دخلتُ لأسرق… فوجدت طفلة تخاف من العودة إلى “أمها”

لمحة نيوز

أنا أيضًا أصبحت أحتاج سماع صوتها حتى أصدق أن ليلة البيت لم تكن حلمًا.
وجدت لي سعاد عملًا في مخبز قريب من الكاظمية.
لا شيء كبير.
تنظيف الصواني، وكنس الطحين، وترتيب الخبز.
لكنه كان عملًا نظيفًا.
براتب.
وبوقت محدد.
وباسم حقيقي.
أول مرة قبضت راتبًا من دون أن أهرب بعدها، خبأت النقود داخل حذائي ومشيت في شوارع بغداد حتى تعبت قدماي.
مررت بالسوق.
كانت الروائح تختلط شاي، وخبز حار، وعطر رخيص، ودخان عربات الشواء.
رأيت عائلات، وطلابًا، ونساء يساومن على الأسعار.
المدينة نفسها.
المدينة التي تبتلعك إذا سقطت.
والتي قد تدفعك أحيانًا نحو المكان الذي يحتاجك فيه أحد.
في إحدى المرات، طلبت مني زهراء أن آخذها إلى البيت.
لا قالت سعاد فورًا.
شدّت زهراء عصاها البيضاء.
لا أريد الدخول فقط أريد أن أسمع أنه لم يعد يتحكم بنا.
ذهبنا مع الشرطة، والمحامية، وسعاد.
كان البيت مغلقًا بالشمع الأحمر.
والغبار يغطي الباب.
وقفت زهراء على الرصيف.
حرّك الهواء الأشجار اليابسة.
وكان بائع شاي بعيد ينادي بصوت متعب.
هنا كانت رائحة الخوف
قالت.
لم يجب أحد.
ثم رفعت وجهها.
لم تعد الرائحة نفسها.
بكت سعاد بصمت.
أما أنا فانحنيت قرب زهراء.
وما الرائحة الآن؟
فكرت قليلًا.
رائحة مكان مغلق.
وهذا شيء جيد.
لماذا؟
لأن الوحوش أيضًا تتعفن عندما لا يفتح لها أحد الباب.
ابتسمت زهراء.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت حقيقية.
في يوم المحكمة، لم تنظر أميرة نحوي.
كانت مرتبة الشعر، ترتدي بلوزة فاتحة، وتحاول أن تبدو امرأة محترمة.
لكن زهراء أدلت بشهادتها في غرفة خاصة، بعيدًا عنها.
في البداية كان صوتها يرتجف.
ثم أصبح ثابتًا.
تحدثت عن الطعام.
وعن الأربطة.
وعن جملة
هل رجعت أمي حتى تبيعني مرة ثانية؟
كنت أسمع من الخارج، وأشعر برغبة في تحطيم الجدران.
لكنني لم أحطم شيئًا.
بقيت واقفة فقط.
وهذا أيضًا كان شيئًا جديدًا بالنسبة لي.
عندما انتهت، طلبت زهراء رؤيتي.
دخلت.
كانت جالسة، وعصاها البيضاء فوق ساقيها.
هل كنت جيدة؟
ركعت أمامها.
كنتِ عملاقة.
كنت خائفة.
حتى العمالقة يخافون.
وأنتِ؟ هل خفتِ تلك الليلة؟
ضحكتُ بخفة.
كنت أموت من الخوف.
ضحكت زهراء.
وضحكت سعاد أيضًا.

وفي تلك الغرفة الرمادية المليئة بالأوراق والأختام والوجع كانت ضحكة زهراء أعدل من أي حكم.
بعد سنة، لم أعد أحمل سكينًا.
ما زلت أمشي وأنا أنظر خلفي.
وما زلت أخبئ الطعام أحيانًا داخل الأكياس من دون أن أشعر.
وما زال النوم في سرير حقيقي يبدو لي شيئًا يجب أن أدفع ثمنه.
لكنني كنت أتعلم.
سمحت لي صاحبة المخبز أن أزين صينية كليجة.
خرج شكلها معوجًا.
قالت زهراء إنها جميلة لأنها تستطيع شم السكر فيها.
كانت سعاد تدعوني إلى العشاء كل يوم جمعة.
وكنت دائمًا أقول إنني سأبقى قليلًا فقط.
ثم أبقى حتى وقت متأخر.
في إحدى الليالي، أمسكت زهراء يدي ووضعت شيئًا داخل راحتي.
كان سوارًا من خيط أحمر، تتدلى منه تعليقة صغيرة.
حتى لا تسرقي البيوت الخطأ مرة أخرى قالت.
وهل توجد بيوت صحيحة للسرقة؟
لا.
إذن الموضوع صعب.
ضحكت.
ثم أصبحت جادة.
هل تعتقدين أن الله أرسلك تلك الليلة؟
نظرتُ إلى يدي.
يدي الحرامية.
يدي الجوع.
اليدان اللتان قطعتا رباطًا، وحملتا طفلة فوق السطوح.
لا أعرف يا زهراء.
أنا أعرف.
حقًا؟
هزّت رأسها.
الله لا يرسل دائمًا
ناسًا صالحين. أحيانًا يرسل ناسًا مكسورين لأنهم يعرفون أين يؤلم الوجع.
لم أعرف ماذا أقول.
كانت رائحتها تشبه شامبو التفاح، والخبز الحلو، والبيت الآمن.
وفي تلك الليلة، وأنا أغادر، مشيت في شوارع بغداد القديمة.
كانت الأضواء معلقة فوق المحلات، والأطفال يركضون، والناس يشربون الشاي على الأرصفة.
العالم بقي مخيفًا.
هذا لم يتغير.
كانت هناك أميرات كثيرات خلف أبواب كثيرة.
وأطفال صامتون لا يسمعهم أحد.
وأشخاص مثلي يظنون أنهم لم يعودوا يملكون شيئًا يخسرونه.
لكن كان هناك أيضًا جيران يفتحون مطابخهم.
وشرطة تستمع.
وأمهات لا يتوقفن عن البحث.
وطفلات عمياء يعرفن الأشرار من طريقة خطواتهم.
وحرامية دخلت بيتًا لتبحث عن شيء تبيعه وخرجت تحمل الشيء الوحيد الذي لا يمكن تسعيره.
قبل أن أعبر الشارع، رفعت عيني إلى السماء.
أنا لا أعرف كيف أصلي بشكل جميل.
لم أتعلم هذا أبدًا.
لكنني همست تلك المرة
شكرًا على الفخ.
ثم أكملت طريقي.
بحقيبة فارغة.
وبيدين نظيفتين.
وصوت زهراء ما زال عالقًا داخل قلبي يذكرني أن حتى الناس الضائعين يمكنهم
أن يجدوا بابًا.
أحيانًا للسرقة.
وأحيانًا للهروب.
وأحيانًا إذا رقّت الحياة قليلًا لإنقاذ شخص آخر وإنقاذ أنفسهم معه.

تم نسخ الرابط