سخر منها في الدرجة الأولى أمام الجميع.. لكن ما رآه خارج المطار أسقطه في صدمة لا تُنسى!

لمحة نيوز

كان الطفل الأكبر، محمد، ينظر إلى حيدر بفضول.
كان عمره خمس سنوات، يرتدي سترة زرقاء، ويملك تلك النظرة الجادة في التأمل التي كانت سارة تعرفها جيدًا.
قال
ماما، من هذا الرجل؟
سقط السؤال كالحجر.
فتح حيدر فمه، لكنه لم يجد ما يقوله.
طوال خمس سنوات، تخيلت سارة تلك اللحظة عشرات المرات.
أحيانًا كان حيدر يبكي.
وأحيانًا كان يركع طالبًا الصفح.
وأحيانًا كان يطالبها بالإجابات وكأنه ما زال يملك الحق في اقتحام حياتها.
لكنها لم تتخيل أبدًا أن يسأل ابنها يومًا عن والده وسط مطار مزدحم.
أما علي، الطفل الثاني، فاختبأ خلف سارة.
في حين رفع يوسف، الأصغر منهم بأربع دقائق، يده ولوّح لحيدر دون أن يفهم شيئًا.
هل هو صديقك يا ماما؟
ابتلعت سارة ريقها.
وقالت
شخص عرفته منذ زمن طويل.
أغلق حيدر عينيه للحظة، وكأن تلك العبارة كانت أشد إيلامًا من أي ضربة.
اقترب سائق البنتلي.
وقال
دكتورة سارة، هل كل شيء بخير؟
نظر حيدر إلى السيارة.
ثم إلى السائق.
ثم إلى الحقائب.
ثم إلى الأطفال الأنيقين.
وفجأة فهم شيئًا مهمًا.
سارة لم تكن محطمة.
ولم تكن وحيدة.
ولم تمضِ خمس سنوات تتوسل للعودة إلى عالمه.
بل بنت عالمًا خاصًا بها.
قال بصوت مبحوح
أحتاج أن أتحدث معك.
عدلت سارة قبعة يوسف.
وقالت
ليس أمام الأطفال.
إذن أخبريني متى.
غدًا. الساعة العاشرة

