تلات شهور
تكتشف ليلى أنني كنت الجبان الذي تركت أباها يواجه مصيره وحده، فقررت أن أبعدها عنك حتى لا ينبش الماضي في وجهي كل يوم.
سقطت الورقة من يد كريم، لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الرسالة، بل في الورقة التي كانت تقبع أسفل الصندوق.. شهادة ميلاد قديمة، وصورة لامرأة تشبه ليلى تماماً، لكن بملامح أوروبية.
ليلى صرخت وهي تمسك بالصورة دي مامي! بس مامي كانت دايرة في صورها إنها لوحدها.. مين اللي معاها في الصورة دي؟
كريم نظر للصورة واتسعت عيناه برعب ده جدي يا ليلى! ده عزيز السيوفي! الكلام ده معناه إيه؟
في تلك اللحظة، ظهر المحامي شاكر، الرجل الذي كان بئر أسرار السيوفي الكبير، من خلف باب المكتب وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
شاكر بهدوء حزين معناه يا ليلى هانم إن الصراع اللي بينكم مكنش صراع فلوس.. كان صراع دم. والدك مكنش شريك غريب، والدك كان الأخ غير الشقيق لوالد كريم. السيوفي الكبير خبي الحقيقة دي طول عمره عشان يستأثر بالورث لوحده، ولما أنتم اتجوزتوا، كان مرعوب إن صلة القرابة تظهر ويضطر يقسم الإمبراطورية دي بالنص.
وقع الخبر على ليلى كالصاعقة.. أخوه؟ يعني كريم.. كريم يبقى.. قاطعها المحامي فوراً لا يا فندم، مفيش أي مانع شرعي. والدك كان ابن عزيز السيوفي من زوجته الأجنبية التي تزوجها سراً في لندن، بينما والد كريم هو ابنه من زوجته المصرية. أنتم أبناء عمومة، لكن والد كريم زور كل الأوراق ليمحو أثر أخيه من الوجود، وحول الوريث الشرعي لمجرد موظف بسيط ثم اتهمه بالاختلاس ليطرده من حياته تماماً.
التفتت ليلى لكريم، الذي كان يبدو كتمثال من رخام يعني كل الوجع ده.. وكل سنين
كريم بصوت مخنوق أنا مكنتش أعرف.. والله ما كنت أعرف! أنا كنت فاكر إني بحميكي من سجن أبوكي، طلعت بحميكي من ظلم أبويا!
ليلى ضحكت بمرارة، ضحكة مليئة بالدموع دلوقتي عرفت ليه رانيا كانت واثقة إن الحقيقة هتدمرنا. رانيا عرفت السر ده من أبوها فؤاد بيه اللي كان شريك والدك في الجريمة دي. أنتم مابعتونيش يا كريم.. أنتم محيتوا هويتي.
فجأة، انفتح باب المكتب بقوة. كان ياسين الصغير يقف والدموع في عينيه مامي.. أنا سمعت كل حاجة. هو يعني جدو كان راجل وحش؟ وعمو كريم كان بيحبنا وهو مش عارف إننا أهله؟
كريم جرى نحو ياسين وحاول ضمه، لكن ليلى وقفت حائلاً بينهما.
ليلى بقسوة لم يعهدها ماتلمسوش يا كريم. القصر ده، والفلوس دي، والشركات دي.. كلها ملوثة بدموع أبويا وقهرته وهو بيموت وهو عارف إنه مظلوم من أقرب الناس ليه.
كريم بانهيار ليلى، أنا ذنبي إيه؟ أنا رجعتلك حقك، وباسمك دلوقتي كل حاجة!
ليلى الحق اللي بيرجع بالصدفة مش حق يا كريم. أنا هاخد ولادي وهخرج من هنا. مش هعيش في مكان ريحته ظلم.
بينما كانت ليلى تهم بالخروج، رن هاتفها.. كان اتصالاً من المستشفى الذي نُقلت إليه جثة رانيا.
الممرضة بصوت مرتجف يا فندم، فيه طرد صغير رانيا هانم كانت سايباه في أمانات المستشفى قبل ما تحاول تهرب، ومكتوب عليه يسلم لليلى بعد موتي.. وفيه مفتاح لمخزن قديم في منطقة المكس.
نظرت ليلى لكريم، والغموض يلف المكان من جديد. رانيا لم تمت قبل أن تترك لغزاً أخيراً، يبدو أنه لا يتعلق بالماضي، بل بكارثة توشك أن تقع في الحاضر.
