جوزي كان بيخدرني كل ليلة علشان أنسى حقيقتي… لكن في ليلة واحدة صحيت واكتشفت إن اسمي كله كذبة
بكت الست أول ما شافتني صاحية، وقالت
نور ما تمضيش على أي حاجة. الراجل ده مش جوزكِ ده ابن الدكتور اللي خبّاكي عن الدنيا.
كريم بص للشاشة كأنه شاف ست ميتة قامت من قبرها.
سهام رجعت خطوة لورا.
أما أنا، فكنت لسه ممددة فوق السرير الطبي، والقلم بين صوابعي، وحلقي مشدود، وجسمي بيرتعش من جوه.
الست اللي على الشاشة اتكلمت تاني وقالت
نور، اسمعيني كويس. اسمك نور الحسيني الشامي. اتولدتي يوم ١٨ أبريل سنة ١٩٩٧. عندك ندبة ورا ركبتك الشمال، علشان وقعتي من عجلة حمرا وإنتِ صغيرة في عمّان. اسم أبوكي كان جلال. وأنا أمك.
كريم اتحرك بعنف.
مسك ريموت الشاشة وحدفه في الحيطة.
الشاشة اتكسرت، لكن الصوت فضل يطلع متقطع
ما تمضيش لا
كريم قرب مني، ووشه متشوّه من الغضب.
ما بقاش الدكتور الأنيق.
بقى راجل اتكشف كل شيء عنه.
قال
عملتي كده إزاي؟
ما رديتش.
مش شجاعة مني.
لكن لأني لو فتحت بُقي، كنت هصرخ، ولو صرخت كان ممكن يحقنني قبل ما أتحرك.
سهام راحت ناحية الخزنة وقالت
كريم، خلّص الموضوع دلوقتي. اديها الجرعة.
سحب سرنجة من درج معدن.
السائل كان شفاف.
أسوأ من أي سم، لأنه من غير لون.
بصيت للإبرة، وفهمت حاجة مرعبة.
طول سنتين، كانت الأوضة دي قبري
لكن كنت بصحى كل صباح من غير ما أفتكر إني اتدفنت فيها بالليل.
كريم انحنى فوق دراعي وقال
حذرتك يا ليلى. لما العقل يقاوم بنحفر أعمق.
في نفس اللحظة بالظبط، موبايلي رن.
مش الموبايل
ولا الموبايل اللي كريم كان بيفتشه كل ليلة.
الموبايل التاني.
الموبايل اللي خبيته جوه كيس رز في المطبخ، بعد ما لقيت الكاميرا جوه جهاز إنذار الحريق.
كريم رفع راسه.
إيه الصوت ده؟
الرنين فضل شغال.
مرة.
وبعدين التانية.
وبعدين التالتة.
بعدها اشتغل تسجيل صوتي تلقائي.
كان صوت رنا، زميلتي في الماجستير.
قالت
ليلى، أنا سامعة كل حاجة. الشرطة بره. ما تقفليش الخط.
سهام وشها اصفر.
أما كريم، فاندفع ناحية الباب السري.
بطلت أمثل.
رفعت رجلي فجأة وركلت الترابيزة اللي عليها السرنجة.
الأدوات المعدنية وقعت على الأرض بصوت حاد.
والإبرة اتدحرجت تحت السرير الطبي.
كريم لف ناحيتي بعنف ومسك رقبتي.
قال
إنتِ حقيرة.
صوابعه ضغطت على رقبتي.
شوفت نقط سودا.
وشوفت ومضات نور.
وفجأة
شوفت مطبخ أصفر.
ست بتغني وهي بتقطع ثمرة بابايا.
راجل بيصلح عجلة حمرا في حوش مليان زرع وأصص.
وشوفت نفسي، طفلة صغيرة، بضحك.
نور.
اسمي ما بقاش كلمة.
بقى باب بيتكسر من جوه.
غرست القلم في إيد كريم.
صرخ وساب رقبتي.
وقعت من فوق السرير الطبي، مشوشة، ودوخة قوية بتضرب راسي، ورجلي ضعيفة من سنين الأدوية.
زحفت ناحية الترابيزة، ومسكت الملف الأحمر.
سهام حاولت تشده مني.
ده ما يخصكيش.
بصيت في عينيها وقلت
لا، يخصني.
صوتي ماكانش شبه صوتي.
كان شبه صوت ست راجعة حالًا من مكان عميق جدًا.
سهام ضربتني على وشي.
وشي ولع من الألم.
لكن ما سبتش الملف.