صباحًا. في مكتبي.
رمش حيدر باستغراب.
مكتبك؟
نظرت إليه دون ابتسامة.
وقالت
نعم يا حيدر. النساء اللواتي تحاول إذلالهن أحيانًا يواصلن العمل. وبعضهن يتفوقن حتى على شركاتك.
لم تنتظر ردًا.
وصعدت مع أطفالها إلى السيارة.
وبينما كانت السيارة تتحرك، بدأ الأطفال يتحدثون جميعًا في الوقت نفسه.
عن الفطور.
وعن لعبة ضائعة.
وعن رسم يريد محمد أن يريها إياه.
كانت تستمع إليهم.
لكن قلبها كان يرتجف.
ليس بسبب حيدر.
بل بسبب ما هو قادم.
في تلك الليلة، وضعت سارة ثلاثة أكواب من الحليب الدافئ فوق طاولة المطبخ.
كان المنزل مليئًا بالحياة.
ألعاب في غرفة الجلوس.
كتب أطفال فوق الأريكة.
رسومات معلقة على الثلاجة.
لم يكن القصر الفخم الذي عرض عليها حيدر العيش فيه يومًا.
لكنه كان منزلها.
اشترته ببراءات اختراع.
واستشارات.
ومؤتمرات.
وشركة أسستها بنفسها وهي تربي ثلاثة أطفال في وقت واحد.
لم يكن اسم الشركة السامرائي.
ولا يحمل اسم أي رجل.
بل كان
شركة الجبوري للتقنيات البيئية.
اسمها.
وتعبها.
وانتصارها الصامت.
في صباح اليوم التالي، وصل حيدر في الموعد المحدد إلى مقر شركة الجبوري للتقنيات البيئية.
كان المبنى في وسط شيكاغو.
واجهات زجاجية ضخمة.
ولوحة أنيقة عند المدخل.
وعندما دخل، شاهد صورًا لمحطات معالجة المياه.
وجوائز دولية.
وعقودًا
مع جهات حكومية.
ونماذج لتقنيات تنقية بيئية متطورة.
وفي إحدى الزوايا ظهر اسم
الدكتورة سارة الجبوري
المؤسسة والمديرة العلمية.
بقي ينظر إلى الاسم طويلًا.
قبل عامين فقط كانت شركته تحاول الحصول على ترخيص لتلك التقنية.
دون أن يعلم أن صاحبتها هي سارة نفسها.
وعندما دخل قاعة الاجتماعات، لم تعد على وجهه تلك الابتسامة المتعالية التي كانت في الطائرة.
قال
لم أكن أعلم أنك حققتِ كل هذا.
أجابته
لأنك لم تسأل يومًا.
تلقى الكلمات بصمت.
ثم وضعت سارة ملفًا أمامه.
وقالت
هنا كل ما كان يجب أن تعرفه قبل خمس سنوات.
جلس حيدر.
وفتح الصفحة الأولى.
شهادات ميلاد.
محمد حيدر الجبوري.
علي كريم الجبوري.
يوسف حيدر الجبوري.
توقفت يده عند الاسم الثالث.
وقال
سمّيته على اسمي.
نظرت سارة إلى النافذة.
وقالت
ليس بسببك. بل لأنه وُلد وهو يعبس تمامًا مثلك.
انتقل إلى الصفحة التالية.
صور أشعة.
تقارير طبية.
حمل ثلاثي عالي الخطورة.
ضغط دم مرتفع.
راحة تامة.
رسائل مرسلة.
إشعارات قانونية.
ثلاث محاولات رسمية لإبلاغه.
بدأ يقرأ بسرعة.
ثم ببطء.
وكأن كل صفحة تدفنه أكثر.
قال
أنا لم أستلم شيئًا من هذا.
قالت
أعلم.
رفع رأسه.
كيف تعلمين؟
أخرجت ورقة أخرى.
لأن مكتب المحاماة الذي كنت تتعامل معه ردّ رسميًا بأن أي محاولة مني للتواصل معك ستُعتبر مضايقة
بعد الطلاق.
قبض حيدر على يديه بقوة.
لم أوافق على هذا.
توقعت ذلك.
سارة...
الرسالة الثانية تم تسليمها إلى مكتبك في بغداد ووقّعت عليها مساعدتك مريم.
تجمد في مكانه.
مريم كانت تعمل مع والدتي.
بالضبط.
دفعت إليه مستندًا آخر.
والبريد الإلكتروني الذي أرسلت فيه التقارير الطبية تم فتحه من حساب يديره فريقك القانوني.
أصبح الصمت ثقيلًا.
غطى حيدر وجهه بيديه.
لكن سارة لم تواسه.
لم تكن مستعدة لمواساة الرجل الذي تركها وحدها في أكثر لحظات حياتها خوفًا.
وبعد دقائق قال
الرسائل التي وجدتها في هاتفك... كانت تتعلق بالحمل؟
فتحت ملفًا أصغر.
وقالت
كانت من الدكتور أحمد الراوي.
أغلق حيدر عينيه.
كان هذا الاسم لعنة حياته.
الرجل الذي ظنه عشيقًا.
والذي بسببه افتعل الشجارات.
وكسر الأشياء.
واتهمها بالكذب أمام والدته.
قالت سارة
الدكتور أحمد كان طبيب خصوبة. كان يراجع نتائج الفحوصات. أردت التأكد قبل أن أخبرك.
كاد حيدر يختنق.
وقال بصوت خافت
كنا سنرزق بأطفال.
أجابته
بل كانوا بالفعل في الطريق إلينا.
كان الفرق بين العبارتين قاسيًا.
وقف حيدر.
ومشى خطوات.
ثم عاد.
وقال
أمي كانت تعرف.
لم يكن سؤالًا.
بل أول حقيقة امتلك الشجاعة للنظر إليها.
أخرجت سارة ظرفًا قديمًا.
وقالت
والدتك جاءت إليّ عندما كنت في الأسبوع السابع عشر من الحمل.
شحُب
وجهه أكثر.
ماذا فعلت؟
تذكرت سارة تلك الزيارة.
السيدة نادية السامرائي تدخل شقتها الصغيرة في بغداد.
ترتدي الأبيض.
وتفوح منها رائحة العطر الفاخر.
وبملامح امرأة تعتقد أن المال يستطيع
تم نسخ الرابط