قبل ساعات من سفري عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري
هناك رحلة سفر.
ولا عقد مهم.
ولا اجتماع عمل كنت أستعد له منذ أشهر.
كان هناك فقط مستشفى حكومي.
وكراسٍ بلاستيكية قاسية.
وأكواب قهوة باردة من آلة البيع.
بقيت أمي تحت الملاحظة الطبية بسبب ارتفاع ضغطها.
والضربة التي تعرضت لها في وجهها.
والشرخ البسيط في معصمها.
أما أنا فجلست بجوار سريرها.
وبدلتي ما تزال تحمل آثار الدم والقهوة والعار.
قلت لها
خذلتك يا أمي.
أدارت رأسها نحوي ببطء.
وقالت
لا يا بني.
قلت
بل فعلت.
أدخلت وحشًا إلى بيتنا وسميته حبًا.
ربتت على يدي بأصابعها الملفوفة بالشاش.
ثم قالت
الوحوش لا تدخل وهي تكشر عن أنيابها يا بني إنها تدخل حاملةً الورود.
بقيت تلك الجملة عالقة في ذهني.
ولم تغادره بعدها أبدًا.
عند الثالثة فجرًا وصلت أختي ليلى.
كانت عيناها متورمتين من البكاء.
وتحمل كيسًا فيه بعض الخبز والفاكهة وسترة لأمي.
وما إن رأتني حتى صفعتني.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية.
وقالت
هذه لأنك لم تستمع إليها.
لم أدافع عن نفسي ولم أعترض.
ثم احتضنتني بقوة.
وقالت
وهذه لأنني أعرف أنك تتعذب من الداخل.
عندها انهرت وبكيت في ممر المستشفى كما لم أبكِ منذ يوم دفنا أبي.
دخلت ليلى إلى غرفة أمي.
أما أنا فبقيت في الخارج مع المحامي سامر.
نراجع تسجيلات الكاميرات.
لكنني لم أستطع مشاهدة المقاطع كلها.
ففي التسجيلات ظهرت سارة على حقيقتها منذ اللحظة التي غادرت فيها المنزل.
في اليوم الأول انتزعت جهاز التحكم من يد أمي.
وفي اليوم الثاني رمت فطورها في سلة المهملات لأنها قالت إنه يشبه طعام الفقراء.
وفي اليوم الثالث أخبرتها أن الفقير يبقى فقيرًا مهما نام على أفخم الفُرُش.
ثم بدأت الدفعات والإهانات وإخفاء الأدوية.
والتهديدات لكن هناك جملة واحدة مزقت روحي.
قالت سارة لأمي
إذا أخبرتِ أحمد بأي شيء فسأجعله يعتقد أنكِ بدأتِ
وفي كل تسجيل كانت أمي تخفض رأسها.
ليس لأنها ضعيفة بل لأنها كانت تحبني.
ولأنها كانت تحاول حمايتي من حقيقة لم أكن مستعدًا لرؤيتها.
وقبل طلوع الفجر أكد لي سامر أسوأ ما كنت أخشاه.
فقد بدأت سارة بالفعل إجراءات نقل أمي إلى دار رعاية خاصة تبعد ساعات عن المدينة.
بعيدًا عن منزلي وبعيدًا عن عملي.
وبعيدًا عن أي شخص يمكنه زيارتها دون سابق إنذار.
ولم تكتفِ بذلك بل أرسلت أوراقًا إلى شركة التأمين.
وغيّرت اسم المستفيد.
وحاولت الحصول على صلاحيات اتخاذ القرارات الطبية الخاصة بأمي مستندة إلى الوكالة المزورة.
شعرت فجأة أن كل ما بنيته في حياتي كان مجرد وهم.
المبنى الذي تقع فيه شركتي وسط أبراج المكاتب والزجاج اللامع...
والمشاريع التي كنت أديرها بملايين الدنانير وكل النجاح الذي كنت أفتخر به...
