الحكة في العين
نفسه.
وقف الشاب أمام الحضور وألقى كلمة قصيرة.
وفي نهايتها قال:
— "هناك معلمة علمتني شيئًا لم أنسه أبدًا."
ثم نظر نحو الصفوف الأولى.
مباشرة إلى حيث كانت تجلس ليان.
وقال:
— "عندما كنت طفلًا، ظننت أن الجميع يرونني مشكلة."
— "إلا شخصًا واحدًا."
ساد الصمت في القاعة.
وأكمل:
— "شخص رأى إنسانًا يحتاج إلى فرصة."
امتلأت عينا ليان بالدموع.
لأنها أدركت فجأة ما كانت تراه أمامها.
الدائرة اكتملت.
قبل سنوات طويلة...
طفلة صغيرة جلست بجانب طفلة أخرى تبكي.
ذلك الموقف البسيط غيّر شيئًا داخلها.
ثم دفعها لاحقًا إلى مساعدة أطفال آخرين.
وأحد أولئك الأطفال كبر بدوره، وأصبح يؤثر في حياة آخرين.
وكأن ذلك اللطف الصغير لم يتوقف أبدًا.
بل انتقل من شخص إلى آخر.
ومن جيل إلى جيل.
وفي طريق العودة إلى المنزل تلك الليلة، نظرت ليان من نافذة السيارة وقالت لي:
— "أتعلمين ما أغرب شيء في كل هذه القصة؟"
قلت:
— "ما هو؟"
فابتسمت وقالت:
— "أننا أمضينا سنوات نظن أن القصة بدأت بحكة في العين."
سكتت لحظة.
ثم أضافت:
— "لكن الحقيقة أنها بدأت بلحظة اختار فيها شخص أن يكون لطيفًا."
وكانت محقة.
لأن كل ما حدث بعد ذلك...
لم يكن سوى الأثر الذي تركته تلك اللحظة الصغيرة وهي تكبر، وتكبر، وتكبر... دون أن يلاحظ أحد.
مرت السنوات، وأصبحت ليان جدة.
أما أنا، فقد أصبحت أروي القصة لأحفادي كما كنت أروي لهم قصص ما قبل النوم.
وفي كل مرة أصل إلى الجزء الذي جلست فيه ليان بجانب الطفلة الباكية، كان أحد الأحفاد يقاطعني بالسؤال نفسه:
— "وماذا حدث للدمية؟"
فأضحك دائمًا.
لأن الجميع كان يتذكر الرسائل والصور والغرفة المغلقة...
ولا أحد كان يتذكر الدمية الصغيرة التي أعطتها ليان لتلك الطفلة.
وفي الحقيقة، لم نكن نعرف ماذا حدث لها.
مرت أكثر من أربعين سنة منذ ذلك اليوم.
وكانت الدمية مجرد تفصيل صغير ضاع وسط الأحداث.
أو هكذا ظننا.
في أحد أيام الربيع، تلقّت ليان دعوة لحضور افتتاح مركز جديد لدعم الأطفال الذين يمرون بتجارب صعبة.
وكان المركز يحمل اسمًا مؤثرًا:
"بيت الأمل".
حضرت الافتتاح مع عدد من الضيوف.
وبعد انتهاء الكلمات الرسمية، أخذتهم المديرة في جولة داخل المبنى.
وفي إحدى القاعات الزجاجية، كانت هناك خزانة عرض صغيرة تضم أشياء تبرع بها أشخاص مرّوا بتجارب تركت أثرًا في حياتهم.
رسائل.
رسومات.
ألعاب قديمة.
وصور.
ثم توقفت ليان فجأة.
شعرت أن قلبها كاد يتوقف.
داخل الخزانة...
كانت هناك دمية صغيرة قديمة.
باهتة
وممزقة قليلًا عند أحد الذراعين.
لكن ليان عرفتها فورًا.
كانت الدمية نفسها.
الدمية التي حملتها يوم حفل عيد الميلاد.
