الحكة في العين
استغربت الأمر في البداية، لكن شيئًا آخر جذب انتباهي.
في الصورة التالية مباشرة ظهرت المرأة نفسها وهي تمسك بكتف ليان وتهمس لها بشيء في أذنها.
أما ليان فبدت متوترة.
أغلقت الهاتف وشعور ثقيل يملأ صدري.
في المساء سألت ابنتي بهدوء:
— "هل تتذكرين السيدة التي كانت تعمل في منزل عمك يوم الحفل؟"
تغيرت ملامحها فورًا.
وهنا شعرت أن هناك شيئًا لم يُقل بعد.
قالت بصوت منخفض:
— "هي التي أخذتني إلى الغرفة فوق السطح."
تجمدت في مكاني.
سألتها:
— "لماذا؟"
فأجابت:
— "قالت إنها تريد أن تريني قطة صغيرة."
— "وهل كانت هناك قطة؟"
هزت رأسها بالنفي.
ثم أضافت:
— "لكن كانت هناك البنت التي تبكي."
عاد ذلك المشهد كله إلى ذهني.
الغرفة.
الطفلة.
الورقة.
الخوف.
فسألتها:
— "هل قالت لكِ شيئًا آخر؟"
صمتت ليان للحظات.
ثم قالت:
— "طلبت مني ألا أخبر أحدًا بما رأيته."
شعرت بقشعريرة.
لكن بعد أن تتبعنا الأمر لاحقًا وتحدثنا مع أصحاب المنزل، اتضح أن الحقيقة أقل غموضًا مما تخيلت.
كانت العاملة تساعد والدة الطفلة المريضة في تنظيف الغرفة أثناء علاج شعر ابنتها، وخشيت أن يدخل الأطفال الآخرون ويروا المشهد ويبدؤوا بالسخرية منها.
وعندما فوجئت بوجود ليان هناك، حاولت إخراجها بسرعة وطلبت منها ألا تتحدث عن الأمر.
لم يكن هناك سر مخيف.
ولا مؤامرة.
فقط بالغون اتخذوا قرارات خاطئة بدافع الخوف من الإحراج.
لكن المفارقة أن كل محاولة لإخفاء الحقيقة جعلت القصة تبدو أكثر غموضًا ورعبًا في أعين الأطفال.
وفي النهاية، أدرك الجميع أن الصراحة المبكرة كانت ستمنع أشهرًا من القلق والأسئلة وسوء الفهم.
أما ليان، فعندما أصبحت أكبر سنًا بقليل، كانت تضحك كلما تذكرت تلك الأيام وتقول:
— "كل هذه القصة بدأت لأن عيني كانت تحكني."
وأجيبها دائمًا:
— "نعم... وأحيانًا تبدأ أكبر القصص من أصغر إشارة."
بعد سنة كاملة تقريبًا، لم يعد أحد في العائلة يتحدث عن تلك الحادثة.
كبرت ليان قليلًا.
وتغيرت اهتماماتها.
أما أنا فكنت أعتقد أن كل أسرار ذلك اليوم قد انكشفت أخيرًا.
لكن في إحدى أمسيات الشتاء، وبينما كنا نجتمع في منزل شقيق زوجي، اقتربت مني حماتي فجأة وقالت:
— "هناك شيء لم أخبرك به من قبل."
استغربت نبرتها.
فهي كانت تنظر حولها وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد.
سألتها:
— "ماذا هناك؟"
تنهدت وقالت:
— "أتذكرين يوم مرضت ليان بعد الحفل؟"
أومأت برأسي.
فقالت:
— "في ذلك اليوم... لم تكن ليان الطفلة الوحيدة التي عادت إلى منزلها وهي تبكي."
شعرت
فأكملت:
— "ابن أختي عاد أيضًا وهو خائف جدًا."
— "خائف من ماذا؟"
نظرت إليّ للحظة ثم قالت:
— "كان يردد أن هناك غرفة ممنوع على الأطفال دخولها."
