بعد طلاقى حكايات نور محمد
المحتويات
إنه كان مسافر وجاب لنا هدايا كتير؟
وقعت الكلمة على هشام كالصاعقة. بابا؟. نظر حوله برعب، وجوه المعازيم،
شركاؤه في العمل، عائلته الكبيرة التي كانت تعاير نور بأنها معيوبة.. الكل كان ينظر إليه بنظرات احتقار وتساؤل.
شيرين بدأت تفقد أعصابها، صرخت بوجه نور
أنتي كدابة! هشام مبيخلفش.. أنتي جايبة عيال من الشارع عشان تبوظي فرحي؟
هنا، أخرجت نور من حقيبتها الصغيرة أوراقاً مطوية بعناية، وألقتها على حجر هشام وهي تقول
دي نتائج التحاليل، وده ورق إثبات النسب، ودي صور الأشعة اللي بدأت من أول شهر لطلاقي.. العيب عمره ما كان فيا يا هشام، العيب كان في استعجالك وظلمك.
هشام حاول النطق، لكن صوته خرج مخنوقاً نور.. أنا..
قطعت كلامه وهي تشير لولادها بالالتفاف أنا جيت عشان أوريك العزوة والخير اللي أنت رميتهم بإيدك. جيت أقولك إن القعدة في الصف الأول مش مقامي.. مقامي كان فوق بكتير بس أنت اللي مكنتش شايف.
التفتت نور لتمشي، لكن حمزة الصغير أفلت يدها وجرى نحو الكوشة، ليلتقط قطعة من التورتة الضخمة بيده، ثم نظر لهشام وقال ببراءة قاتلة
عمو.. مامي بتقول إن العزوة مش بالفلوس.. العزوة باللي بيحبونا بجد. شكراً على الفرح الجميل ده.
خرجت نور من القاعة وهي تسمع خلفها صوت تحطم الكؤوس وصراخ شيرين الهستيري، وصوت هشام وهو ينادي اسمها بضعف. ركبت سيارتها، ونظرت في المرآة لترى وجوه أطفالها الثلاثة يضحكون في المقعد الخلفي.
لم تنتهِ الرحلة هنا، فقد علمت نور في اليوم التالي أن هشام الأنصاري لم ينم في بيته الجديد، بل ظل واقفاً أمام باب شقتها في القاهرة القديمة، يبكي ويترجى أن يرى نسخه التي حرم نفسه منها لسنوات.
لكن نور كانت قد جهزت مفاجأة أخرى.. مفاجأة قانونية
ستجعل هشام يتنازل
سقطت سماعة الهاتف من يد نور. الحاج صالح، الرجل الوحيد الذي كان يعاملها بحنو في تلك العائلة، رحل وترك خلفه لغزاً سيهدم المعبد على رؤوس الجميع.
في مكتب المحامي، كان الجو مشحوناً بالتوتر. هشام كان جالساً، وجهه شاحب وعيناه محتقنتان، وبجانبه والدته الحاجة ثريا التي كانت تنظر لنور بغل مكتوم. دخلت نور بخطوات ثابتة، يتبعها محاميها الخاص.
بدأ المحامي القراءة أنا صالح الأنصاري، أقر وأنا بكامل قواي العقلية، أن حفيدتي تاليا وأحفادي سيف وحمزة هم الورثة الشرعيون لنصف أملاكي الخاصة، بعيداً عن ميراث والدهم.
قامت ثريا صارخة أحفاد مين؟ دي نصابة! ابني مبيخلفش بشهادة الدكاترة!
هنا وضع المحامي ظرفاً أسود على الطاولة وقال بهدوء الوصية ملحقة بتقرير طبي معتمد من لندن، مؤرخ منذ خمس سنوات. الحاج صالح اكتشف أن التحاليل التي اعتمد عليها هشام في طلاق نور كانت مزورة.
الصدمة ألجمت الجميع. هشام وقف بذهول مزورة؟ يعني إيه؟ ومين اللي يزورها؟
المحامي نظر لثريا التي بدأت ترتعش، وأكمل القراءة أعترف أنني اكتشفت مؤامرة دبرتها زوجتي ثريا بالاتفاق مع مديرة المعمل القديم، لإيهام ابني بأنه عقيم، والسبب كان رغبتها في تزويجه من ابنة أخيه شيرين لتظل الثروة داخل دائرة ضيقة، ولأنها لم تحب نور يوماً.
المفاجأة الأولى هشام انهار تماماً، نظر لأمه بذهول وكأنه يراها لأول مرة. أنتي؟ أنتي اللي دمرتي حياتي؟ أنتي اللي خلتيني أرمي ولادي في الشارع وأنا فاكرهم مش ولادي؟
المفاجأة الثانية
نور لم تبكِ. بل فتحت حقيبتها وأخرجت جهاز تسجيل صغيراً. كنت عارفة إن فيه سر.. عشان كدة لما اشتغلت في شركة الحسابات الكبيرة، استخدمت علاقاتي ووصلت
ما تهرب برا مصر.. ومعايا اعتراف صوتي كامل منها، مش بس عن تزوير التحاليل، لكن عن السم اللي كانت ثريا هانم بتدسهولي في الأكل عشان يحصلي إجهاض.. بس إرادة ربنا كانت أقوى وطلعت حامل في تلاتة!