الدمية التي أعطتها للطفلة الباكية.
اقتربت من الزجاج ببطء.
وقرأت البطاقة الموضوعة بجوارها.
وكان مكتوبًا:
"هذه الدمية أهدتها لي طفلة لا أعرف اسمها عندما كنت أمر بأسوأ أيام طفولتي. احتفظت بها أكثر من ثلاثين عامًا. وعندما أسست هذا المركز، أردت أن تبقى هنا لتذكّر الجميع بأن اللطف الصغير قد ينقذ قلبًا كبيرًا."
تحت العبارة كان توقيع صاحبة المركز.
الطفلة نفسها.
وقفت ليان تحدق في الكلمات.
غير قادرة على الكلام.
وفي تلك اللحظة، اقتربت منها المديرة.
وقالت بابتسامة:
— "هي كانت تتمنى أن تراكِ هنا."
سألتها ليان بصوت مرتجف:
— "هل كانت تعرف أنني سأحضر؟"
أجابت:
— "هي من أصرّت على إرسال الدعوة بنفسها."
ثم أضافت:
— "وكانت تقول دائمًا إن كل ما حققته بدأ من يوم ظنت فيه أنها وحيدة... ثم اكتشفت أنها ليست كذلك."
في تلك اللحظة، أدركت ليان شيئًا لم تفهمه طوال العقود الماضية.
الأثر الحقيقي لأفعالنا لا يظهر فورًا.
أحيانًا يحتاج سنوات.
وأحيانًا عقودًا.
وأحيانًا لا نراه أبدًا.
لكن هذا لا يعني أنه غير موجود.
وعندما عادت إلى المنزل في تلك الليلة، أخرجت الصورة القديمة مرة أخرى.
الصورة التي بدأت منها كل الذكريات.
نظرت إليها طويلًا.
ثم ابتسمت.
وقالت بهدوء:
— "الآن فقط انتهت القصة."
لكنني كنت أعرف أنها مخطئة.
لأن هناك طفلًا ما سيدخل ذلك المركز غدًا.
وسيرى الدمية خلف الزجاج.
ويقرأ العبارة المكتوبة بجانبها.
وربما يقرر بعدها أن يكون أكثر لطفًا مع شخص آخر.
وعندها...
ستبدأ القصة من جديد.
في صباح اليوم التالي، دخل طفل صغير إلى "بيت الأمل" ممسكًا بيد والدته.
كان اسمه يوسف.
لم يكن يعرف شيئًا عن ليان.
ولا عن الطفلة الباكية.
ولا عن حكة العين التي بدأت منها الحكاية كلها.
كل ما كان يعرفه أنه لا يريد البقاء هناك.
كان منكمشًا على نفسه.
يرفض النظر إلى الناس.
ويرد على الأسئلة بكلمة أو كلمتين فقط.
أخذته إحدى المشرفات في جولة داخل المركز.
ومعظم الأشياء لم تثر اهتمامه.
حتى وصل إلى خزانة الدمية القديمة.
وقف أمامها.
وقرأ البطاقة المعلقة.
ثم سأل المشرفة:
— "هل هذا حقيقي؟"
ابتسمت وقالت:
— "نعم."
— "شخص احتفظ بلعبة ثلاثين سنة؟"
— "نعم."
فكر قليلًا.
ثم سأل:
— "لأن شخصًا كان لطيفًا معه؟"
أومأت المشرفة برأسها.
وبقي يوسف صامتًا للحظات طويلة.
قبل
لم ينتبه أحد وقتها إلى أن تلك الدقائق القليلة ستصبح لاحقًا نقطة تحول في حياته.
مرت الأعوام.
كبر يوسف.
وأصبح شابًا.
ثم طبيبًا للأطفال.
وكان يعمل في قسم يستقبل الأطفال الذين يشعرون بالخوف من المستشفيات والعلاج.
وفي أحد الأيام، جاءت طفلة صغيرة تبكي بشدة قبل إجراء بسيط.