اتسعت عيناي.
فهذا هو المكان نفسه الذي تحدثت عنه ليان.
الغرفة فوق السطح.
الغرفة التي رأت فيها الطفلة الباكية.
سألتها:
— "ولماذا لم يخبرنا أحد بذلك؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
— "لأننا ظننا أنها خيالات أطفال."
لكن الفضول عاد يشتعل داخلي من جديد.
وفي تلك الليلة سألت شقيق زوجي مباشرة عن تلك الغرفة.
فضحك وقال:
— "يا إلهي... ما زلتم تتحدثون عن هذا الأمر؟"
ثم أخذني بنفسه إلى الطابق العلوي.
فتح الباب.
ودخلنا.
ونظرت حولي.
كانت غرفة عادية جدًا.
مليئة بصناديق قديمة وألعاب مكسورة وأثاث مخزن.
لا شيء مخيف.
لا شيء غامض.
ثم أشار إلى زاوية بعيدة وقال:
— "لكن السبب الحقيقي لخوف الأطفال كان هذا."
التفتُّ.
ورأيت دمية قديمة بالحجم الطبيعي تقريبًا.
كانت مغطاة بالغبار.
وإحدى عينيها مفقودة.
أما شعرها فكان مقصوصًا بشكل عشوائي.
تجمدت للحظة.
ثم انفجرت ضاحكة.
لأنني فهمت أخيرًا.
الطفلة التي كانت تعالج من القمل كانت تجلس قرب تلك الدمية أثناء تنظيف شعرها.
الأطفال لمحوا المشهد من بعيد.
ورأوا طفلة تبكي بجوار دمية مخيفة داخل غرفة مغلقة.
ثم بدأت خيالاتهم تكمل بقية القصة.
انتشرت الشائعات بينهم.
وأضاف كل طفل تفصيلًا جديدًا.
حتى تحولت حادثة عادية إلى "سر مرعب" ظل يتردد لشهور.
وعندما عدت إلى المنزل تلك الليلة، أدركت شيئًا طريفًا:
نصف ما أخافنا طوال ذلك الوقت لم يكن حقيقة أصلًا.
بل قصصًا صنعها الخوف، وسوء الفهم، وخيال الأطفال.
أما الحقيقة فكانت أبسط بكثير:
طفلة مريضة احتاجت إلى علاج.
وأطفال لم يفهموا ما كانوا يرونه.
وكبار أخفوا التفاصيل بدل أن يشرحوها.
ومن هنا وُلدت الحكاية كلها.
مرت سنوات.
وأصبحت ليان في المرحلة الثانوية.
أما قصة "عين ليان" والغرفة فوق السطح والطفلة الباكية، فقد تحولت إلى حكاية عائلية نرويها أحيانًا ونضحك عليها.
لكن في أحد الأيام، وبينما كنت أرتب بعض الصناديق القديمة في المستودع، وجدت شيئًا لم أتوقعه.
كان صندوقًا صغيرًا يعود إلى ذلك الحفل.
بداخله صور مطبوعة، وبعض الزينة القديمة، وعدة أوراق متناثرة.
وبين الأوراق وجدت ظرفًا مغلقًا.
اصفرّ لونه من الزمن.
ولم يكن عليه اسم.
فتحته بدافع الفضول.
وفي الداخل وجدت ورقة مطوية بعناية.
كانت مكتوبة بخط طفولي.
قرأت السطر الأول فتسارعت دقات قلبي:
"إذا وجد أحد هذه الرسالة،
جلست على الأرض أكمل القراءة.
"أنا لم أرد أن أكذب. لكن أمي قالت إن الناس سيضحكون عليّ إذا عرفوا."
في تلك اللحظة أدركت أن الرسالة تعود إلى الطفلة التي كانت تبكي في الغرفة يوم الحفل.
وأكملت القراءة.
كانت تتحدث عن شعورها بالخجل بعد أن سخر بعض الأطفال من شعرها في المدرسة.
