اتجوزنى على مراته بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز


مشغولة بالدعاء والبنات بيعيطوا والدكاترة جوة الأوضة بيحاولوا ينعشوا قلب أحمد اللي بينتكس. انسحبت براحة من وسط الزحمة وطلعت في حتة هادية بالممر وقلت بصوت بيترعش
أنت مين؟ وعايز مني إيه في وقت زي ده؟
الراجل رد بصوت واطي وحذر
أنا دكتور مدحت، الطبيب اللي كان بيعالج أحمد من سنين وعمل له تحاليل العقم الأولى.. أنا شفت أسماء من كام يوم لما كانت بتدور على ورق قديم، وعرفت إنها سابت له الرسالة والتحاليل القديمة. لازم تعرفي إن التحاليل دي ناقصة حقيقة تانية أحمد نفسه ميعرفهاش، ولو أحمد مات دلوقتي من غير ما يعرفها، حقيقة ابنك سيف هتفضل مشوهة العمر كله.. تعاليلي العيادة فوراً.
قفل الخط وسابني في حيرة تنهش في عقلي. بصيت لغرفة العناية، الدكتور خرج وعلامات الإجهاد على وشه وقالنا الحمد لله، قدرنا نسيطر على الانتكاسة وضغط الدم استقر، بس هو نايم تحت تأثير المهدئات لحد بكرة الصبح، ومفيش فايدة من قعدتكم هنا.
أسماء بصتلي وقالت بإنهاك يلا بينا يا هدى عشان العيال الصغيرين، وبكرة الصبح نرجع نطمن عليه.
وافقتها وأنا عقلي في مكان تاني تماماً. أول ما وصلنا البيت، حطيت سيف في السرير، واستنيت لحد ما الكل نام، ونزلت في نص الليل أركب تاكسي لعنوان عيادة الدكتور مدحت اللي بعتهالي في رسالة.
وصلت العيادة القديمة في منطقة هادية. دخلت الأوضة ولقيت الدكتور مستنيني، وشه كان شايب ومليان أسف. قعدت وأنا بنهج وقلتله أرجوك قولي في إيه؟ أحمد عمل تحليل DNA والولد طلع ابنه فعلاً، وأسماء كانت كاتبة في رسالتها إن أحمد مبيخلفش نهائي.. إزاي ده حصل؟
الدكتور مدحت اتنهد وطلع ملف قديم مغبر، وحطه قدامي وقال
أحمد فعلاً كان عنده عقم شبه كامل في بداية جوازه من أسماء، ونسبة الخلفة كانت شبه مستحيلة.. وأسماء لما عرفت، ضحت بأمومتها عشان تحميه من كسر النفس قدام أهله وصممت تتبنى البنات وتنسبهم ليه باتفاق سري مع الميتم وبيني عشان نطلع شهادات ميلاد باسمه.. لكن الحقيقة اللي أحمد ميعرفهاش، إني بعد سنين من التبني، عملت له فحص جديد واكتشفت إن حالته اتحسنت جداً بسبب علاج كان بياخده، وبقت فيه نسبة،

ولو واحد في المليون، إنه يخلف.
برقت عيني وقلت بلهفة طب وليه مقلتلوش؟ ليه سبت أسماء تفتكر إنه لسه عقيم؟
الدكتور نزّل راسه وقال بأسف أنا كنت هقوله، بس أسماء لما عرفت رجتني وبكت، وقالتلي يا دكتور، لو أحمد عرف إنه ممكن يخلف، غريزته هتخليه يتجوز تانية عشان يجيب الولد من صُلبه، وبناتي اليتامى دول هيكسروا ويحسوا إنهم غرباء في البيت، سيبه فاكر إنه عقيم وأنا متبنية البنات علشانه.. أسماء ضحت بالسر ده عشان تحمي بناتها اليتامى من إنه يتخلى عنهم!