كان الجميع يحاول تهدئتها دون جدوى.
فجلس يوسف بجوارها.
وأخرج من جيبه دمية صغيرة كان يحتفظ بها في العيادة لهذا الغرض.
ووضعها بين يديها.
ثم قال:
— "يمكنك الاحتفاظ بها اليوم."
توقفت الطفلة عن البكاء تدريجيًا.
وأمسكت الدمية بقوة.
وفي تلك اللحظة تذكر يوسف شيئًا من طفولته.
خزانة زجاجية.
دمية قديمة.
وقصة عن شخص مجهول اختار أن يكون لطيفًا.
بعد سنوات أخرى، سأله أحد الصحفيين في مقابلة:
— "ما الذي دفعك إلى اختيار طب الأطفال؟"
ابتسم يوسف.
وقال:
— "قد يبدو السبب غريبًا."
ثم حكى لهم عن زيارة قديمة لمركز اسمه "بيت الأمل".
وعن دمية خلف زجاج.
وعن قصة لم يعرف أصحابها أنه سمعها يومًا.
في تلك اللحظة لو كانت ليان موجودة لاستوعبت الحقيقة كاملة.
الحكاية لم تعد تخصها.
ولا تخص الطفلة الباكية.
ولا حتى عائلتنا.
لقد خرجت من أيدينا منذ زمن طويل.
وصارت تنتقل بين غرباء لم يلتقوا ببعضهم أبدًا.
شخص يساعد شخصًا.
وذلك الشخص يساعد آخر.
والآخر يساعد غيره.
دون أن يعرف أحد أين بدأت السلسلة.
أو إلى أين ستنتهي.
وربما لهذا السبب لا توجد نهاية حقيقية لهذه القصة.
لأن بعض القصص لا تُختتم بآخر صفحة.
بل تستمر في حياة أشخاص لم يولدوا حتى عندما بدأت.
وكل ما تحتاجه لتبدأ...
ليس أكثر من لحظة واحدة من الرحمة.
أو ابتسامة.
أو دمية صغيرة تُمنح لطفل يبكي.
بعد سنوات طويلة من ذلك، أصبح اسم "بيت الأمل" معروفًا في مدن كثيرة.
وتوسعت فروعه.
وتغيّرت وجوه العاملين فيه مئات المرات.
لكن الدمية القديمة بقيت في مكانها.
داخل الخزانة الزجاجية نفسها.
وكأنها تحرس القصة.
في أحد الأيام، كانت فتاة مراهقة تُدعى مريم تزور المركز ضمن رحلة مدرسية.
لم تكن ترغب أصلًا في المشاركة.
كانت تمر بفترة صعبة.
تشعر أن لا أحد يفهمها.
وأن مشاكلها أكبر من أن يراها الآخرون.
وأثناء تجولها في القاعات، توقفت أمام الخزانة.
قرأت القصة المعلقة.
ثم أعادت قراءتها مرة ثانية.
وثالثة.
وسألت المرشدة:
— "هل تعرفون اسم الطفلة التي أعطت الدمية؟"
أجابت المرشدة:
— "لا."
— "واسم الطفلة التي أخذتها؟"
— "لا."
ابتسمت مريم باستغراب.
وقالت:
— "غريب... الجميع يتذكر ما فعلوه، لكن لا أحد يعرف أسماءهم."
فأجابت المرشدة بجملة بقيت عالقة في ذهنها:
— "أحيانًا يكون الفعل أهم من الاسم."
عادت مريم إلى منزلها ذلك اليوم وهي تفكر في تلك العبارة.
وبعد أسابيع قليلة، لاحظت أن إحدى زميلاتها في الصف تجلس وحدها دائمًا أثناء الاستراحة.
لم تكن صديقتها.
بل بالكاد تعرف اسمها.
وفي الماضي كانت ستمر بجانبها دون اهتمام.
لكنها تذكرت الدمية.