وعن خوفها من أن يخسرها أصدقاؤها إذا عرفوا أنها كانت تتلقى علاجًا.
وفي نهاية الرسالة كتبت:
"أعرف أن المرض ليس خطئي، لكنني تمنيت لو أنني أستطيع الاختفاء حتى أشفى."
توقفت عن القراءة للحظة.
وشعرت بغصة في حلقي.
لأنني أدركت أن كل ما ركزنا عليه وقتها كان الغموض والرسائل والقصص والخوف...
بينما كانت هناك طفلة صغيرة تعاني بصمت.
طفلة لم تكن تخشى المرض نفسه.
بل كانت تخشى نظرة الناس إليها.
في المساء عرضت الرسالة على شقيق زوجي.
فابتسم بحزن وقال:
— "كنت أبحث عنها منذ سنوات."
ثم أخبرني أن الطفلة أصبحت الآن شابة في الجامعة.
وأنها تضحك كلما تذكرت تلك الفترة.
لكنها لا تزال تحتفظ بندبة نفسية صغيرة من التنمر الذي تعرضت له وهي طفلة.
بعد أسابيع قليلة، حدث أمر لم أتوقعه.
كنا نحضر مناسبة عائلية كبيرة.
وفجأة اقتربت مني شابة مبتسمة.
مدت يدها وقالت:
— "هل تتذكرينني؟"
نظرت إليها للحظات.
ثم أدركت.
كانت هي.
الطفلة الباكية نفسها.
كبرت.
وتغيرت ملامحها تمامًا.
لكن عينيها كانتا كما هما.
ابتسمت وسألتها عن أحوالها.
فضحكت وقالت:
— "الغريب أنني أدرس الآن علم النفس."
استغربت.
فسألتها لماذا اختارت هذا التخصص.
فأجابت:
— "لأنني كنت أتمنى يومًا أن يفهم أحد ما أشعر به."
ثم أضافت:
— "وأريد أن أساعد أطفالًا آخرين يشعرون بالخوف أو الخجل مثلي."
عندها فقط شعرت أن القصة انتهت فعلًا.
ليس عندما شُفيت عين ليان.
ولا عندما اكتشفنا سر الغرفة.
ولا عندما عرفنا حقيقة الرسالة.
بل عندما تحولت تجربة مؤلمة عاشها طفل... إلى سبب يساعد به الآخرين.
وهكذا انتهت الحكاية التي بدأت بحكة بسيطة في عين طفلة صغيرة، وانتهت بعد سنوات بدرس كبير عن التعاطف، والكلمات التي نقولها للأطفال، والأثر الذي قد يبقى معهم طويلًا بعد أن ينسى الجميع التفاصيل.
بعد سنوات أخرى، كنت أعتقد أن هذه الحكاية استنفدت كل ما فيها.
لكن في أحد الأيام، وبينما كنت أحتسي القهوة صباحًا، تلقيت رسالة على هاتفي من رقم لا أعرفه.
كانت قصيرة جدًا:
"هل ما زلتِ تحتفظين بصورة الحفل؟"
استغربت الرسالة.
فسألت صاحب الرقم عن هويته.
وجاء الرد بعد دقائق:
"أنا سامر... ابن أخت شقيق
تذكّرته فورًا.
هو الطفل نفسه الذي قيل يومها إنه عاد إلى منزله خائفًا من الغرفة المغلقة.
سألته عن سبب سؤاله.
فكتب:
"أريد أن أرى صورة معينة من ذلك اليوم."
بحثت في أرشيف الصور وأرسلت له النسخ التي ما زالت عندي.
مرّ يوم كامل دون رد.
ثم وصلتني رسالة طويلة.
قال فيها:
"أعرف أن الأمر سيبدو غريبًا، لكن هناك شيء ظل يزعجني منذ طفولتي."
