دخلتُ لأسرق… فوجدت طفلة تخاف من العودة إلى “أمها”
كانت الصورة قديمة لكنها هي نفسها.
زهراء بشعر أطول، وربطة صفراء صغيرة، وابتسامة لم تعد موجودة على وجهها الآن.
وفي الأسفل مكتوب
مفقودة زهراء علي جاسم اختفت في مدينة الثورة.
شعرت أن الدم نزل إلى قدمي.
عاد صوت القفل يتحرك.
زهراء أمسكت كمّ ملابسي بيأس.
لا تتنفسي بصوت عالي همست.
طفلة عمياء، مربوطة، جائعة كانت تعلّمني كيف أعيش داخل جحيمها.
انفتح الباب.
دخلت امرأة بكعب عالٍ، وعطر رخيص، وكيس نايلون مليء بطعام ليس لزهراء.
كانت تتحدث بالهاتف.
أقول لك جاهزة. لا تصرخ، ولا تعض. ضعيفة شوي، لكن تكسّر القلب. تنفع جدًا للتسوّل عند الإشارات.
تجمّد عنقي.
أشعلت المرأة ضوء الغرفة.
وبالكاد استطعت الاختباء خلف ستارة ثقيلة قرب خزانة متعفنة تفوح منها رائحة الصراصير.
خفضت زهراء رأسها.
وأصابعها ترتجف فوق البطانية.
تصرفتِ بشكل جيد؟ سألت المرأة.
لم تجب زهراء.
أحچي وياچ، يا بنت.
نعم ماما.
الكلمة سقطت مثل حجر داخل بئر.
وضعت المرأة الكيس على الطاولة.
أخرجت علبة مشروب، وكيس شبس، وساندويش ملفوفًا بمنديل.
وجلست تأكل أمام زهراء.
ببطء.
وباستمتاع.
كأن جوع الطفلة جزء من العشاء.
اليوم جاءت ست قالت زهراء بصوت صغير جدًا.
توقف قلبي.
توقفت المرأة عن المضغ.
أي ست؟
ابتلعت زهراء ريقها.
التي جاءت أمس. حلمت أنها رجعت.
حدّقت بها المرأة طويلًا.
ثم أطلقت ضحكة قبيحة.
لهذا لا أحب العميان. لا تعرف إن كانوا يشوفون بشيء ثاني.
وقفت.
وأنا أغلقت يدي على السكين الصغير الصدئ.
لم أكن أريد استخدامه.
والله يعلم هذا.
أنا سرقت هواتف، ومحافظ، وطعامًا.
هربت من الشرطة، ومن رجال أسوأ منها.
لكنني لم أغرس سكينًا يومًا في أحد.
اقتربت المرأة من زهراء، ورفعت ذقنها بإصبعين.
غدًا ستذهبين إلى عائلة جديدة.
انكمشت زهراء.
سيعطوني عشاء؟
إذا جلبتِ المال، نعم.
وأمي الحقيقية؟
صفعتها المرأة.
صوت الصفعة كان جافًا.
زهراء لم تصرخ.
أنا من صرختُ من الداخل.
انحنت المرأة وهمست لها
أمك الحقيقية تعبت من البحث عنك. لا أحد يريد طفلة مكسورة.
وهنا انكسرتُ أنا.
خرجتُ من خلف الستارة والسكين بيدي.
تجمّدت المرأة.
من أنتِ؟
الست الجديدة.
نزلت عيناها إلى حقيبتي، وحذائي المهترئ، وجاكتي القديمة.
فهمت بسرعة.
حرامية.
نعم.
إذن خذي أي شيء واطلعي. لم تري شيئًا.
نظرتُ إلى زهراء.
كانت تضغط شفتيها بقوة، لكن دمعتين نزلتا رغماً عنها.
بل رأيت.
ابتسمت المرأة.
لم تكن خائفة.
وهذا أخافني أكثر.
اسمعي يا وسخة، أنتِ لا تعرفين مع من تلعبين.
أدخلت يدها في حقيبتها.
لم أنتظر.
دفعتُ الخزانة المتعفنة فوقها.
لم تكن ثقيلة جدًا، لكنها كانت كافية لتسقطها على الطاولة.
انفجر المشروب على الأرض.
صرخت المرأة.
وقفزت زهراء في الكرسي بخوف.
اركضي! صرختُ.
أنا مربوطة.
طبعًا.
اللعنة.
اندفعت نحو الحبل.
لم يكن حبلًا عاديًا.
كان رباطًا ناعمًا، من النوع الذي لا يترك آثارًا قوية.
مصنوعًا حتى لا يشك أحد.
قطعته بالسكين.
وقفت زهراء، لكنها كادت تسقط لأن ساقيها لم تعودا تستجيبان.
أمسكت المرأة شعري.
شعرت أنها تقتلع فروة
سأقتلك يا بنت الكلب!
سحبتني للخلف.
