حكاية ستر الجزار

لمحة نيوز

كان فيه سر غريب بيحصل كل مرة أبويا يجهز فيها العجل. حاجة مكنتش مفهومة وأنا طفل لكنها كانت بتتكرر كأنها قانون مقدس. بعد ما الدم يهدأ وقبل ما نلم العدة كان يمد إيده على منطقة معينة في الكتف ويطلع منها عضمة بعينها... ويكسرها.
مش بيكسرها وخلاص لا كان بيكسرها بكل قوة لحد ما تبقى بودرة كأنها عمرها ما كانت جزء من الجسد. وكنت أبصله مش فاهم وأسأله ليه بتعمل كده يا أبويا
يضحك ويسكت شوية وبعدين يقولي لما تكبر هتفهم... بس لازم توعدني بحاجة الأول.
الوعد ماكنش بسيط. قالي لما تمسك المحل مكاني تطلع من كل تجهيز ولو 2 كيلو لحمة للناس اللي محتاجة وتكسر العضمة دي وماتخليش حد ياخدها أبدا ولا تتباع لأي سبب.
الوعد دخل جوه قلبي من غير ما أفهم معناه. بس كنت حاسس إن له قيمة كبيرة.
كبرت وبدأت أتعلم كل تفصيلة في المحل. كنت أشوف أبويا بيصحى قبل الفجر يصلي وبعدين يفتح المحل وهو بيقول دعاء معين دايما بصوت واطي. كنت أسمع كلماته وأحس إنها مش مجرد عادة دي كانت طمأنينة

بتحوط المكان.
المحل كان له ريحة مميزة مش ريحة دم ولحمة لأ كانت ريحة كرم وستر. الزباين كانت بتيجي مش علشان الشراء بس لكن كأنهم بييجوا يزوروا حد عزيز يسمعوا منه كلمتين طيبين وياخدوا كيس فيه ستر.
كان أبويا لما يوزع يوزع من قلبه. مكنش بيشوف الناس على إنهم محتاجين كان بيشوفهم على إنهم أمانة.
وأنا شاب بدأت أساعده. كنت ألاحظ نظراته لكل زبون. كان عنده قدرة غريبة على قراءة ملامح الناس يعرف المحتاج من نظرة عينه أو من طريقة سلامه. كان يوزن اللحمة بعناية ويوزعها كأنها صدقة سر لا إحراج ولا منة.
وفي يوم دخل علينا راجل كبير في السن هدومه باهتة وصوته خافت. أبويا سلمه كيس لحمة بدون ما يتكلم وقاله بصوت عالي حاسبني لما ترجع!. الراجل ابتسم وعينه دمعت. ساعتها فهمت معنى الكلمة.
مرت الأيام وكبرت أكتر وشفت حاجات كتير. شفت أبويا بيشتغل وهو تعبان وبيوزع وهو مش قادر يقف. بس دايما كان يقول الستر مش بس في اللحمة الستر في نيتك.
وكنت كل ما أسأله ليه بتصر على كسر العضمة
دي بالذات يرد بنفس الابتسامة ويقول دي سر الشغل وسر ستر ربنا علينا.
وفي يوم تاني كنت راجع من المدرسة ولقيت أبويا بيبكي وهو قاعد ورا المحل. مشيت ناحيته وسألته مالك يا يابا قاللي حد كان محتاج لحمة وأنا النهاردة اتأخرت عن توزيعها. واللي اتأخر في ستر غيره... بيخسر ستره.
فضل الكلام ده يتردد في ودني سنين.
عدت السنين وأبويا كبر وصحته ابتدت تضعف. ومع أول أزمة صحية كبيرة جاتله اضطرينا نوقف الشغل شوية. كنت أنا المسؤول وأول ما لميت أموري بدأت أرجع الشغل تاني... بس بطريقتي.
وقفت كل حاجة ليها علاقة بالتوزيع. قلت لنفسي كفاية خسارة اللي محتاج يشتري والدنيا مش ماشية على العواطف. وفعلا في الأول الحسابات زادت والفلوس بقت أكتر.
بس مع الوقت بدأت أحس إن فيه حاجة مش ماشية. الزباين بقوا ييجوا ويقضوا بس الوشوش مش نفس الوشوش والنفس مش نفس النفس. بقت الدنيا كلها ماشية بورقة وقلم لكن الروح اختفت.
البيت نفسه تغير. مراتي بقت مهمومة والدنيا مش لطيفة. ورغم إن الحسابات
مظبوطة كان دايما فيه نقص مش مفهوم. وفي الوقت ده حملت مراتي وفرحنا كلنا. حسيت إن دي بداية جديدة.
لكن الفرحة ما كملتش. في الشهر السادس حصلت مضاعفات وخسرنا الجنين والدكاترة قالوا إن مفيش أمل في الحمل تاني. كأن الدنيا كلها وقفت.
رجعت البيت قعدت قدام المحل ونظرت في السكينة القديمة وافتكرت كلام أبويا. حسيت إني كنت ماشي في طريق غلط.
وبدأت المصايب تيجي ورا بعض. المحل بقى فيه برد مش برد الجو لكن برد الحال. الناس بقت تتجنبنا حتى اللي كانوا بيمروا يسلموا بطلوا.
وفي يوم جهلي واحد غريب وقاللي إنه سمع عني وعرض عليا مبلغ محترم مقابل العضمة اللي كنت زمان بكسرها. كنت عارف إن ناس بتستخدمها في حاجات مش مفهومة لكن وقتها كنت محتاج أي حاجة تساعدني. وافقت.
العجل اللي بعدها طلعت العضمة ولسه بجهزها السكينة خربشتها. قلبي وقع بس سلمتها.
بعد كام يوم اتجوزت بنتي وعد. بنتي اللي كانت كل يوم بتنزل معايا المحل وهي صغيرة وكانت تعرف الزباين واحد واحد وتوزع معاهم.
كانت
دايما تقوللي بابا عم
تم نسخ الرابط