طردها من البيت بحقيبتين فقط... وبعد أشهر وقف مذهولًا أمام ما أصبحت عليه!

لمحة نيوز

بقيت هدى واقفة بلا حركة أمام البوابة.

لم يكن المطر ينزل بقوة كما في السابق، لكن البرد صعد في ظهرها وكأن أحدًا وضع قطعة جليد تحت جلدها.

لوّح حيدر بالأوراق في يده، وعلى وجهه ابتسامة ملتوية.

— لا تمثلين دور الضحية يا هدى. أنتِ وقّعتِ فواتير وقروضًا وتفويضات تخص المعرض. إذا فتحتِ فمك، سنقع نحن الاثنان.

ومن نافذتها، وضعت أم حسن يدها على صدرها وتمتمت بالدعاء.

خرج كريم السامرائي إلى عتبة القصر ونظر إلى حيدر بهدوء.

— صباح الخير يا أستاذ حيدر.

— لا تتدخل يا أستاذ كريم. هذه زوجتي.

أخذت هدى نفسًا عميقًا.

طوال ثلاثة وعشرين عامًا، كانت هذه الجملة تسجنها.

"زوجتي".

وكأن كونها زوجة يعني أنها ملك له.

وكأن الغسل والخياطة والرعاية والصمت حكم مؤبد مكتوب في عقد الزواج.

قالت بصوت منخفض لكنه ثابت:

— أنا لست زوجتك حتى تهددني. أنا المرأة التي رميتها في الشارع قبل أربع وعشرين ساعة.

اقترب حيدر منها.

— أنتِ لا تعرفين مع من تتورطين.

تقدم كريم خطوة إلى الأمام.

— أظن أن من لا يعرف هو أنت.

ضحك حيدر ضحكة جافة، من النوع الذي يستخدمه الجبناء عندما يشعرون أنهم بدأوا يخسرون.

— جميل جدًا. رجل الأعمال الأرمل يدافع عن الخياطة المطرودة. والله قصة تصلح لمسلسل.

نظرت هدى إلى الأوراق.

تعرّفت على بعض التواقيع.

توقيعها.

لكنها رأت شيئًا غريبًا.

كانت هناك خطوط لا تشبه خطها.

حرف الهاء كان مائلًا بطريقة مختلفة.

وحرف الدال كان ينتهي بانحناءة لم تكن تفعلها أبدًا.

وفي ورقة أخرى، كان التاريخ مكتوبًا في الرابع عشر من آذار، لكنها في ذلك اليوم كانت في النجف مع مريم بسبب عملية طارئة للزائدة.

كان هناك شيء غير صحيح.

همست:

— هذه التواقيع ليست كلها توقيعي.

شحُب وجه حيدر لثانية واحدة فقط.

ثانية واحدة.

لكن كريم رآها.

قال:

— أم هدى... ادخلي الآن.

حاول حيدر أن يمسك ذراعها، لكن أبو علي، بستاني القصر، ظهر خلف البوابة.

لم يقل شيئًا.

ولم يكن بحاجة إلى أن يقول.

دخلت هدى ومعها حقيبتاها.

وأُغلقت البوابة في وجه حيدر.

كانت الأيام الأولى في القصر غريبة.

تعلمت هدى الممرات، والمطبخ الكبير ذي البلاط المزخرف، والمكتبة الممتلئة بكتب قديمة، والحديقة التي بدت أزهارها كأنها نجت من كل أحزان هذا البيت.

كان كريم السامرائي رجلًا قليل الكلام، دقيق المواعيد، هادئًا إلى حد الصمت.

كان يترك لها ملاحظات على الطاولة فيها تعليمات عن المدفوعات، والاتصالات، والفواتير، والموردين.

وكانت هدى ترد عليه بملاحظات أخرى، أوضح وأكثر ترتيبًا، وتشير فيها إلى أخطاء لم ينتبه إليها أحد.

في اليوم الرابع اكتشفت أن أحد الموردين كان يحاسبهم مرتين على أجور النقل في ثلاث فواتير.

وفي اليوم السادس أعادت تنظيم دفعات متأخرة.

وفي اليوم الثامن أنقذت توقيعًا مصرفيًا من أن

يتداخل مع اجتماع مهم.

بدأ كريم ينظر إليها بطريقة مختلفة.

ليس بشفقة.

بل باحترام.

