بعد مـوت جوزي
تتطرد وهي حامل، ومش أول واحدة تتحارب علشان مالهاش ضهر. بس صدقيني مش كل اللي بيقفل باب يبقى كسب.
قعدت في الدار أيام.
كنت باصحى على صوت عصافير، وبنام وأنا سامعة دعاء ستات ما يعرفونيش بس شايليني في قلبهم.
بعد أسبوعين، جالي ظرف على اسمي.
خط إيد الحاجة ليلى.
كانت فاكرة إني روحت العيادة اللي هي اختارتها.
كانت فاكرة إن الموضوع خلص.
بتقولي في الورقة
خدي بالك، لو فكرتي ترجعي تطالبي بأي حاجة، أنا هخلّيكي تندمي.
قريت الرسالة وأنا ماسكة بطني وابتسمت.
مش ابتسامة ضعف.
ابتسامة واحدة لسه عايشة.
الدكتور رجع يزور الدار بعد فترة، وسألني
جاهزة تبدأي من جديد؟
قلت له وأنا أول مرة صوتي ما يكونش مكسور
أنا عمري ما كنت ضعيفة
ساعدوني أرجع أوريجون.
رجعتُ لأهلي
وكانت الخطوة دي مش مجرد رجوع لمكان،
كانت رجوع لنفسي
للجزء اللي كنت بضيّعه وأنا بحاول أكون قوية قدام كل حاجة.
دخلت البيت
وشوفت الوجوه اللي طول عمري باحس معاها بالأمان،
وساعتها مقدرتش أتماسك.
عيطنا سوا
أنا وأمي وأبويا
بس المرة دي، الدموع ما كانتش من خوف،
ما كانتش من وجع بيتكتم،
كانت دموع راحة
دموع حد أخيرًا وصل لمكان يحس فيه إنه مش لوحده.
حضن أمي كان مختلف
كأنه بيقولي إن كل اللي فات انتهى،
وإن في بداية جديدة مستنياني
حتى لو لسه الطريق طويل.
قعدت بين أهلي،
وبدأت أرجّع نفسي حتة حتة،
أجمع اللي اتكسر جوايا،
وأفهم إن القوة مش إني أستحمل كل حاجة
القوة إني أختار
كملت حملي
رغم التعب رغم التفكير
رغم كل لحظة كنت فيها خايفة من بكرة.
كنت كل يوم بحط إيدي على بطني،
وأكلم ابني
أقوله أنا مستنياك
وهنبدأ سوا من جديد.
وكان في جوايا يقين صغير
إن الحياة لسه عندها حاجة حلوة مخبياها ليا.
وفي ليلة مطر هادية
الدنيا كانت ساكنة
والشباك عليه صوت المطر الخفيف
كأن الكون كله بيحضّر للحظة مختلفة.
جالي المخاض
وكان الألم شديد
بس جواه أمل
أمل في بداية أنضف وأصدق.
وبين وجع اللحظة
وصوت المطر
سمعت أول صرخة
وُلد ابني.
اللحظة دي
غيرت كل حاجة.
شيلته بين إيديا
بصيت في وشه الصغير
وحسّيت إن الدنيا، بكل قسوتها،
قررت تعوّضني في لحظة واحدة.
سميته كريم
علشان يبقى شاهد على إن ربنا كريم،
وإن العوض بييجي
حتى لو بعد تعب طويل.
وأنا شايلة ابني
افتكرت كلام الحاجة ليلى
وافتكرت الفلوس
وافتكرت الباب اللي اتقفل في وشي يوم ما كنت فاكرة إن الدنيا خلصت.
ساعتها بس
فهمت.
فهمت إن في أبواب بتتقفل
مش علشان تضيّعنا،
لكن علشان تفتح لنا أبواب أنضف
أهدى
وأليق بينا.
فهمت إن في أوجاع بتيجي فجأة
بتوجعنا بتكسّرنا من جوا،
بس مش علشان تدمّرنا
علشان تعلّمنا.
تعلّمنا نقف لوحدنا
نختار نفسنا
نعيش من غير إذن من حد
ومن غير خوف من حد.
اتعلمت إن النهاية اللي بنخاف منها
ممكن تكون بداية لحياة أصدق.
وإن أقسى اللحظات
ممكن تكون الطريق لأجمل تعويض.
بصيت لابني
وضمّيته أكتر
ووعدت نفسي قبله
إني عمري ما هرجع لنقطة ضعف كسرتني،
وإني
وب كريم.
ومن يومها
بقيت مش بس عايشة
بقيت فاهمة أنا بعيش ليه.
تمت.
بقلم مشيره محمد