اتجوزنى على مراته بقلم روماني مكرم
عليهم الدنيا كعب داير، هبوس تراب رجلين الست اللي صانتني وصانت سري، وأنتِ اطلعي برة بيتي.. برة حياتي.
لميت هدومي والدموع عامية عيني، وخرجت من الشقة وأنا شايلا ابني على كتفي، نزلت السلم وبصيت لشقتها اللي تحت.. كانت ضلمة وفاضية، واقتربت من بابها واقتكرت يوم ما باست إيدي وقالتلي حرام عليكي. حسيت ساعتها إن ذنبها ودموعها بدأوا يتردوا ليا في نفس اللحظة.
خرجت للشارع في نص الليل، الهوا كان ساقع، والولد بدأ يعيط بين إيديا.. ومكنتش عارفة هروح فين، ولا مين هيسترني أنا وابني في وقت متأخر زي ده. تذكرت جملتها الأخيرة مليش حد في الدنيا.. ومحدش هيسترني. ودلوقتي، أنا اللي بقيت في الشارع، من غير سند، ومن غير زوج، وبإيدي اللي خربت بيتي بإيدي.
الجزء الثالث التائهون في ممر العدالة
خرجت للشارع المظلم، الهوا الساقع كان بيخبط في وشي وكأنه بيجلدني على كل لحظة ظلم ظلمتها للست دي. ابني سيف كان بيصرخ بين إيديا من البرد والخوف، وأنا مش عارفة أروح فين. أهلي ناس على قد حالهم في محافظ تانية، ولو رحتلهم بالفضائح دي وبأني اطلقت وطُردت في نص الليل، هكون مكسورة الجناح قدام الكل.
قعدت على رصيف في آخر الشارع، وضامة ابني لصدري وأنا ببكي بحرقة. كل دمعة نزلت من عين مراته الأولى كانت بتتحول دلوقتي لسهم في قلبي. افتكرت لما كانت بتقولي أنا مستعدة أكون خدامتك، ودلوقتي أنا مش لاقية مكان يحميني أنا وابني اللي كنت فاكرة إنه هيكون حصني المنيع وسندي في الدنيا.
مرت الليلة دي كأنها سنة، قضيتها في لوكاندة صغيرة وبسيطة نزلت فيها مؤقتًا بفلوس دهبي اللي كانت معايا. كنت ببص لسيف وهو نايم، وبسأل نفسي الذنب ذنبي أنا، بس الواد
في نفس الوقت، كان أحمد عايش في جحيم تاني.
ما قعدش في البيت دقيقة واحدة. بدأ رحلة البحث عن مراته الأولى أسماء وبناته. راح للملجأ اللي كانت أسماء متبنية منه البنات، وراح لبيوت بعض معارفها القدام اللي كانت تعرفهم قبل ما تتقطع صلتها بيهم. كان بيمشي في الشوارع زي المجنون، ماسك صور البنات وصورتها، بيسأل وبيدور في كل مكان.
ندمه كان بياكل في قلبه. كان بيفتكر إزاي هي استحملت نظرات الشفقة من الناس، وإزاي دارت على عيبه وعاشت معاه تخدمه وتربي بنات مش من دمها بس عشان تستر سري وتحميني من كلام الناس وعيرتهم. كان بيقول لنفسه
أنا ضيعت الملاك اللي صانني، ومشيت ورا الشيطانة اللي خربت بيتي.
بعد أسبوعين من التدوير، تليفون أحمد رن. كان واحد من أصحابه القدام بيقوله
أحمد، أنا شفت أسماء والبنات في منطقة عشوائية على أطراف القاهرة، شغالة في مشغل خياطة صغير، وقاعدة في أوضة فوق السطوح.
أحمد ما كدبش خبر، طار بالعربية للمكان. لما وصل ودخل الحارة الضيقة، طلع السلم المهدود لحد ما وصل للسطوح. شاف الباب موارب، وبص من الشق.. شافها قاعدة على مكنة الخياطة وعينها مجهدة، والبنات حواليها بيذاكروا على نور لمبة ضعيفة.
فتح الباب ودخل وهو بينهج، ودموعه سبقت كلامه. أول ما شافته، وقفت مصدومة، والبنات جريوا استخبوا وراها وخايفين.
وقع أحمد على ركبه قدامها، وبكى بصوت مسموع وقال
سامحيني يا أسماء.. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك صنتيني وأنا بعتك، عرفت إنك سترتيني وأنا فضحتك.. ارجعي معايا يا بنت الناس، البيت بيتك، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي أنتِ والبنات.