دموعي نزلت ومبقتش قادرة أتنفس.. أسماء مكنتش بتخبي السر عشان تذل أحمد، دي كانت بتحمي بناتها اللي مالهمش حد في الدنيا.. وأنا جيت بكل غل ودمرت السيستم اللي هي بنته بالتضحية والدموع.
advertisement
الدكتور كمل وكلامه صدمتني أكتر لكن الصدمة الأكبر يا هدى.. إن أحمد لما لقى الرسالة الأسبوع اللي فات، واكتشف إن البنات متبنيين، انهار وجالي العيادة وهو مجروح، وقالي إنه عمل لكِ وللولد تحليل وطلع ابنه، وسألني إزاي؟ فأنا اضطريت أقوله الحقيقة.. أقوله إن أسماء خبت عليه إنه خف عشان تحمي البنات.. أحمد جاله الجلطة لما عرف إنه ظلم أسماء مرتين مرة لما افتكرها مابتخلفش، ومرة لما افتكرها بتخدعه بالتبني.. الجلطة جاتله من قهرته على الست اللي صانته وهو داس عليها.
رجعت البيت الفجر وأنا شايلة جبال فوق كتافي. طلعت الشقة فوق، وبصيت لسيف وهو نايم.. الواد ده جه بمعجزة إلهية، بس المعجزة دي دمرت حياة ناس ملهمش ذنب.
تاني يوم الصبح، رحت أنا وأسماء المستشفى. دخلنا لأحمد الأوضة، وكان فايق بس مبيتحركش، عينه كانت دبلانة ودموعه نازلة على مخدته.
بص لأسماء وحاول يرفع إيده المرتعشة، وبصوت مبحوح ومقطع قال
سامحيني يا أسماء.. الدكتور مدحت قالي كل حاجة.. قالي إنك خبيتي عليا عشان تحمي البنات.. أنا اللي كنت أعمى.. أنا اللي بعت الذهب بالتراب.
أسماء مسكت إيده وعيطت مسامحاك يا أحمد.. والله مسامحاك، قوم بس عشان خاطر عيالك.
في اللحظة دي، أنا تقدمت.. كنت حاسة إني لازم أنهي كل الكدب والغل اللي عيشت فيه. وقفت قدام السرير، وبصيت لأحمد ولأسماء، وقلت
بصوت عالي وواضح وسط دموعي
أنا اللي لازم أدفع التمن.. أنا اللي هصلح كل حاجة قبل ما فوات الأوان.
أحمد وأسماء بصوا لي باستغراب، وأحمد حاول يتكلم، بس أنا طلعت من شنطتي ورقة كنت كاتباها ومضياها من ساعتين عند المحامي، وحطيتها في إيد أسماء.. ورقة هتقلب كل الموازين حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء السابع والأخير حصاد الحكمة.. ودوران العجلة
فتحت أسماء الورقة وهي مستغربة، وبصت في السطور المكتوبة بخط إيدي وعينيها بتوسع من الصدمة. كانت الورقة عبارة عن تنازل رسمي وموثق عن كل شيء.. كتبت فيها إني متنازلة لأسماء وبناتها عن نصيبي في أي ورث أو منفعة، وكمان كتبت إقرار وتعهد رسمي بأن الوصاية الكاملة على ابني سيف تعليميًا وماليًا وتربويًا تكون لأسماء في حال حياة أحمد أو وفاته، وإني مش هكون أكتر من حاضنة ومرضعة ليه، بوجّهه لطريق الحق اللي أنا عِمت عنه.
بصيت لأحمد اللي كان باصصلي بذهول، وقلت له وأنا ببكي بحرقة ونفسي مكسور
أنا عارفة إن الندم مبيصلحش اللي انكسر يا أحمد.. وعارفة إن الكدب والغل اللي عيشت بيهم خربوا بيوت ناس ملهمش ذنب. أنا جيت البيت ده عشان أملك الدنيا بالولد، بس اكتشفت إن الدنيا اللي تتبني على قهر ست غلبانة ويتيمة ومظلومة، بتكون أول حاجة تقع على دماغ صاحبها. أنا متنازلة عن كل حاجة لأسماء.. لأنها الست الوحيدة اللي تؤتمن على ابنك وعلى مستقبله.. هي اللي صانتك في غيبتك، وهي اللي هتربي ابنك على الأصول والنضافة اللي أنا مكنتش عارفاها.
