دخلتُ لأسرق… فوجدت طفلة تخاف من العودة إلى “أمها”
المحتويات
الرجل صاحب القبعة.
لكنه لم يجرؤ على القفز.
ركضنا منحنيتين.
ونزلنا عبر درج تفوح منه رائحة الصابون والطعام.
فتحت امرأة الباب، مرتدية عباءة منزلية، وخائفة.
من أنتما؟
لم أستطع اختراع شيء.
أخرجت الورقة المجعدة من داخل الجاكيت.
هذه الطفلة مخطوفة. اتصلي بالشرطة.
نظرت المرأة إلى زهراء.
ورأت آثار الرباط في معصميها.
ورأت وجهي وجه الحرامية.
ولثانية واحدة ظننت أنها ستغلق الباب.
لكنها لم تفعل.
تمتمت
يا ساتر يا رب.
ثم أدخلتنا إلى مطبخها.
وأغلقت الباب بالمفتاح.
خرج زوجها ممسكًا بعصا خشبية.
من الذين خلفكم؟
ثلاثة رجال وامرأة.
إذن لن يدخلوا هنا.
أمسكت المرأة الهاتف بسرعة.
ما اسمكِ يا ابنتي؟
حرّكت زهراء رأسها باتجاه صوتي.
لم تجب.
أنا أجبت بدلًا عنها.
زهراء علي جاسم.
تغيّر صوت الموظفة على الطرف الآخر فورًا.
شعرت بذلك حتى من دون أن أسمع الكلمات.
بدأت المرأة تكرر العنوان بسرعة.
قالت مدينة الثورة.
قالت طفلة مفقودة.
قالت خطف.
قالت البيت المجاور.
قالت تعالوا بسرعة.
بعد دقائق، بدأ الرجال يضربون باب الجيران.
وقف الرجل صاحب العصا أمام الباب.
لا يوجد أحد هنا.
لا تدخل نفسك بالموضوع، حاج.
خلاص دخلت.
تأخرت سيارات الشرطة لكنها وصلت.
أولًا سيارة.
ثم ثانية.
ثم سيارة أخرى بلا شعارات كبيرة.
دخل رجال الشرطة بأسلحتهم.
حاولت أميرة الخروج وهي تبكي، وشعرها مبعثر، والقصة جاهزة على لسانها.
خطفوا بنتي!
سمعت زهراء صوتها، فاختبأت تحت الطاولة.
ركعتُ قربها.
لن تلمسك.
هي دائمًا ترجع.
هذه المرة لا.
كانت أميرة تصرخ بالخارج.
هاي بنتي! هاي الحرامية دخلت بيتي!
أطلّ شرطي إلى المطبخ ورآني.
توقفت عيناه عند حقيبتي، والسكين المرمية، وملابسي.
رفعت يدي ببطء.
أنا دخلت حتى أسرق.
نظرت إليّ الجارة وكأنني فقدت عقلي.
قطّب الشرطي حاجبيه.
شنو؟
دخلت أسرق البيت. وجدت الطفلة. الورقة معي. كانت مربوطة. هناك امرأة ورجال. افعلوا ما تريدونه بي لكن أخرجوها أولًا من هنا.
خرجت زهراء من تحت الطاولة.
مدّت يدها تبحث عني.
ثم أمسكت أصابعي.
هي أعطتني فاصوليا قالت.
ابتلع الشرطي ريقه.
أحيانًا جملة صغيرة تكون أثقل من اعتراف كامل.
أخذونا كل واحدة في جهة.
بدأت زهراء تصرخ عندما حاولوا إدخالها إلى سيارة الإسعاف.
لا! معها!
انحنت مسعفة قصيرة الشعر قربها.
يجب أن نفحصكِ يا قلبي.
معها.
كنت أجلس على الرصيف، وبطانية فوق كتفي.
كان هناك دم على مرفقي، وجانب من شعري مقتلَع.
تردد الشرطي.
أما المسعفة فلم تتردد.
دعوها تصعد.
صعدتُ.
ولم تترك زهراء يدي، لا عندما فحصوا معصميها، ولا عندما سلّطوا الضوء على عينيها، ولا عندما قاسوا ضغطها.
هل يؤلمكِ شيء؟ سألتها المسعفة.
بطني عندما لا آكل.
أغلقت المرأة عينيها لثانية.
ثم أكملت عملها.
في المركز، أجلسوني على كرسي بلاستيكي.
وأخذوا زهراء مع أخصائية نفسية.
قبل أن تدخل، سألتني
ستذهبين؟
نظرتُ إلى الشرطي.
ثم إلى الباب.
ثم إلى حذائي المهترئ.