وتذكرت العبارة.
فجلست بجوارها.
وبدأ بينهما حديث بسيط.
دقيقة واحدة فقط.
ثم دقيقتان.
ثم صداقة استمرت سنوات.
ولم تعرف مريم أبدًا أن تلك الزميلة كانت تمر بواحدة من أصعب فترات حياتها.
كما لم تعرف الزميلة أبدًا أن سبب تلك الجلسة القصيرة كان قصة دمية قديمة خلف زجاج.
وهكذا استمرت السلسلة.
شخص يتأثر بقصة.
ثم يصبح جزءًا منها دون أن يشعر.
وفي مكان ما، بعد عقود من رحيل الجميع تقريبًا، ربما سيقف طفل آخر أمام الخزانة نفسها.
سيقرأ الكلمات ذاتها.
وسيتساءل عن أصحاب القصة.
وسيتخيل وجوههم.
لكنه لن يعرف شيئًا عن حكة العين.
ولا عن الغرفة فوق السطح.
ولا عن الرسائل والصور.
لأن كل تلك التفاصيل ستذوب مع الزمن.
أما الشيء الذي سيبقى...
فهو الفكرة التي نجت من كل شيء:
أن تصرفًا صغيرًا جدًا...
قد يغيّر يومًا واحدًا في حياة شخص.
وذلك اليوم الواحد قد يغيّر حياة كاملة.
وتلك الحياة قد تغيّر حياة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
إلى درجة أن أحدًا لن يستطيع بعد سنوات أن يحدد أين بدأت الحكاية أصلًا.
لكننا نعرف.
بدأت في صباح بعيد...
حين قالت طفلة صغيرة وهي تفرك عينها:
— "ماما... هناك شيء داخل عيني."
ومن تلك الجملة البسيطة...
وُلدت قصة لم تنتهِ أبدًا.
بعد سنوات طويلة جدًا، جلست ليان على شرفة منزلها في مساء هادئ، تتأمل غروب الشمس.
كان أحفادها يلعبون في الحديقة، بينما كانت صور العمر كله تمر أمام عينيها.
تذكرت الحكة في عينها.
والطبيب.
والغرفة فوق السطح.
والطفلة الباكية.
والدمية.
وكل الأشخاص الذين مروا في تلك الحكاية.
ثم ابتسمت.
لأنها أدركت شيئًا أخيرًا.
طوال حياتها كانت تظن أن قصتها بدأت يوم مرضت عينها.
لكن الحقيقة أنها بدأت يوم اختارت أن تجلس بجوار طفلة خائفة بدل أن تبتعد عنها.
في تلك اللحظة اقتربت منها حفيدتها الصغيرة وسألتها:
— "جدتي، ما أهم شيء تعلمته في حياتك؟"
نظرت ليان إليها بحنان.
وأجابت بعد تفكير:
— "أن الناس لا يتذكرون دائمًا ما قلته لهم... ولا ما أعطيتهم إياه."
— "إذًا ماذا
ابتسمت ليان وقالت:
— "يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون."
ظلت الطفلة تفكر في الكلمات للحظة.
ثم عانقت جدتها.
وأسرعت لتلعب مع إخوتها.
راقبتها ليان وهي تركض مبتسمة.
ثم أغمضت عينيها للحظة.
وكان قلبها مطمئنًا.
فالقصة التي بدأت بخوفٍ وألمٍ وحيرة...
انتهت بمعنى بسيط وواضح:
أن أصغر عمل من الرحمة قد يترك أثرًا لا نراه أبدًا، لكنه يظل حيًا في حياة الآخرين لسنوات طويلة.
وهكذا انتهت الحكاية.
ليس بكشف سرٍ جديد.
ولا برسالة أخيرة.
ولا بمفاجأة أخرى.
بل بحقيقة هادئة:
أن الخير الذي نزرعه بصدق لا يضيع أبدًا، حتى لو لم نعرف أين وصل أثره.
تمت.