.
وكلها بدت قڈرة في فمي.
تنفست زهراء بعمق.
اذهب وخذ مالك.
ماذا؟
اذهب إلى القرية. أحضره. إذا كان موجودًا، وإذا كان كاملًا، وإذا كان فعلًا من أجلنا، عندها نتحدث مع صاحب الشقة.
وإذا لم أرد الذهاب هذا الأسبوع؟
نظرت إليّ بحزن لم يكن غضبًا.
كان تعبًا.
إذن لا تقل مرة أخرى مستقبلنا.
في اليوم التالي طلبت إجازة من العمل.
ركبت السيارة باتجاه القرية قرب الموصل، ومعدتي مضطربة.
وفي الطريق، كنت أفكر في زهراء.
في دفترها.
في نباتاتها.
في المرات التي تركتها تدفع ثمن دواء، أو إصلاح، أو مشتريات البيت،
كان الطريق إلى الموصل يحرّك في داخلي شيئًا قديمًا.
الأراضي الواسعة.
المحال الصغيرة على جانب الطريق.
رائحة الشاي والغبار.
والحنين المختلط بالخۏف.
وصلت بعد الظهر بقليل.
كانت أمي تعيش في الشارع نفسه، لكن البيت لم يعد كما كان.
واجهة جديدة.
باب حديد كبير.
أرضية سيراميك.
طابق ثانٍ لم يكتمل تمامًا.
أصص كبيرة.
نوافذ ألمنيوم.
لثانية شعرت بالفخر.
ثم شعرت بالخۏف.
خرجت أمي وهي ترتدي مريولًا نظيفًا ووجهها مرتب.
أحمد يا ولدي. لم تخبرني أنك قادم.
احتضنتها.
كانت رائحتها تشبه الصابون والطعام.
تشبه الطفولة.
وتشبه الفخ.
قلت
أحتاج أن أتكلم معكِ يا أمي.
تصلبت ابتسامتها.
ادخل. طبخت لك دولمة.
دخلت.
كانت الصالة مليئة بأثاث جديد.
شاشة كبيرة.
وثلاجة ضخمة في المطبخ.
كان أخي الأصغر علي جالسًا في غرفة الطعام مع زوجته وطفليه.
قال
أهلًا بالمهندس. تذكرت القرية أخيرًا؟
احتضنني وربت على ظهري بقوة.
نظرت حولي.
كل شيء بدا وكأنه مشتري بتعبي.
كل قطعة سيراميك.
كل مصباح.
كل زينة ذهبية لم تكن أمي قادرة يومًا على شرائها من راتبها البسيط.
أكلنا بصمت.
أو بالأحرى هم أكلوا.
أما أنا فكنت أحرّك الرز بالملعقة.
كانت أمي تتكلم عن الجيران، وعن مريضة في الشارع، وعن أسعار السوق، وعن الطريق والخۏف في السفر.
أما أنا فكنت أفكر في شيء واحد
مدخراتي.
مدخراتي.
مدخراتي.
وعندما خرج علي إلى الحوش مع الأطفال، وضعت هاتفي على الطاولة.
أمي، أريد أن أسترجع مالي.
ساد صمت فوري.
توقفت أمي عن صب الماء.
أي مال؟
شعرت بوخزة في