بدا لي في تلك اللحظة شيئًا لا قيمة له.
كنت أعرف كيف أبني عمارة من عشرين طابقًا.
لكنني لم ألاحظ أن بيتي نفسه كان ينهار أمام عيني.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مركز الشرطة.
جلست هناك ساعات طويلة أدليت بأقوالي كاملة.
وسلمت كل ما أملكه من أدلة.
التسجيلات والرسائل والمستندات وسجلات المكالمات.
وملف دار الرعاية ونسخ وثائق التأمين.
وحتى إفادة مروان الذي كان شاهدًا على ما حدث.
كما حضرت سلوى، الموظفة في شركة التأمين.. كانت شاحبة الوجه وتضم ملفًا إلى صدرها وكأنها تخشى أن يسقط منها.
وبمجرد أن رأتني قالت بصوت متردد
سيطردونني من عملي.
قلت لها
لن أسمح بذلك إن كان الأمر بيدي.
هزت رأسها ببطء وقالت
أنا لم أفعل هذا من أجلك.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
فعلته من أجل أمك.
نظرت إليها دون أن أفهم.
فقالت
أمي توفيت في دار رعاية وكانت تشتكي دائمًا. لكن لم يكن هناك من يصدقها وعندما عرفنا الحقيقة... كان الأوان قد فات.
ارتجف صوتها في آخر جملة.
وحاولت أن تتمالك
وقفت أمامها عاجزًا عن الكلام ثم قلت بصوت خافت
شكرًا.
كلمة واحدة فقط.
لكنها خرجت من أعماق قلبي.
عندها بدأت هي بالبكاء.
وللمرة الثانية خلال أقل من أربع وعشرين ساعة...
وجدت نفسي أبكي معها.
لكن سارة لم تلتزم الصمت طويلًا.
في البداية أنكرت كل شيء.
ثم ادعت أن أمي كانت تؤذي نفسها بنفسها.
وبعدها قالت إنني أنا من كنت أؤثر عليها وأدفعها لقول تلك الأمور.
ومع ظهور التسجيلات واحدًا تلو الآخر...
بدأت تغيّر روايتها.
حتى وصلت إلى حجة جديدة.
قالت في إفادتها الرسمية
أحمد كان يهملني وكنت أعيش تحت ضغط نفسي شديد.
عندما قرأ لي المحامي سامر تلك العبارة...
كدت أحطم المكتب من شدة الغضب.
قلت
ضغط نفسي؟!
رفع سامر يده وقال
لا تعطها ما تريده.
هي تحاول استفزازك.
لكن الحقيقة أن شيئًا بداخلي انكسر بالفعل.
لأنني أدركت أن بعض الناس قادرون على تحويل جرائمهم إلى أعذار وقسوتهم إلى معاناة وضحاياهم إلى متهمين.
بعد يومين جاء والد سارة.
الحاج أرشد ببدلة أنيقة.
وساعة باهظة الثمن.
وصوت هادئ.
ووجه رجل اعتاد أن يحل المشاكل بالمال.
طلب مقابلتي في مطعم فاخر وسط المدينة.
فوافقت.
ليس من أجل التفاوض بل لأعرف كم يساوي وجع أمي في نظرهم.
كان المطعم هادئًا والمفارش البيضاء تغطي الطاولات.
والعاملون يتحركون بصمت.
جلس أمامي وطلب ماءً معدنيًا.
أما أنا فلم أطلب شيئًا.
قال بعد لحظات
يا أحمد... ما حدث مؤسف.
نظرت إليه وقلت
لا تستخدم الكلمات الصغيرة لوصف المصائب الكبيرة.
تنهد وقال
ابنتي ارتكبت أخطاء.
قلت
أمي خرجت من بيتها بمعصم مكسور.
قال
سارة تمر بظروف نفسية.
فأجبته
كان عليكم علاجها قبل أن تمد يدها على امرأة كبيرة في السن.
