طردوا طفلًا من البنك لأنه بدا فقيرًا… ثم ظهرت في حسابه أرقام أوقفت الجميع!
على كل عقدة يظن أنني قد أعود لها. لذلك عند هذه اللحظة تحديدًا لن يكون أمامكم وقت طويل.
سكت التسجيل نصف ثانية.
ثم قال آدم آخر جملة فيه
ولا تثقوا بمراد إذا ادعى الانشقاق. هو لا ينشق إلا على الضعفاء.
انتهى الملف.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا
رنّ هاتف فؤاد.
ظهر رقم غير معروف.
نظر إليه طويلًا.
ثم أجاب.
جاءه صوت مراد.
هادئًا.
أكثر هدوءًا من اللازم.
مساء الخير، فؤاد.
لم يرد.
قال مراد
لا تقلق. لن أسألك أين أنت. أعرف تقريبًا.
تصلب رجل الأمن.
أشار بيده إلى السائق ليتفقد الخارج.
تابع مراد
وأعرف أيضًا أنك فتحت الخزنة.
قال فؤاد ببرود
أنت متأخر دائمًا نصف خطوة.
ضحك مراد بهدوء.
ورغم ذلك ألحق بكم في النهاية.
ثم صمت لحظة وأضاف
سلّم الطفل والملف، وخذ لنفسك طريقًا نظيفًا إلى الخارج. هذه أفضل صفقة ستحصل عليها.
أجاب فؤاد
قلتُ لك منذ سنوات لن أبيع آدم. ولن أبيع ابنه.
بل بعته يوم سكتَّ أول مرة.
أصابته الجملة.
لأنها كانت صحيحة.
قال مراد أخيرًا
انظر خارج النافذة.
أغلق فؤاد الهاتف واندفع إلى الشباك الجانبي.
وفي الخارج
لم تعد الساحة شبه فارغة.
ثلاث سيارات سوداء.
ورجال ينتشرون ببطء.
ليسوا في عجلة.
لأنهم يظنون أن الطُعم صار داخل القفص.
قال رجل الأمن
لقد حاصرونا.
قال العجوز، بهدوء رجلٍ رأى أسوأ مما يحدث
يوجد ممر تحت الأرشيف يصل إلى مجرى التصريف القديم.
سأله فؤاد فورًا
إلى أين يخرج؟
إلى وراء ساحة الشاحنات، قرب المستودع المهجور.
ولماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟
هز العجوز كتفيه.
لأنني لم أعرف إن كنتم أنتم من ينبغي إنقاذهم
ورغم الموقف
كادت ابتسامة قصيرة، متعبة، تفلت من فؤاد.
أنت تشبه آدم في سوء التوقيت.
قال العجوز
وأنت تشبهه في سوء الاختيارات.
ثم انحنى ورفع بلاطة خشبية تحت الطاولة، كاشفًا عن فتحة ضيقة تنزل إلى أسفل.
قال فؤاد
يوسف أولًا.
لكن الطفل لم يتحرك.
كان ما زال ممسكًا بالهاتف القديم.
وقال، لأول مرة بصوت فيه رجفة واضحة
أمي حية؟
نظر إليه فؤاد.
هذه ليست لحظة مناسبة للجواب الطويل.
لكنها أيضًا ليست لحظة تُكسر فيها روح طفل أكثر.
فقال بصراحة
بحسب ما تركه أبوك نعم. ربما.
يعني أقدر أشوفها؟
إذا خرجنا من هنا نعم. سنحاول.
هز يوسف رأسه.
ثم نزل الفتحة.
وحين لامست قدمه الدرجة الأولى، كان واضحًا أن شيئًا داخله تغيّر.
قبل ساعات فقط كان يبحث عن رصيد حساب.
والآن
صار يبحث عن أب.
وأم.
وحقيقة.
وطريق لا يعرف أين ينتهي.
هبطوا واحدًا تلو الآخر إلى النفق الضيق. فوقهم، بدأت أصوات ثقيلة تدوي في الطابق الأرضي. أبواب تُفتح. أوامر تُعطى. صناديق تُزاح. رجال سامر دخلوا المبنى.
كان النفق منخفض السقف، رطب الجدران، ومليئًا برائحة ماء قديم وصدأ. مشوا منحنين. العجوز قادهم بمصباح صغير يدوي. خلفه يوسف، ثم فؤاد، ثم رجل الأمن، ثم السائق.
قال السائق هامسًا
سيدركون وجود الممر خلال دقائق.
قال العجوز
إن لم يكونوا قد أدركوه أصلًا.
فجأة، سمعوا صوت ارتطام عنيف فوقهم.
ثم صرخة.
ثم صوت مراد نفسه، قريبًا أكثر مما ينبغي
فتشوا الأرضية.
قال رجل الأمن
لقد وصلوا.
أسرعوا.
لكن النفق لم يكن مستقيمًا. كان يلتوي في أكثر من اتجاه، ومع كل انعطاف يزداد
قال فؤاد
لماذا توقفت؟
النفق انقسم منذ سنوات بسبب انهيار.