وسقطت السكين من يدي.
ضربتها بمرفقي في بطنها.
لم يكن الأمر أنيقًا.
ولا مثل الأفلام.
كان قذرًا، مرتبكًا، ويائسًا.
أطلقت الهواء من فمها، وتمكنت أنا من حمل زهراء.
ركضنا نحو الممر.
لكن الباب الرئيسي أُغلق بقوة.
ومن الخارج دخل المفتاح في القفل.
المرأة، الملقاة في الصالة، بدأت تضحك.
وصلوا.
سمعنا صوت محرك بالخارج.
ثم أصوات رجال.
اثنان.
وربما ثلاثة.
التصقت زهراء بي.
هؤلاء الذين رائحتهم سجائر.
بحثت عن مخرج.
البيت كان قديمًا، من بيوت بغداد الشعبية ذات الجدران السميكة، والفناء الداخلي، والبلاط المتشقق.
كانت الرطوبة في الزوايا، وأصيصات يابسة، وحوض غسيل إسمنتي في آخر الساحة.
تذكّرت نفسي وأنا صغيرة، أتسلل إلى البيوت المهجورة لأنام.
البيوت القديمة دائمًا فيها فتحة.
باب خدمة.
سطح يؤدي إلى سطح آخر.
ضرب الرجال الباب.
افتحي يا أميرة!
أميرة.
صار للوحش اسم.
زحفت المرأة نحو الباب.
حملتُ زهراء وركضت نحو الفناء.
إلى أين سنذهب؟ همست.
حتى نعيش.
كان هناك سلم حديدي مثبت بالحائط.
يصعد إلى السطح.
كانت زهراء خفيفة خفيفة أكثر مما يجب.
أصعدتها أولًا، درجة بعد درجة، وهي تبحث بقدمها عن الحافة، وأنا أمسك خصرها.
في الأسفل، انفتح الباب.
وينها؟ صرخ رجل.
بدأت أميرة تبكي بصوت مفتعل.
الحرامية أخذتها!
دوت الخطوات نحو الفناء.
صعدتُ خلف زهراء.
ظهر رجل في الأسفل.
ضخم، يرتدي جاكيت أسود وقبعة.
رآني.
انزلي يا بنت.
أنا مو بنت، يا حيوان.
أمسك
ركلتُ أصيصًا يابسًا.
سقط على وجهه.
وأطلق شتيمة عالية.
في السطح، ضربنا الهواء البارد.
كانت تظهر أسطح البيوت المتلاصقة، والخزانات، والأسلاك، ومئذنة بعيدة، وسماء بغداد الداكنة التي لا تنطفئ بالكامل.
وفي الأسفل كانت المدينة تكمل حياتها كأن شيئًا لا يحدث.
بائع شاي ينادي في آخر الشارع.
كلب ينبح.
وضحكة بعيدة خرجت من بيت ما.
وفي هذا البيت كانوا يريدون إخفاء طفلة للمرة الثانية.
أنا لا أرى قالت زهراء وهي ترتجف.
أنا أرى.
كذبت.
الحقيقة أنني كنت أرى بالكاد.
كان السطح مليئًا بالأغراض القديمة.
أسطوانات غاز، وسطل ماء، ودراجة بلا إطار، وأغطية رطبة.
بحثتُ بجنون.
البيت المجاور كان قريبًا جدًا.
بين السطحين أقل من متر.
بالنسبة لي، كان ممكنًا.
أما بالنسبة لزهراء فكان هاوية.
الرجال بدأوا يصعدون.
اسمعيني يا زهراء.
لا أستطيع القفز.
تستطيعين.
سأقع.
لن أتركك.
هزّت رأسها.
أميرة كانت تقول هذا أيضًا.
ضربني الاسم كلكمة.
انحنيت أمامها، ووضعت يدي على صدرها.
اسمعي صوتي. اشعري بمكاني. أنا لست أميرة. لن أبيعك. نعم، دخلت لأسرق لكنني لن أخرج من دونك.
ارتجفت شفتاها.
تعديني؟
منذ سنوات لم أعد أحدًا بشيء.
الوعود كانت للناس الذين لديهم سرير، وأم، وفطور صباحي.
أما أنا فكان عندي خوف، وديون، وحقيبة فارغة.
لكن تلك الليلة، فوق ذلك السطح، ورجال يصعدون لخطف طفلة عمياء وعدتُها وكأن كلمتي ما زالت تساوي شيئًا.
أعدك.
قفزتُ أولًا.
سقطت على سطح البيت المجاور، وارتفع الألم حتى
ثم مددت ذراعي.
تعالي.
تنفست زهراء ثلاث مرات.
واحدة.
اثنتان.
ثلاث.
ثم قفزت.
التقطتها بصعوبة.
وسقطنا معًا على الأرض.
خدشت مرفقيّ.
وضربتني جبهتها في ذقني.
لكنها بقيت معي.
حية.
خلفنا، شتم