كريم مش هسيبك تروحي لوحدك
وعندما وصلوا إلى المخزن القديم في المكس، وفتحوا الباب بالمفتاح، كانت المفاجأة التي جعلت ليلى تسقط مغشياً عليها، وكريم يصرخ بأعلى صوته مش ممكن! أنتم إيه اللي جابكم هنا؟! الكاتب_رومانى_مكرم
حكايات روماني مكرم تقدم الجزء التاسع والأخير من رد القدر
داخل مخزن المكس، وفي اللحظة التي فتح فيها كريم الباب، لم يجد قنبلة أو فخاً، بل وجد ما هو أصعب على النفس وجد فؤاد بيه والد رانيا، جالساً في انكسار خلف مكتب متهالك، وبجانبه حقيبة مليئة بالوثائق الأصلية التي كانت تثبت ملكية والد ليلى لكل شبر في هذه الإمبراطورية.
فؤاد بصوت يملؤه الندم رانيا بعتتلك المفتاح يا ليلى عشان هي كانت عارفة إنها مش هترجع.. بنتي كانت مجنونة، بس في لحظة صدق قبل ما تنفذ خطتها، قالت لي إنها مش عايزة تعيش بفلوس حرام لو هي خسرت كريم. الورق ده فيه تنازلات عن كل اللي والدي ووالد كريم سرقوه من أبوكي.
ليلى كانت تنظر للأوراق بذهول، لكنها لم تمد يدها لتأخذها. نظرت لكريم، ثم لنفسها في مرآة قديمة مكسورة في زاوية المخزن، وأدركت أن رد القدر ليس في استعادة المال، بل في استعادة النفس.
بعد مرور عام واحد..
لم يعد قصر السيوفي ذلك المكان المظلم المسكون بالأسرار. ليلى لم تطلب الطلاق، لكنها لم تعد لكريم بسهولة. طلبت منه أن يبنيا من جديد، بعيداً عن أموال الماضي. تم تحويل القصر الكبير بقرار من ليلى وكريم إلى مؤسسة السيوفي للأيتام والرعاية القانونية، لمساعدة كل من تعرض للظلم أو سُلبت حقوقه بالتزوير، تخليداً لذكرى والدها الذي مات مظلوماً.
في حديقة منزل بسيط
كريم ليلى.. النهاردة تمت تصفية آخر شركة من الشركات القديمة، وكل الأرباح راحت للمؤسسة زي ما طلبتي. حاسس إني لأول مرة بتنفس هوا نضيف.
ليلى بابتسامة صافية المال اللي بيتبني على وجع الناس يا كريم بيبقى نار بتحرق أصحابها. إحنا النهاردة بنربي ولادنا بلقمة حلال من تعبك في شركتك الجديدة ومن كتاباتي.. وده أحسن ورث ممكن نسيبه لهم.
آدم جرى نحو والده وارتمى في حضنه بابا.. أنت بطل حقيقي زي ما مامي قالت لي؟
كريم نظر لليلى بعينين دامعتين وقال البطل الحقيقي يا آدم هو اللي بيقدر يواجه غلطه ويصلحه.. وأمك هي اللي علمتني إن القدر مابيردش الجميل إلا للقلوب اللي نيتها بيضاء.
الحكمة من القصة
انتهت حكاية ليلى وكريم، لتبقى منها دروس وعبر لكل من يقرأ
الظلم ظلمات مهما طال ليل الظلم وتعددت الحيل والتزوير، لا بد للفجر أن يبزغ. فالحق كالماء، لا يمكن حبسه للأبد، وسينفجر يوماً ما ليغرق الظالم وينصف المظلوم. المال الحرام سمّ إمبراطورية السيوفي التي بُنيت على نهب حقوق الشركاء وتدمير العائلات، انهارت أمام صدق امرأة واحدة. المال الذي لا تشوبه بركة الله هو عبء على صاحبه قبل أن يكون منفعة.
الغفران قوة لا ضعف ليلى لم تكتفِ باستعادة حقها، بل غفرت لكريم لأنها أدركت أنه كان ضحية لميراث من الأكاذيب. الغفران هو الذي يغلق أبواب الماضي ويفتح نوافذ المستقبل.
القدر لا يظلم أحداً قد نتساءل لماذا نمر بالوجع، لكن رد القدر دائماً ما يأتي في الوقت المناسب، ليضع كل إنسان في مكانه الصحيح، وليثبت أن الخير باقٍ والشر مجرد
تمت..
الكاتب_رومانى_مكرم