أي طريق؟
أشار العجوز إلى اليسار.
هذا أقصر، لكنه ربما مسدود بالماء.
ثم إلى اليمين.
وهذا أطول، لكنه يخرج مؤكدًا.
قال رجل الأمن
الأقصر.
قال السائق
الأضمن.
التفتوا إلى فؤاد.
ثم
تحدث يوسف.
اليمين.
نظروا إليه.
لماذا؟
قال الطفل، ونظره ثابت في الظلام
أبي كان يقول إذا كنت مطاردًا، لا تختَر الطريق الذي يعجب الكبار لأنه أقصر. اختر الطريق الذي يكرهونه لأنه لا يمنحهم مفاجأة.
ساد صمت قصير.
ثم قال فؤاد
اليمين.
ساروا.
فوقهم، كانت الأصوات تزداد.
وفي الخلف، بدا كأن أحدهم اكتشف فتحة النفق فعلًا، لأن الصوت صار أقرب.
صرخ رجل بعيد
إنهم هنا!
قال رجل الأمن
اركضوا!
ركضوا قدر ما يستطيعون في ممر لا يسمح بركض حقيقي. انزلقت قدم السائق مرة، فأمسكه فؤاد. تعثر يوسف بحجر بارز، لكن العجوز التقطه بسرعة مفاجئة لسنّه. الماء كان يتسرب تحت الأقدام في بعض الأماكن، والهواء صار أثقل. ثم ظهر ضوء خافت جدًا في آخر الممر.
قال العجوز
اقتربنا.
لكن في اللحظة نفسها
دوّى إطلاق نار من الخلف داخل النفق.
الرصاص ارتطم بالحجر وتناثر غباره.
صرخ السائق
انخفضوا!
انحنى الجميع. جرّ فؤاد يوسف إلى الجدار. ردّ رجل الأمن بإطلاق قصير من الخلف ليبطئ المطاردين. ارتدت الأصوات مرعبة داخل الممر الضيق.
قال فؤاد للعجوز
اخرج به!
أشار إلى يوسف.
أومأ العجوز ومضى به نحو الضوء.
أما فؤاد فبقي لحظة واحدة إضافية مع رجل الأمن.
اذهب أنت أيضًا.
قالها رجل الأمن دون أن يلتفت.
لن أتركك.
ستتركني إن كان هذا ينقذ الملف والطفل.
تجمّد فؤاد ثانية.
ثم أمسك الملف الأسود، والهاتف، والحقيبة، والتفت أخيرًا.
كان يعلم أن بعض القرارات لا تملك وقتًا لتكون نبيلة.
بل فقط وقتًا لتكون ضرورية.
ركض.
خرجوا من فتحة خلف أكوام خردة معدنية قرب مستودع مهجور. الهواء الخارجي بدا كنجاة مؤقتة. السماء كانت قد دخلت في زرقة ما قبل الليل، والشارع الخلفي شبه خالٍ.
سأل السائق وهو يلهث
أين رجل الأمن؟
نظر فؤاد إلى الفتحة.
لم يجب.
وكان هذا كافيًا.
اقترب يوسف منه.
رفع وجهه الصغير.
هل سيأتي؟
أجاب فؤاد بعد لحظة
أتمنى.
ثم أمسك كتف الطفل بلطف هذه المرة، لا بعجلة.
اسمعني جيدًا. من الآن لن نتحرك إلا إذا كنت قريبًا مني جدًا. هل فهمت؟
نعم.
وأيًّا كان ما تسمعه أو تراه لا تترك يدي.
مد يوسف يده.
أمسكها فؤاد.
وكانت تلك أول مرة منذ بدأ كل شيء
يمسك فيها يد الطفل كما يجب.
لا كحارس.
ولا كمن يجرّ أمانة ثقيلة.
بل كمن يمسك إنسانًا صغيرًا
وسط عالم قرر أن يكون وحشًا.
وفي الطرف الآخر من الشارع، كانت سيارة أجرة قديمة تمرّ ببطء.
لوّح لها السائق.
توقفت.
فتح الباب الخلفي.
قال السائق
إلى أين الآن؟
نظر فؤاد إلى الملف الأسود.
إلى الهاتف.
إلى الطفل.
إلى المدينة التي صارت كلها فجأة شبكة من العيون.
ثم قال الجملة التي ستفتح الفصل الأخطر كله
إلى المرأة التي قال آدم إنها ميتة.
وتحركت السيارة.
بينما، بعيدًا خلفهم، كان مراد يخرج من فتحة النفق الأخرى، ينظر إلى الظلام الذي ابتلعهم، ويبتسم.
لأنه، رغم هروبهم
كان يعرف الآن أكثر من أي وقت
الطفل لم يعد يحمل مجرد بطاقة.
بل صار يحمل الملف الأسود.
والملف الأسود
يكفي لإسقاط رجالٍ بنوا عروشهم فوق اختفاء الناس.
لكنّه أيضًا يكفي
ليجعل العالم كله يطارد طفلًا في الخامسة من عمره.