وصلتها رسالة من زوجها أثناء دفنه: "لا تثقي بأبنائنا"... وما اكتشفته بعدها هزّ الموصل كلها!
المحتويات
أمينة بهدوء بارد.
وقالت
لا تتحدثي معي عن العائلة بعد ما فعلتموه بأبو علي.
قالت زينب
لا تستطيعين فعل هذا بابنك.
ردت أمينة
هو استطاع أن يفعل ذلك بأبيه. اخرجي من بيتي.
الأيام التالية كانت كابوسًا من الأوراق، والتحقيقات، والدموع اليابسة.
وافقت الجهات المختصة على إخراج جثمان أبو علي للفحص.
لم ترد أمينة أن تكون هناك.
لكنها قضت ذلك الصباح كله جالسة في الفناء، تمسك بفنجان القهوة الذي كان أبو علي يستخدمه.
أكد التقرير وجود مستويات قاتلة من المادة السامة.
لم يكن هناك حادث.
لم تكن هناك صدفة.
كان هناك سم.
واكتشفوا أيضًا أن الطبيب الذي عدّل شهادة الوفاة تلقى خمسين مليون دينار من سجاد.
خمسون مليون دينار حتى يمحو حقيقة رجل عمل طوال عمره بيدين نظيفتين، حتى لو كانت ممتلئتين بالزيت والشحم.
هز الخبر الموصل كلها.
بدأ الجيران، وزبائن الورشة، ومعارف قدامى، يأتون بالزهور والطعام والرسائل.
قال رجل كبير في السن لأمينة إن أبو علي أصلح دراجة حفيده دون أن يأخذ منه دينارًا.
وقالت امرأة إنه أقرضها مالًا لشراء دواء عندما رفض الجميع مساعدتها.
وترك شاب ورقة كتب فيها
أبو علي علمني أن العمل لا يعيب الإنسان.
بكت أمينة وهي تقرأ كل رسالة.
كان أبناؤها يخجلون من أب يحترمه نصف الحي.
طال الطريق القانوني.
تعلمت كلمات لم تكن تريد أن تتعلمها يومًا
ملف تحقيق.
جلسة أولى.
توقيف.
إجراءات احترازية.
تقرير جنائي.
محكمة.
كل كلمة
عندما جاء يوم المحاكمة، دخلت أمينة القاعة بثوب أسود وعباءة كان أبو علي قد اشتراها لها من سوق قديم في الموصل قبل سنوات طويلة.
كانت أم سجاد معها.
ورياض أيضًا.
دخل سجاد وعلي مكبلين.
رؤيتهما هكذا كسرت شيئًا داخلها.
كانا ابنيها.
دمها.
الطفلين اللذين ركضا يومًا في فناء بيتها.
لكنهما أيضًا الرجلان اللذان وضعا السم في قهوة أبو علي، ثم خططا لإسكاتها هي أيضًا.
قدم الادعاء كل شيء
الديون.
وثائق التأمين.
السحوبات.
شراء المادة السامة.
التسجيلات.
كذبة الحادث.
الجنازة المستعجلة.
محاولة أخذها إلى الكاتب العدل.
والخطة لإظهارها عاجزة أو التخلص منها إذا بدأت تشك.
عندما سُمع صوت سجاد وهو يقول
أمي لن تسبب مشكلة.
بدأت أم سجاد بالبكاء.
ثم ظهر صوت علي
يعتقد أنها قطرات للعين.
أغمضت أمينة عينيها.
تخيلت أبو علي وهو يقبل تلك القنينة لأنه يثق بأبنائه.
تخيلت يديه تحضران القهوة في الورشة، دون أن يعرف أن الخيانة وصلت إلى داخل الفنجان.
وعندما جاء دورها للشهادة، مشت ببطء.
سألها القاضي
كيف كانت علاقتك بأبنائك؟
تنفست أمينة بعمق.
وقالت
كنت أعتقد أنها جيدة. ربيتهم بالحب. أبوهم عمل طوال عمره حتى لا يحتاجوا أحدًا. لم أتخيل أن ذلك الحب سيتحول يومًا إلى فرصة لقتلنا.
سألها
هل شككتِ بهم في البداية؟
قالت
لا. صدقتهم. الأم تتأخر كثيرًا قبل أن تصدق أن أبناءها قد يكونون قساة.
أنزل سجاد رأسه.
وبكى علي.
لكن الوقت كان قد فات.