أسماء بصتله بنظرة
أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا أحمد، لأني عمري ما كرهتك. بس الرجوع مستحيل. اللي اتكسر جوانا مبيصلحوش ندم. أنا هنا بربي بناتي بلقمة حلال، ومستورة من غير ما حد يعايرني أو يذلني.
أحمد صرخ
عشان خاطري يا أسماء.. ربنا كرمني بالولد من هدى، بس أنا طردتها وطلقتها لما عرفت حقيقتها.. أنا مش عايز غيرك أنتِ والبنات، الولد ملوش ذنب بس أمه هي اللي دمرتنا.
لما سمعت اسم هدى والولد، ملامح أسماء اتغيرت، وبصت لأحمد بنظرة فيها عتاب طويل وقالت جملة وقعت على أحمد زي الصاعقة
طردت هدى وابنك؟ بعت التانية زي ما بعت الأولى؟ أنت لسه متعلمتش الدرس يا أحمد؟
في الناحية التانية، كنت أنا هدى قاعدة في الأوضة الضلمة في اللوكاندة، والفلوس اللي معايا بدأت تخلص. وفي لحظة يأس وفشل، قررت إني لازم أرجع لأحمد.. مش عشان نفسي، عشان ابني ميتشردش.
شلت سيف ورحت للبيت. طلعت السلم وأنا رجليا بتترعش. جيت أخبط على الباب، لقيت الباب مفتوح.. دخلت الشقة وكنت فاكرة أحمد لوحده، لكن الصدمة كانت مستنياني جوه.
لقيت أحمد قاعد، ومعاه أسماء والبنات التلاتة واقفين في الصالة.
أول ما أحمد شافني وشاف الولد في إيدي، عينه اسودت وقام وقف وعلامات الغضب والشر ظهرت في وشه، وصرخ فيا وهو بيقرب مني وعينه بتطلع شرار.
الجزء الرابع مواجهة الحساب
تسمرت في مكاني، ونظرات أحمد كانت كفيلة بإنها تدبحني. صرخ فيا وصوته زلزل الحوائط
إنتِ إيه اللي جابك هنا تاني؟ أنا مش طردتك وطلقتك؟ ميبقاش ليكي عين تيجي بعد كل اللي عملتيه!
قرب مني ومسكني
عشان خاطر ابنك يا أحمد.. ارحمني وارحم ابنك، ماليش مكان أروح فيه والفلوس اللي معايا خلصت.. سيف ملوش ذنب في أي حاجة!
لكن أحمد كان غايب عن الوعي من كتر الغل، وزقني بكل قوته لدرجة إني كنت هقع على السلم أنا والولد. وفي اللحظة دي، ظهر إيد مسكتني ومنعتني من الوقوع.. بصيت ورايا ومكنتش مصدقة.
كانت أسماء.
أسماء وقفت بيني وبين أحمد، وبصتله بنظرة قوية وعمر ما شفتها فيها قبل كده، وقالت بصوت حازم
سيبها يا أحمد.. كفاية ظلم لحد كده.
أحمد بص لأسماء بذهول وقال
إنتِ بدافعي عنها يا أسماء؟ دي اللي حرقت دمك وتتبلت عليكي بالكدب وكانت السبب في طلاقنا وخراب بيتك!
أسماء لفت وبصتلي، وعينها جت في عيني. كنت واطية في الأرض ومش قادرة أرفع عيني فيها من كتر الكسوف والذنب. شافت ابني سيف وهو بيموت من الرعب، فمدت إيدها وأخدته مني براحة وضمتُه لصدرها وطبطبت عليه لحد ما سكت، وقالت لأحمد
الست دي غلطت في حقي وفي حق نفسها، وربنا جابلي حقي منها لحد عندي.. لكن الواد ده ملوش ذنب، ده ابنك ومن صُلبك يا أحمد.. الولد اللي فضلت طول عمرك تدعي ربنا يرزقك بيه.. ترميه في الشارع عشان تعاقب أمه؟
أحمد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بحرقة وقال
أنا مش قادر أبص في وشها يا أسماء.. كل ما بشوفها بفتكر إني ظلمتك وصدقتها.. بفتكر إني بعت الست اللي صانت سري وعاشت معايا على الحلوة والمرة علشان واحدة شيطانة.
أسماء قربت منه وحطت سيف على حِجره وقالتله
لو عايزني أسامحك بجد يا أحمد، وتكفر عن ذنبك قدام ربنا.. لازم تتقي الله في ابنك.