وفي إحدى الأمسيات، أعدّت هدى شوربة عدس، ودجاجًا بالرز، ومرق بامية، ورتبت الطاولة بزهور من الحديقة.

وعندما ذهبت لتناديه، أجابها من المكتبة:

— لا أشعر بالجوع. اتركي الطعام مغطى.

شعرت هدى بتلك الوخزة القديمة.

وخزة أن تفعل شيئًا بمحبة، ثم تتلقى اللامبالاة.

لكن هذه المرة لم تبتلع الألم.

فتحت الباب.

— أستاذ كريم، سامحني إذا تدخلت فيما لا يعنيني، لكنني لا أعرف كيف أعتني ببيت وكأن الناس الذين يعيشون فيه قد ماتوا. إذا كنت لا تريدني أن أطبخ بهذه الطريقة، فلن أفعل. لكن لا تطلب مني أن أتعامل مع هذا المكان كأنه متحف.

أغلق كريم الكتاب ببطء.

ولثوانٍ لم يقل شيئًا.

ثم خفض عينيه.

— معك حق. آسف يا أم هدى.

كانت تلك أول مرة يأكلان فيها معًا في المطبخ.

لم يتحدثا كثيرًا، لكن بعد أن انتهيا، أخذ كريم زهرة ساقطة من المزهرية وأعاد ترتيبها في مكانها.

رآه أبو علي من الحديقة وابتسم.

شيئًا فشيئًا، بدأ البيت يتنفس.

عاد كريم يمشي في الصباح.

وعادت هدى ترسم في العصر تحت شجرة ياسمين، ودفترها الأحمر فوق ركبتيها.

وفي يوم من الأيام وجدها ترسم فستانًا بأكمام مطرزة بنقوش هندسية.

سألها:

— ما هذا؟

أغلقت هدى الدفتر بسرعة كأنها تخفي سرًا.

— لا شيء مهم.

وفي صباح اليوم التالي، وجدت بجانب الشاي

ورقة صغيرة مكتوبًا فيها:

"المهم هو الشيء الذي يقرر الإنسان أن يتوقف عن إخفائه."

بقيت هدى تنظر إلى الجملة، وكأن أحدًا أشعل نورًا في غرفة مغلقة منذ سنوات.

لكن الهدوء لم يدم طويلًا.

بعد ثلاثة أسابيع، وصل حيدر إلى البوابة.

كان مرتب الشعر، متعطرًا، يرتدي قميصًا مكويًا، وعلى وجهه ابتسامة سيئة التدريب.

— هدى، يجب أن نتكلم.

— أنا أسمعك.

— ليس هنا. الموضوع حساس. المعرض يمر بمشكلة سيولة. أحتاج أن تساعديني.

نظرت إليه طويلًا.

لم تعد ترى الرجل الذي أحبته يومًا.

كانت ترى الحجم الحقيقي لكذبة حملتها على ظهرها سنوات.

— طردتني إلى الشارع بحقيبتين. قلت عني أمام الناس إنني امرأة لا تملك شيئًا. استخدمت مدخراتي لتفتح معرضك، ويديّ لتحافظ على بيتك، وصمتي حتى تشعر أنك تملك كل شيء. والآن تأتي لتطلب مساعدتي؟

شدّ حيدر فكه.

— لم آتِ لأتشاجر. جئت لأحذرك. إذا لم توقعي اتفاقًا يخرجني من تلك القروض، فسيعرف أولادك أيضًا ما فعلتِ.

— ماذا فعلت؟

— وقّعتِ.

لم تجب هدى.

في تلك الليلة، وضعت على الطاولة كل النسخ التي رماها حيدر أمامها.

اتصل كريم بمحاميته، نادية الربيعي، وهي امرأة بصوت ثابت ونظارات سوداء، وصلت من بغداد في اليوم التالي.

راجعت نادية كل ورقة.

— أم هدى، هنا على الأقل اثنا عشر توقيعًا مزورًا. وانظري إلى هذه.

أشارت إلى فاتورة.

— هذه الشركة الموردة تعود إلى امرأة

اسمها سحر اللامي.

شعرت هدى أن حلقها انغلق فجأة.

كان هذا هو اسم المرأة في الرسالة.

حجز الفندق في أربيل.

المرأة التي قال حيدر إنها ستساعده أخيرًا على إخراج هدى من حياته.

واصلت نادية مراجعة الأوراق.

تم نسخ الرابط