تصلبت ملامحه قليلًا.
ثم قال
لا مصلحة لأحد في تحويل الموضوع إلى قضية رأي عام. شركتك على وشك
في تلك اللحظة فقط فهمت من أين تعلمت سارة كل شيء.
أحيانًا لا يُورَّث المال فقط.
بل تُورَّث القسوة أيضًا.
سألته
كم؟
تظاهر بعدم الفهم.
وقال
عفوًا؟
قلت
بكم تقدر جرح أمي؟ وبكم تقدر كسر معصمها؟
بقي صامتًا.
ثم قال
أنا لم أقصد ذلك.
ابتسمت بمرارة.
وقلت
بل قصدته.
لكن بأسلوب أكثر تهذيبًا.
أخرجت صورة أمي من الحقيبة الصورة التي التقطت لها في المستشفى ووضعتها أمامه.
ثم قلت
انظر إليها.
حاول أن يشيح بوجهه. لكني تركت الصورة أمامه وتركت الصمت يقوم بالباقي.
ثم قلت
هذه المرأة باعت ما تملك حتى أكمل دراستي وهذه المرأة كانت تسهر الليالي بجواري عندما أمرض وهذه المرأة دفنت أبي ثم خرجت إلى عملها في اليوم التالي لأن الحياة لم تكن تنتظر أحدًا.
أما ابنتك فوصفتها بالخادمة داخل البيت الذي اشتريته لتعيش فيه ما تبقى من عمرها بكرامة.
خفض عينيه.
وقال
يا أحمد...
فقاطعته
لا يوجد اتفاق.
ثم وقفت من مكاني.
وأضفت
وإذا حاول أحد الضغط على أي شاهد أو أي شخص ساعد في كشف الحقيقة...
فسأحرص على أن تبقى هذه القضية أول ما يظهر كلما بحث أحد عن اسم عائلتكم.
ولم يحاول إيقافي.
في ذلك المساء ألغيت الزواج.
لم أكتب بيانًا طويلًا.
ولم أشرح شيئًا.
اكتفيت برسالة قصيرة
تم إلغاء مشروع زواج أحمد وسارة.
والأسباب أصبحت بيد الجهات المختصة.
ثم أغلقت هاتفي.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
بدأت الاتصالات تتوالى.
أقاربها.
وأصدقاء مشتركون.
وشركاء عمل.
وأشخاص لم يسألوا مرة واحدة عن صحة أمي...
لكنهم كانوا يريدون معرفة الحقيقة كاملة.
وفي المقابل بدأت رواية سارة تنتشر.
قالت إنني متعلق بأمي بشكل مبالغ فيه.
وأن أمي كانت تتحكم في حياتي.
وأنها هي من تعرضت للأذى النفسي.
بل إن بعضهم بدأ يردد أن الإصابات كلها ملفقة.
عندها
نشرت مقطع فيديو على الإنترنت.
ليس فيديو الاعتداء.
ذلك تركته للقضاء.
بل فيديو قديم.
كانت سارة فيه تقدم القهوة لأمي أمامي.
وتقبل رأسها.
وتقول بابتسامة واسعة
والله يا خالة... أنتِ مثل أمي الثانية.
ثم نشرت صورة العصا المكسورة.
وكتبت تحتها سطرًا واحدًا
بعض الناس لا يجيدون التمثيل إلا عندما يكون هناك جمهور.
اعتنوا بآبائكم وأمهاتكم.
ولم أذكر اسمها.
لم أكن بحاجة إلى ذلك.
خرجت أمي من المستشفى في اليوم الرابع.
أخذتها إلى منزل ليلى، لا إلى منزلي.
ارتبكت أمي عندما أخبرتها بذلك.
وقالت بخوف
هل تريد أن تخرجني من بيتي يا بني؟
قلت لها
لا يا أمي.
أنا فقط أزيل السم