القاعة تحولت لساحة حرب. ثريا حاولت الهرب، لكن المحامي استوقفها فيه بند أخير في الوصية.. في حال ثبت تورط ثريا في أي عمل غير قانوني ضد نور، يُحرم هشام وثريا من حق إدارة المصنع الكبير، وتنتقل الإدارة بالكامل ل نور بصفتها الوصية على الأحفاد.
نور وقفت، وعدلت ياقة قميصها، ونظرت لهشام الذي كان يبكي على الأرض تحت أقدامها.
دلوقتي يا هشام.. المصنع اللي أنت كنت بتذلني بيه، بقى ملكي.
والبيت اللي كنت عايز تطلعهولي صدقة، بقى بقرار من أبوك ملك لولادي. أنت دلوقتي مش بس خسرت عيلتك.. أنت بقيت مجرد موظف عندي.. لو وافقت أشغلك أصلاً.
بينما كانت نور تخرج من المكتب بانتصار، استوقفها شخص لم تتوقعه.. ياسين، الشريك المنافس لهشام والعدو اللدود لعائلة الأنصاري، كان ينتظرها بالخارج وبيده باقة ورد.
ياسين بابتسامة غامضة مبروك يا سيادة المديرة.. اللعبة لسه بتبدأ، والأنصاري لسه عنده أسرار في الدفاتر القديمة لو عرفتيها.. هتحبسي هشام وأمه العمر كله.
نور بصتله بحدّة أسرار إيه يا ياسين؟
ياسين همس في ودنها تعرفي إن هشام كان متجوز عرفي قبل ما يتجوزك؟ وإن البنت دي اختفت في ظروف غامضة يوم فرحكم؟
ساد الظلام الدامس ممرات المستشفى، ولم يعد يُسمع سوى صوت ضربات قلب نور التي كانت تدق كطبول الحرب. سحبت نور ابنيها سيف وتاليا خلف ظهرها، بينما تشبثت ليلى بسرير ابنها حمزة الصغير وهي تصرخ صمتاً من الرعب.
صوت الخطوات الثقيلة اقترب.. وفجأة، اشتعلت إضاءة كشاف يدوي قوية
وحشتيني يا نور..
كان صوتاً مبحوحاً، مليئاً بالغل واليأس. إنه هشام. لكنه لم يكن هشام الذي تعرفه؛ كان ثيابه ممزقة، وجهه ملطخاً بالدماء والتراب، وعيناه تلمعان بجنون مطارد يلفظ أنفاسه الأخيرة. كان يمسك في يده مسدساً، وفي اليد الأخرى حقيبة سوداء صغيرة.
نور بصوت ثابت رغم الرعب خلصت يا هشام.. البوليس برة، والمافيا اللي سرقتهم قالبين عليك الدنيا. وجودك هنا انتحار.
هشام ضحك ضحكة هستيرية أنا فعلاً ميت يا نور! بس مش هتموت لوحدي. أنا جيت آخد العزوة اللي أنتي ورثتيها من أبويا. جيت آخد ولادي.. كلهم!
صوب المسدس نحو سرير حمزة الصغير ابن ليلى، فاندفعت ليلى بجسدها تغطيه وهي تصرخ اقتلني أنا يا هشام! سيب الولد!
نور تقدمت خطوة للأمام، وحجبت الرؤية عن هشام تماماً عايز ولادك؟ بص في عيونهم يا هشام. بص لسيف اللي شبهك.. تفتكر لو سحبت الزناد ده، سيف هيفتكرك بطل؟ هيفتكرك أب؟ هيفضل طول عمره فاكر إن أبوه
هو اللي قتل أمه وقتل أخوه.
يد هشام بدأت ترتعش. الغرور بدأ يتآكل أمام حقيقة ملامحه التي يراها في وجوه الأطفال. في هذه اللحظة، تحرك ياسين في الظل من خلف هشام، محاولاً الانقضاض عليه، لكن هشام لمح ظله ولَفَّ المسدس بسرعة نحو ياسين اثبت مكانك يا ياسين! أنا عارف إنك أنت اللي دبرت كل ده عشان تاخد مكاني.. وتاخد مراتي!
نور استغلت اللحظة، وبحركة سريعة سحبت طفاية حريق من الحائط وضربت بها يد هشام. انطلقت رصاصة طائشة حطمت زجاج النافذة، وسقط المسدس من يده.
التحم ياسين مع هشام في عراك عنيف، بينما كانت نور تحاول تهريب الأطفال وليلى خارج الغرفة. لكن فجأة، اقتحم الممر ثلاثة رجال ضخام الجثة، يرتدون ملابس سوداء ويحملون أسلحة كاتمة للصوت.
المافيا.. همست نور برعب.
لم يأتوا لإنقاذ هشام،
متابعة القراءة