وأوضح أنه كان يتذكر مشهدًا معينًا من الحفل، لكنه لم يكن متأكدًا إن كان حقيقيًا أم مجرد ذكرى مشوشة لطفل صغير.
في إحدى الصور التي أرسلتها له، ظهر ما كان يبحث عنه.
صورة التُقطت بالصدفة قرب باب الغرفة.
وعندما كبّرها، ظهرت ليان وعدة أطفال يقفون في الممر.
لكن في الخلفية ظهر شيء آخر.
ورقة معلقة على الباب.
لم ننتبه لها يومًا.
طلب مني تكبير الصورة.
فعلت ذلك بصعوبة بسبب رداءة الجودة.
وبعد عدة محاولات استطعنا قراءة ما كُتب عليها.
كانت مجرد ورقة بسيطة كُتب عليها بخط يدوي:
"يرجى عدم الدخول. غرفة تعقيم."
حدقت في الكلمات للحظات.
ثم بدأت أضحك.
لأن كل الأسرار التي شغلت العائلة سنوات طويلة اختُزلت فجأة في ثلاث كلمات.
غرفة تعقيم.
لا غرفة غامضة.
لا أسرار مخيفة.
لا أحداث مرعبة.
فقط مكان خُصص مؤقتًا لعلاج طفلة كانت تعاني من مشكلة صحية.
لكن الأطفال لم يقرأوا الورقة.
والكبار لم يشرحوا ما يحدث.
فملأ الخيال الفراغات.
ردّ سامر بعد ذلك برسالة واحدة:
"غريب كيف يمكن لطفل أن يحمل سؤالًا واحدًا عشرين سنة كاملة."
أغلقت الهاتف وأنا أفكر في كلامه.
أحيانًا لا تترك الأحداث الكبيرة أثرها فينا بقدر ما تتركه الأسئلة التي لم نجد لها جوابًا.
ولهذا، عندما كبرت ليان وأصبحت أمًا بدورها، كانت تقول دائمًا لابنتها:
"إذا سألتِني عن شيء، سأجيبك مهما كان."
وعندما سألتها ابنتها يومًا:
— "ولماذا؟"
ابتسمت ليان وقالت:
— "لأن قصة طويلة جدًا بدأت ذات يوم... بسبب حكة صغيرة في عيني."
وهناك، أخيرًا، أُغلقت آخر صفحة من الحكاية.
بعد سنوات طويلة، أصبحت قصة "الحكة في العين" مزحة عائلية تتكرر في كل تجمع.
كلما ذُكرت الغرفة فوق السطح أو الرسالة القديمة أو الطفلة الباكية، يضحك الجميع ويقولون:
— "كل هذه الفوضى بدأت من شعرة في رمش!"
لكن في أحد الأيام، وبينما كانت ليان تساعدني في ترتيب بعض الأغراض القديمة قبل انتقالنا إلى منزل جديد، وجدت دفترًا صغيرًا مغطى بالغبار.
كان دفتر ملاحظات الأطفال الذي وُضع في حفل عيد الميلاد ليكتب فيه الضيوف الصغار أمنياتهم ورسوماتهم.
جلسنا نقلب صفحاته من
رسومات.
تواقيع.
قلوب صغيرة.
وأسماء أطفال لم نرهم منذ سنوات.
ثم توقفت ليان فجأة عند صفحة معينة.
وقالت:
— "ماما... انظري إلى هذا."
أخذت الدفتر منها.
وفي أسفل الصفحة وجدت جملة قصيرة جدًا مكتوبة بقلم رصاص باهت:
"شكراً للبنت التي ابتسمت لي عندما كنت أبكي."
لم يكن هناك اسم.
ولا أي إشارة إلى صاحب الرسالة.
لكن ليان ظلت تنظر إليها طويلاً.
ثم قالت:
— "أعتقد أنها تقصدني."
سألتها:
— "كيف عرفتِ؟"
ابتسمت وقالت:
— "لأنني أتذكر الآن."
وأخذت تحكي شيئًا لم تذكره طوال تلك