وبعدين سمعنا خبط عنيف على باب البيت الرئيسي.
الأمن العام! افتحوا الباب!
كريم شتم بغضب.
قلع بالطو الدكتور بسرعة، وفتح لوح تاني جنب التلاجة الطبية.
كان فيه مخرج.
طبعًا كان فيه مخرج.
الوحوش بيبنوا المخارج قبل ما يبنوا القبور.
قال كريم
أمي، يلا.
سهام مسكت شنطة الأوراق.
لكن قبل ما تلحقه، قربت مني وانحنت عند ودني وقالت
كان لازم أمك تفضل ميتة.
عضّيت إيدها.
ما فكرتش.
عضّيتها بكل الغضب اللي ماكنتش فاكرة إني شايله.
سهام صرخت.
وكريم سحبها للممر.
وبعدين الباب اتقفل وراهم.
فضلت لوحدي في الأوضة البيضا.
حافية.
وشي بيوجعني.
حلقي بيوجعني.
والملف الأحمر لازق في صدري.
الخبط على الباب رجع.
أعلى.
ليلى الشامي! نور الحسيني! إنتِ هنا؟
سماع الاسمين مع بعض كسرني.
صرخت
هنا! أنا هنا!
بعد دقايق، باب الدولاب اتفتح بعنف.
دخل اتنين من الأمن، ووراهم ست لابسة جاكيت تحقيق.
وبعدين دخلت رنا وراهم وهي بتعيط وماسكة موبايلي في إيدها.
قالت وهي بتعيط
قلتلك إني عمري ما ارتحت للراجل ده.
ضحكت.
ضحكة غريبة، مخلوطة بالعياط.
لكنها كانت ضحكتي أنا.
المحققة انحنت قدامي وقالت
أنا الرائد هالة منصور. لازم نطلعك من هنا ونأمّن البيت. تقدري تمشي؟
قلت بسرعة
ما تخلوهمش يهربوا. فيه ممر سري.
الرائد هالة ما ضيعتش وقت.
دخل عنصرين في اللوح السري.
وبدأ الباقي يفتشوا الخزاين.
راقبتهم وهما بيفتحوا الأدراج اللي كريم كان
كان فيها زجاجات أدوية من غير ملصقات.
وفلاشات.
وملفات.
وفيديوهات مترتبة بالتاريخ.
حياتي المسروقة
محفوظة كأنها تجربة علمية.
على رف من الرفوف، لقوا صندوق خشب.
كان جواه خواتم.
وبطاقات شخصية.
وبطاقات جامعية.
وكارت مكتبة عليه صورتي وأنا مراهقة.
نور الحسيني.
مدرسة في عمّان.
لما شوفت الكارت، انحنيت كأن حاجة ضربتني في معدتي.
الموضوع ماكانش مجرد اسم.
دي كانت حياة كاملة مستنياني جوه صندوق.
أخدوني لغرفة الجلوس، بينما فريق التحقيق دخل الأوضة السرية.
البيت بان مختلف تحت الإضاءة القوية.
غرفة الطعام المثالية.
كتب طب الأعصاب المترتبة بعناية.
صور الفرح اللي كنت ببتسم فيها بعينين فاضيين.
كل حاجة كانت مسرح.
بيت معمول علشان يقنع العالم إني كويسة.
على الكنبة، رنا لفّت بطانية حوالين كتفي.
قالت
كنت عارفة إن فيه حاجة غلط. كل مرة كنا نتكلم فيها عن رسالتك، كنتِ تنسي اللي إنتِ كتبتيه بإيدك. مرة قولتيلي لو ماكنتش أنا بكرة، دوروا عليّا في الدخان. افتكرتها استعارة.
الدخان.
الكلمة دي فتحت شرخ جديد في ذاكرتي.
نار.
صفارات.
إزاز مكسور.
أمي بتصرخ فيا علشان أجري.
راجل لابس بالطو طبي بيغطي بُقي.
وأنا جوه عربية، ببص من الشباك على عيادة بتتحرق ورايا.
همست
العيادة
الرائد هالة قربت.
أي عيادة؟
قلت
مش عارفة اسمها. كان فيها سيراميك أخضر. ريحتها كانت شبه المطر والكحول. أمي كانت هناك.
رنا ضغطت على إيدي
الست اللي ظهرت في الاتصال قالت إن اسمها نادية الشامي. وهي دلوقتي في مكان آمن. تواصلت معانا من تلات أيام.
بصيت لها.
من تلات أيام؟
رنا بلعت ريقها.
بعتتلي رسايل وصور