لفت لأسماء، ووقعت على ركبي قدامها، بس المرة دي مش من خوف من الشارع، ولا غرور.. المرة دي بكسرة نفس حقيقية وتوبة لربنا، وقلت لها
لو كنتِ وطيّتي بستي إيدي زمان عشان خاطر بناتك والستر.. فأنا دلوقتي مستعدة أبوس تراب رجليكي عشان تقبلي تربي ابني معاكي، وتطلعيه راجل صالح ميعرفش الظلم ولا يكسر بقلب حد زي ما أبوه وأمه عملوا.
أسماء دمعت، وقربت مني بهدوء، ومدت إيديها اللي طالما كانت ممدودة بالخير، ورفعتني من على الأرض وضمتني لصدق في لحظة خلت كل غل وحقد جوايا يدوب ويموت. وقالت بصوتها الدافي المليان حكمة
قومي
يا هدى.. ربنا مبيقبلش بكسرة حد، والمسامح كريم.. الدرس قاسي عليكي وعلى أحمد، بس ربنا راد يصحّينا كلنا قبل ما نقابله بذنوبنا. سيف ابني زي ما هو ابنك، والبنات دول إخواته، والبيت ده هيلمنا كلنا على المحبة والعدل، ومفيش حد فينا أحسن من حد.. الميزان عند ربنا بالتقوى والقلب السليم، مش بالولد ولا بالبنت.
أحمد غمض عينه ودموعه نازلة، وحسينا كأن جبل انزاح من على صدره، وبدأ يتنفس بارتياح ونبضات قلبه تستقر على الشاشة.
مرت الشهور، وأحمد قام
بالسلامة من المستشفى، بس الجلطة سابت أثر خفيف في حركته وكأنه إنذار دايم ليه من ربنا عشان يفضل فاكر. رجعنا البيت، بس الحياة اتمست تمامًا بملامح جديدة.
أحمد بقى يقضي معظم وقته في الشقة اللي تحت مع أسماء والبنات، بيعوضهم عن كل سنين الجفاف والكسرة، وبقى يبص لبناته التلاتة على إنهم النعمة الكبيرة والستر اللي ربنا بعتهوله في الدنيا.
أما أنا.. فبقيت عايشة في الشقة اللي فوق، بربي سيف بكل جوارحي، وبعلمه من صغره إن الست اللي تحت دي هي سر وجوده وأمانه. بقيت بنزل لأسماء كل يوم، بساعدها في شغل البيت وفي المشغل الصغير اللي فتحته، مش كخدامة مقهورة، ولكن كأخت تابت وعرفت إن السعادة الحقيقية هي إنك تنام ومفيش مخلوق بايت يدعي عليك من قهرته.
وفي ليلة جمعة، كنا قاعدين كلنا في الجنينة الصغيرة اللي تحت البيت.. أحمد قاعد وساند ضهره، وأسماء جنبه، والبنات التلاتة بيلعبوا مع سيف الصغير وبيضحكوا بصوت مالي المكان دفء.
بصيت ليهم من بعيد وابتسمت، وافتكرت رحلتي من أول ما جيت البيت ده بغروري وشيطنتي، لحد ما بقيت واقفة مكاني هنا. واتعلمت الحكمة الكبيرة اللي هعيش بيها عمري كله وعلمها لولدي
إن البيوت لا تُبنى على أنقاض قلوب الآخرين، وأن الولد قد يكون رزقًا من صلبك.. ولكن التوفيق والبركة والستر هم الرزق الحقيقي الذي لا يمنحه الله إلا لأصحاب القلوب الرحيمة الصادقة.. والدنيا مهما دارت وعلت بصاحبها بالباطل، لا بد أن تدور العجلة يومًا ليقف الظالم في نفس الموقف الذي وضع فيه المظلوم.. فالعفو عند المقدرة شيمة الكرام، والعدل الإلهي لا يغفل ولا
ينام.
تمت
الكاتب_رومانى_مكرم

 

تم نسخ الرابط