الهرب كان الشيء الوحيد
هربتُ من الملاجئ، ومن الشرطة، ومن الرجال، ومن أي مكان يشبه القفص.
لكن تلك الطفلة قفزت من فوق السطح لأنها صدّقت صوتي.
لا قلت سأنتظرك هنا.
لا أعرف كم ساعة مرّت.
طلع الصباح.
وبدأت بغداد بأصواتها المعتادة الباصات، والأبواق، وباعة الشاي، وخطوات الناس المستعجلة.
وكان كل شيء في جسدي يؤلمني.
أخذ مني ضابط إفادة كاملة.
قلت الحقيقة.
كلها.
حتى السكين.
وحتى أنني دخلت لأسرق.
لم ينظر إليّ كقديسة ولا كمجرمة.
فقط كتب.
ثم جاءت امرأة أنيقة، شعرها مرفوع، وعيناها منتفختان من البكاء.
ومعها رجل كبير بالعمر، ومحامية.
وعندما قالوا اسمها فهمت.
أنا سعاد جاسم أم زهراء.
وقفتُ فورًا.
ولم أعرف ماذا أفعل بيدي.
نظرت إليّ المرأة وكأن وجهي باب.
أنتِ وجدتها؟
نعم.
ارتجف فمها.
عايشة؟
خرج السؤال مكسورًا لدرجة أن الضابط نفسه خفض عينيه.
نعم عايشة.
غطّت سعاد وجهها بيديها.
لم تبكِ بهدوء.
بكت كما يبكي شخص توقف أخيرًا عن التظاهر بالقوة.
أخذوها إلى زهراء.
أما أنا فبقيت خارج الغرفة.
لم أرد النظر.
لم يكن ذلك من حقي.
لكن الباب كان نصف مفتوح.
وسمعت
ماما
كلمة واحدة فقط.
ثم صوت ارتطام خفيف، كأن جسدين تعانقا بقوة.
وبعدها بكاء لا يشبه الحزن.
بل يشبه الماء وهو يعود إلى بيت محترق.
جلستُ على الأرض.
وغطيت وجهي.
أنا لم أبكِ منذ الخامسة عشرة.
لكنني بكيت ذلك الصباح بصمت، وبخجل، وبغضب، وبارتياح.
بكيت على زهراء.
وعليّ أنا أيضًا.
على الطفلة التي كنتها
ظننتُ أنها ستسألني لماذا دخلت، أو ماذا سرقت، أو من أكون.
لكنها اقتربت مني وعانقتني.
تجمّدتُ في مكاني.
لم أكن أعرف كيف يستقبل الإنسان من دون أن ينتظر الضربة بعده.
شكرًا همست.
لا تشكريني أنا دخلت لأسرق.
ابتعدت قليلًا ونظرت إليّ.
ومع هذا أنقذتِها.
هذا لا يمحو الباقي.
لا لكن الباقي أيضًا لا يمحو هذا.
بقيت الجملة داخلي.
سقطت أميرة في نفس الصباح.
والرجال أيضًا.
وجدوا داخل البيت أوراقًا مزورة، وصور أطفال آخرين، وأربطة، وملابس مستعملة، وهواتف كثيرة.
لم أسأل عن التفاصيل.
لم أرد لذاكرة زهراء أن تصبح أقذر داخل رأسي.
عرفت ما يكفي فقط
لم تكن أول طفلة.
لكن ربما، بسببها ستكون الأخيرة بالنسبة لبعضهم.
أطلقوا سراحي بعد يومين.
مع استدعاءات، وتحذيرات، وعاملة اجتماعية تراقبني كأنها ظلي.
دفعت سعاد لمحامٍ حتى لا يضيع ملفي قبل أن يبدأ.
قلت لها إنها ليست مضطرة لذلك.
فأجابت
وأنتِ أيضًا لم تكوني مضطرة لحمل ابنتي فوق ذلك السطح.
ولم أعرف كيف أجادلها.
مرت شهور.
زهراء لم تعد تلك الطفلة الموجودة في الصورة القديمة.
لا أحد يخرج كاملًا من أماكن كهذه.
لكنها بدأت تضحك.
قليلًا.
كأنها تفتح نافذة صغيرة لتتأكد إن كان الهواء لم يعد يحرق.
كانت تستخدم عصًا بيضاء علّقت عليها بنفسها ورودًا صغيرة.
تعلّمت عدّ الخطوات من الصالة إلى
ست عشرة خطوة.
ومن سريرها إلى الحمام.
تسع.
ومن الباب حتى ذراعيّ عندما أزورها.
اثنتان وعشرون.
نعم كنت أزورها.
في البداية لأنهم احتاجوا شهادتي.
ثم لأنها كانت تسأل عني.
وبعدها لأنني
متابعة القراءة