جوزي كان بيخدرني كل ليلة علشان أنسى حقيقتي… لكن في ليلة واحدة صحيت واكتشفت إن اسمي كله كذبة

لمحة نيوز

وقت الغروب.
وبعدين سمعت تصفيق بطيء.
كريم خرج من الممر.
شعره منكوش.
قميصه متلطخ.
وإيده ملفوفة بضمادة.
ماكانش ماسك سلاح.
كان ماسك جهاز تسجيل صوتي.
قال
أهلًا بعودتك للبيت.
رجال الأمن وجهوا سلاحهم ناحيته.
انبطح على الأرض!
كريم ابتسم.
لو أطلقتوا النار، هي عمرها ما تعرف النسخة الأخيرة فين.
الرائد هالة تقدمت خطوة.
أي نسخة؟
بصلي أنا بس.
قال
ذاكرتك يا نور. الجلسات. اللي اكتشفه أبوكي. اللي صرخت بيه أمك في الحريق. كل حاجة هنا.
رفع جهاز التسجيل.
خطيت خطوة لقدام.
قلت
دي مش ذاكرتي.
كريم رمش.
طبعًا هي. إنتِ اللي بتفتكريه.
هزيت راسي.
لا. أنا كمان اللي حصل لي، واللي اخترت أعمله بعده.
ابتسامته اتشرخت شوية.
قال
من غيري، ماكنتيش هتكوني موجودة.
قلت
من غيرك، كنت هعيش.
كريم شد قبضته على جهاز التسجيل.
ولأول مرة شوفت الخوف في عينيه.
ماكانش خوف من السجن.
كان خوف إنه يبقى بلا أهمية.
خوف إن تجربته تقف قدامه، وتبطل تطلب إذنه علشان تتنفس.
اندفع ناحية الشباك.
واحد من العناصر وقعه على الأرض.
جهاز التسجيل وقع واتفتح.
ما كانش جواه شريط.
كان جواه
كارت ذاكرة صغير.
الرائد هالة شالته بجوانتي.
كريم صرخ باسمي المزيف
ليلى!
ما التفتش.
صرخ بالاسم التاني
نور!
وبرضه ما التفتش.
لأني ما بقيتش محتاجة أطيع أي اسم منهم علشان أعرف أنا مين.
المحاكمة أخدت شهور.
شهدت تلات مرات.
وأمي شهدت مرتين.
ورنا قدمت الرسايل، والتسجيلات، والبث المباشر من الليلة دي.
وكاتب العدل اتكلم علشان يخفف حكمه.
أما سهام، فحاولت ترمي اللوم على ابنها.
وبعدين على جوزها الميت.
وبعدين عليّا.
قالت إني مش مستقرة.
القاضي طلب الهدوء لما ضحكت بصوت عالي.
ما كانتش ضحكة فرحانة.
كانت ضحكة ست اتهموها بالجنون لأنها بدأت تشوف قضبان القفص بتاعها.
كريم ما نزلش عينه أبدًا.
حتى وهو متقيد، فضل يصحح للخبراء كلامهم، ويستخدم مصطلحات طبية طويلة، ويمثل إن رعبه كان علم.
لكن لما شغلوا تسجيل الأوضة البيضا، صوته بان صغير
أنا بمحي ليلى كل ليلة من سنتين.
هناك انتهى الدكتور.
وفضل المجرم بس.
استرجاع حياتي ما كانش زي الأفلام.
ما فتحتش عيني فجأة وافتكرت كل حاجة.
في أيام كنت بصحى ومش عارفة إحنا في سنة كام.
وفي أيام تانية كنت أشتاق لكريم،
وبعدين أتعب من الإحساس بالذنب إني اشتقتله، لحد ما المعالجة شرحتلي إن الجسد ساعات بيتعود على القفص.
رجعت الجامعة الأردنية بعد شهور.
مشيت في الحرم الجامعي، أمي على دراعي ورنا على دراعي التاني.
وقفت قدام مبنى المكتبة، وبصيت للأعمدة الحجرية كأن حد لصق الزمن المكسور على حيطة ضخمة.
كنت أنا كده.
قطع.
لكنها لسه ماسكة في بعض.
بعد سنة، ناقشت رسالتي.
ما كانتش عن الذاكرة زي ما كريم كان عايز.
كانت عن الهوية، والعنف النفسي، والطرق اللي بيتعلم بيها الضحية يشك في نفسه.
أمي قعدت في أول صف.
أما رنا، فكانت بتعيط قبل ما أبدأ أصلًا.
ولما خلصت، واحد من الدكاترة سألني
تحبي الشهادة تتسجل بأي اسم؟
بصيت للنموذج.
ليلى الشامي كان اسم اتعمل من كذبة.
لكنه كان كمان اسم الست اللي مثلت إنها بلعت الحباية.
والست اللي خبّت الموبايل جوه كيس الرز.
والست اللي فتحت عينيها فوق السرير الطبي.
أما نور الحسيني
فكانت الأصل.
البنت صاحبة العجلة الحمرا.
البنت اللي رجعت.
مسكت القلم وكتبت
نور ليلى الحسيني الشامي.
بعد كده رحنا بيت عمّان القديمة.
أمي بدأت تفتحه واحدة
واحدة.
مش علشان نعيش فيه فورًا.
لكن علشان يبطل يكون متحف للوجع.
زرعنا جهنمية جديدة في الحوش.
دهنا المطبخ أصفر.
وعلقنا العجلة الحمرا على الحيطة.
مش كذكرى حزينة.
لكن كدليل.
في يوم، لقيت صندوق فيه صورة ليا وأنا عندي ١٥ سنة، لابسة نفس الزي اللي شوفته في شنطة سهام.
وعلى ظهر الصورة، أبويا كان كاتب
لما تشكي في نفسك يومًا، افتكري إنك كنتِ دايمًا نور.
قعدت على الأرض وعيطت لحد ما أمي جت تدور عليّا.
ما قالتليش
كل حاجة انتهت دلوقتي.
لأنها ما انتهتش تمامًا.
وقالت
إنتِ هنا.
وده، على الأقل، كان حقيقة.
كريم كرر سنتين كاملين إني أثق فيه.
أما دلوقتي، فأنا بثق في حاجات تانية.
بثق في نفسي لما أحس إن في حاجة غلط.
بثق في أصحاب بيصروا يطمنوا.
بثق في أمهات بينجوا من الحرائق.
وبثق في الملاحظات اللي بنسيبها لنفسنا لما ما يبقاش عندنا القوة الكافية نهرب.
ساعات، بالليل، بصحى الساعة ٢٤٧ الفجر.
ببص للباب.
بتوقع أشوف جوانتي أسود، وكاميرا، ودفتر أسود.
لكن ما بيكونش فيه غير أوضتي.
وكتبي.
وكباية مية أنا اللي صبيتها لنفسي.
ساعتها بنور النور.
بمسك قلم.

وبكتب اسمي كامل مرة واحدة
نور ليلى الحسيني الشامي.
وبعدين برجع أنام.
مش علشان حد خدّرني.
لكن علشان ذاكرتي، أخيرًا
ما بقتش ملك حد غيري.

تم نسخ الرابط