تحدث الدفاع عن اليأس، والديون، والضغط العائلي، وأخطاء ارتُكبت في لحظة ظلام.
حاولوا تصوير سجاد وعلي كرجلين محاصرين، لا كقاتلين.
بل لمحوا أن أمينة بسبب حزنها ربما فهمت بعض الأمور بطريقة خاطئة.
لكن التسجيلات كانت موجودة.
والمادة السامة كانت موجودة.
ورسالة أبو علي كانت موجودة.
والحقيقة، مهما حاولوا دفنها، عادت أقوى من أي كذبة.
بعد عدة أيام، صدرت الأحكام.
ساد الصمت في القاعة.
أعلنت المحكمة إدانة سجاد وعلي بقتل والدهما، وبالتخطيط للاعتداء على والدتهما.
وحُكم عليهما بعقوبات طويلة في السجن.
لم تصرخ أمينة.
لم تبتسم.
لم تحتفل.
فقط أغمضت عينيها.
وهمست
أبو علي... لم يستطيعوا دفنك مع كذبة.
عند خروجها، احتضنتها أم سجاد.
قالت
الآن يستطيع أن يرتاح.
نظرت أمينة إلى سماء الموصل الغائمة.
وقالت
الآن حصل على العدالة.
شعرت أن البيت مختلف تلك الليلة.
كان لا يزال فارغًا، لكنه لم يعد يشبه القبر.
وضعت أمينة فنجاني قهوة في الفناء كما كانت تفعل من قبل.
واحدًا لها.
وواحدًا لأبو علي.
بقي فنجانه كما هو.
وبجزء من مبلغ التأمين، أصلحت السقف، والكهرباء، والجدران الرطبة.
لم تبع البيت.
ولم تنتقل إلى أي دار رعاية.
ولم تسمح لخزي أبنائها أن يحدد قيمة حياتها.
أما ورشة أبو علي، فأغلقتها كعمل تجاري، لكنها لم تغلقها كذكرى.
أزالت بعض الأدوات.
نظفت الأرض.
دهنت الجدران.
وحولت المكان إلى حديقة صغيرة.
وضعت
كان أبو علي يحب دوار الشمس.
كان يقول إنها زهور ذكية، لأنها تبحث دائمًا عن النور.
وبمساعدة أم سجاد ورياض، أنشأت أمينة صندوقًا صغيرًا لمساعدة كبار السن الذين يشكون في تعرضهم للضغط أو الاستغلال أو الاحتيال داخل بيوتهم.
لم تكن مؤسسة كبيرة.
ولا مكتبًا فاخرًا.
كانت طاولة، ودفترًا، وبعض أرقام الهواتف، وإرادة ألا تترك أحدًا وحيدًا كما كادت تُترك.
أول امرأة ساعدوها كان اسمها إلهام.
كانت تشك أن أخاها تلاعب بوالدتها المريضة حتى يستولي على بيتها.
استمعت إليها أمينة دون أن تحكم عليها.
وقالت لها
أنا أيضًا قالوا لي إنني مرتبكة. لذلك سأقول لك شيئًا عندما يريد أحد أن يسلبك صوتك، أول ما يفعله هو أن يتهمك بالجنون.
بكت إلهام.
وبعد أشهر، تقدمت قضيتها.
عادت إلى حديقة أبو علي واحتضنت أمينة.
قالت
أنتِ أعطيتِني القوة.
نظرت أمينة إلى دوار الشمس.
وقالت
لم أكن أنا. كان أبو علي. هو لا يزال يفعل الخير.
مرت خمس سنوات.
أكملت أمينة عامها الحادي والسبعين في البيت نفسه الذي سماه سجاد عبئًا وفضيحة.
استمرت أم سجاد في زيارتها.
وكذلك رياض.
لم يأخذ مكان أبو علي، لأن أحدًا لا يستطيع ذلك، لكنه أصبح من ذلك النوع من العائلة الذي يختاره الإنسان بعد أن يفقد العائلة التي ظنها آمنة.
كانت تصل أحيانًا رسائل من علي من السجن.
لم تعد أمينة تفتحها.
ليس كرهًا.
بل حفاظًا على سلامها.
مات
وعندما أبلغوها، جلست وقتًا طويلًا دون كلام.
بكت، نعم.
لكنها لم تبكِ الرجل الذي صار عليه في النهاية.
بكت الطفل الذي ركض
متابعة القراءة